رواية كاملة

لمحة نيوز


أحلى عروسة في الدنيا.
البنت بطلت عياط وبصتلي بعيون واسعة ولمعة أمل بجد يا دكتورة؟ هبقى حلوة؟
قولتلها وأنا ببوس إيدها هتبقي زي القمر، وأحلى كمان.. عشان الجمال الحقيقي بيطلع من هنا، من القلب النضيف.
أم البنت دعت لي من قلبها والدموع في عينيها. في اللحظة دي، وأنا شايفه الفرحة في عيونهم، عرفت إن ربنا مبعتنيش بوسطن ودخلني المجال ده بالصدفة.. ربنا كان بيعوضني عن كل كلمة تجريح سمعتها في طفولتي، وبيديني القوة إني أصلح القلوب والوجوه اللي انكسرت زيي.
مرت الأيام، وحياتي رجعت لروتينها الجميل الناجح.. عيلتي القديمة حاولت تتصل بيا كذا مرة، سلون بعتت رسايل بتعيط وبتطلب فلوس عشان تسدد ديون الفرح اللي اتلغى، وأمي بعتت تقولي إنها تعبانة ومحتاجة دكتورة شاطرة زيي تقف جمبها.
بس أنا ماردتش على أي حد فيهم.. عملت لهم بلوك من حياتي كلها. مش كره، ولا انتقام.. بس لأن طاقتي ومحبتي بقوا يروحوا للناس اللي يستاهلوها فعلاً.. لمرضايا، لشغلي، ولنفسي اللي ياما ظلمتها معايا.
قفلت الصفحة القديمة دي لآخر مرة، وبصيت للمستقبل وأنا متأكدة إن اللي جاي كله جبر وخير.
بعد كذا أسبوع، قابلت ناثان في بوسطن زي ما كنا متفقين. قعدنا في مطعم هادي بيطل على البحر، والكلية والمستشفى كانوا منسقين معانا عشان نبدأ مشروع خيري كبير باسم مؤسسة الجبر لعلاج تشوهات الحروق والحوادث للأطفال بالمجان.
ناثان كان باين عليه إنه تخطى الصدمة وبدأ يفوق لحياته، وبصلي بامتنان وقال عارفة يا دكتورة هانا؟ أنا حاسس إن ربنا أنقذني من الحادثة دي مرتين.. مرة لما جابك في طريقي عشان تعالجي وشي، ومرة لما جابك في الفرح عشان تنقذي مستقبلي وروحي من جوازة كانت هتبقى أكبر غلطة في حياتي.
ابتسمت وقولتله كل حاجة بتحصل بترتيب ربنا يا ناثان، والمهم إننا نتعلم من الدرس ونمشي في طريقنا وإحنا أقوى.
المشروع بتاعنا نجح نجاح مكسر الدنيا، واسمي بدأ يتردد في أكبر المجلات الطبية بره وجوه أمريكا، مش بس كجراحة شاطرة، لا كإنسانة قدرت تغير حياة مئات الأطفال وترجع لهم الابتسامة من تاني.
وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بالمستشفى براجع كشوفات العمليات الجديدة، الممرضة دخلت عليا وقالتلي إن فيه طرد شخصي جالي من مصر، ومكتوب عليه سري للغاية.
فتحت الطرد بفضول، لقيت جواها مصحف صغير متقفل بقطيفة خضرا، ومعاه رسالة مكتوبة بخط إيد مهزوز وضعيف.. كانت من أبويا.
فتحت الورقة وقريت
بنتي الغالية دكتورة هانا.. أنا بكتبلك الجواب ده وأنا على سرير في المستشفى، الدكاترة بيقولوا إن أيامي في الدنيا بقت معدودة. أنا مش طالب منك فلوس، ولا طالب منك تيجي تشوفينا.. أنا بس كان نفسي قبل ما أقابل ربنا أقولك إني آسف. آسف على كل لحظة خليناكِ تحسي فيها إنك قليلة، وآسف إننا عمينا عن جوهرك الغالي وجرينا ورا المظاهر الفاضية. سلون اتجوزت واحد على قد حاله وبيعامله بقسوة، وأمك صحتها تدهورت وبقت عايشة في ندم مبيفارقهاش.. إحنا ادمرنا من يوم ما شيلنا اسمك من حياتنا، وعرفنا إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب. سامحي أبوكِ يا هانا عشان يرتاح في تربته.
دمعة نزلت من عيني على الورقة.. مش دمعة حزن ولا قهر، دي كانت دمعة الشفقة على ناس ضيعوا حياتهم في الجري ورا السراب، وفي الآخر ملحوقش غير الندم.
قفلّت الجواب، وحطيت المصحف على مكتبي، وغمضت عيني وقولت اللهم إني عفوت عنهم لوجهك الكريم، فاغفر لهم وارحمهم.
حسيت في اللحظة دي إن آخر قيد كان رابطني بالماضي اتقطع واتفك تماماً. مبقاش جوايا أي غل ولا نقطة وجع واحدة.. أنا بقيت حرة، ونفسي راضية ومطمنة.
وقفت، عدلت البالطو الأبيض بتاعي، وخرجت من المكتب عشان أروح لغرفة العمليات.. كان عندي طفلة صغيرة مستنياني بره عشان أرجع لها وشها الجميل، وأنا كنت جاهزة بكل حب وأمل إني أبدأ مع عيلتي الحقيقية.. عيلة المرضى والناس اللي محتاجينلي فعلاً
غرفة العمليات كانت جاهزة، والهدوء اللي فيها كان بيساعدني على التركيز. البنت الصغيرة كانت نايمة في البنج وزي الملاك، وشها اللي اتبهدل من الحروق كان مستني لمسة شفاء.
مسكت المشرط وبدأت أشتغل.. كل غرزة كنت باخدها وكل رقعة جلد كنت بصلحها، كنت بحس إني بخيط جروح قلبي القديمة معاها. الشغلانة دي مابقتش مجرد مهنة بالنسبة لي، دي بقت رسالتي اللي ربنا اختارني ليها عشان أثبت للعالم إن الجمال مش غلاف خارجي بيتأثر بشوية نار أو جرح، الجمال هو الروح اللي بتقوم وتكمل رغم كل الوجع.
بعد أربع ساعات طويله، خلصت العملية. خرجت بره العمليات وأنا بقلع الكمامة وبتنفس براحة. أم البنت جرت عليا وهي بتترعش وبتمسك في إيدي طمنيني يا دكتورة هانا.. أرجوكِ قوليلي إن بنتي هتبقى كويسة؟
ابتسمت لها من قلب الصافي وقولتلها بنتك زي الفل يا أمي.. العملية نجحت بنسبة مية في المية، وفترة وهترجع تضحك وتنور بيتها من تاني، ومفيش أي أثر هيفضل يضايقها.
الست من كتر الفرحة وقعت على الركب وهي بتعيط وتدعيلي ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطري.. ربنا يفتحها في وشك ويرزقك بابن الحلال اللي يصونك ويشيلك في عينيه!
الدعوة دي لمست قلبي قوي، وفي نفس اللحظة لمحت ناثان جاي من آخر الممر وهو شايل في إيده باقة ورد أبيض وجميل، وعينيه كانت بتلمع بفخر واعجاب حقيقي وهو شايفني
وأنا بنقذ حياة الناس.
قرب مني وناولني الورد وقال بصوت واطي ومحترم مبروك نجاح العملية يا دكتورة هانا.. أنا بتابعك من بعيد ومكنتش حابب أقاطعك، بس بجد أنا كل يوم بكتشف إنك إنسانة مفيش منها اتنين في الزمن ده.
شكرته وقولتله الورد ده جميل قوي يا ناثان، شكراً لذوقك.
قال وهو باصص في عيني بجدية هانا.. أنا بقالي فترة برتب للموضوع ده، وبصراحة مبقتش قادر أستنى أكتر من كده. أنا كلمت أهلي، وحابب أطلب إيدك رسمي.. أنا مش عايز من الدنيا دي غير إنسانية زيك تشاركني حياتي ونبني بيتنا على الأصول والرحمة اللي شوفتها فيكِ. تسمحيلي أدخل حياتك؟
بصيت للورد الأبيض اللي في إيدي، وبصيت لناثان اللي صان طريقي ووقف جمبي، وحسيت إن ربنا بعتلي العوض الكبير والكامل في وقته الصح.. العوض اللي يمسح كل دمعة نزلت من عيني زمان وأنا واقفة في حوش بيتنا القديم.
وافقت بابتسامة هادية، وحسيت إن الدنيا بتفتحلي دراعاتها من جديد.
بعد كام شهر، اتجوزنا في حفلة صغيرة وعلى القد في بوسطن، مفيش فيها غير الأصحاب المخلصين والناس اللي بيحبونا بجد، ومرضايا اللي كانوا معازيم الشرف بتوعي. كنت لابسة فستان أبيض مقفول ورقيق قوي، ومكنتش محتاجة أثبت لأي حد إني جميلة.. لأن نظرة الحب والاحترام اللي في عين ناثان والناس اللي حواليا كانت كفاية تخليني أحس إني ملكة جمال العالم كله.
وعرفت ساعتها إن اللي بيسيب حقه لربنا، ربنا بيرجعهوله أضعاف.. والقصة اللي بدأت بكسرة ودموع في أوهايو، انتهت بأحلى فرح وجبر خاطر في بوسطن..

 

تم نسخ الرابط