رواية كاملة
أهم ليلة في حياتهم.
رديت على ناثان بهدوء وثبات تام، وابتسمت ابتسامة خفيفة صافية العالم صغير قوي يا ناثان.. وأنا جيت هنا النهاردة بس عشان ألبي الدعوة، وكنت فاكرة إن الزمن بيغير النفوس. مبروك على كل حال.
لفيت ضهري ومشيت بثقة.. فستاني الزمردي كان بيلمع تحت إضاءة القاعة، وخطواتي كانت خفيفة كأني سبت ورايا حمل حداشر سنة من الوجع. وأنا خارجة، سمعت صوت ناثان وهو بيقلع وردة العريس من بدلتها وبيقول لسلون بصوت حاد الفرح ده مش هيكمل.. أنا مش هربط اسمي بعيلة ممسوح منها الإنسانية بالشكل ده.
صوت ناثان وهو بيلغي الفرح كان زي القنبلة اللي انفجرت في القاعة. سلون صرخت صرخة مكتومة وقعت بعدها على الركب، وفستان فرحها الأبيض اتبهدل من التراب وهي بتمسك في بنطلونه وبتعيط بانهيار ناثان عشان خاطري متعملش فيا كده! الناس هتقول عليا إيه؟ دي ليلة عمرنا!
ناثان شد رجله منها بقرف وبص لها بنظرة أخيرة كلها صدمة الناس المفروض تقول على أصلكم إيه لما تتبيروا من لحمكم عشان شكلها؟ أنا كنت شايفك ملاك يا سلون.. بس طلعتي مجرد قشرة من بره، ومن جوه سواد. سابها ومشي بره القاعة، وراه أهله وأصحابه اللي كانوا مذهولين من اللي سمعوه.
في اللحظة دي، القاعة اتقلبت لسرادق عزا. المعازيم والجران اللي كانوا زمان بيضحكوا على تريقة أمي عليا، بقوا يبصوا لأمي وأبويا بنظرات شماتة وقرف، وبدأوا يلموا حاجتهم ويمشوا وهم بيهمسوا لبعض يخرب بيت كده.. ذنب البنت مأخرش، ربنا فضحهوم في ليلة فرح بنتها المدللة.
أمي دينيس جرت عليا زي المجنونة قبل ما أوصل لباب الخروج، وشها كان أصفر زي الليمونة وعينيها مليانة غل وخوف في نفس الوقت، مسكتني من كتفي وقالت بصوت واطي ومحشرج ارجعي يا هانا.. ارجعي صلحّي اللي هببتيه! كلمي ناثان وقوليله إننا كنا بنهزر.. متخربيش بيت أختك، أنتِ عايزة تشمتي فينا الناس؟
بصيت لإيدها اللي ماسكاني، ورفعت عيني في عينيها بكل برود وهدوء. لأول مرة في حياتي مكنتش حاسة بالخوف منها، ولا بالرغبة إني أعيط أو أتحايل عليها تحبني. رديت عليها بصوت مسموع للكل تصدقي يا أمي؟ أنتِ لسه زي ما أنتِ.. لسه شايفة إن وجعي وكسرتي زمان كانوا هزار، وزعل سلون النهاردة هو اللي خراب بيوت. اللي حصل ده مش ذنبي، ده حصد زرعتكم اللي زرعتوها من حداشر سنة.
أبويا آلان جه وراها، وكان باين عليه الكبر والعجز فجأة، كاس البيرة اللي في إيده مكنش قادر يداري رعشة صوابعه. بص للأرض وقال بصوت مكسور سامحينا يا هانا.. إحنا غلطنا في حقك.
المسامحة دي محتاجة قلوب لسه باقية عليكم يا بابا، رديت عليه وأنا بعدل شياكة فستاني الزمردي، بس أنا قلبي مبقاش فيه أي حاجة ناحيتكم.. لا كره ولا حب، إنتوا بقيتوا بالنسبة لي مجرد ناس غرب بمر عليهم في السكة.
لفيت ضهري وخرجت من باب القاعة المفتوح على الهوا النظيف بره. الجو بره كان هادي قوي وصوت العصافير في المزارع كان مريح للأعصاب، عكس الصراخ والعياط اللي كان مالي المكان ورايا.
ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية اللي قدامي.. شوفت دكتورة ناجحة، واثقة من نفسها، ملامحها مرسومة بالكرامة والتعب والشقا اللي عمل منها إنسانة حقيقية. ابتسمت لنفسي وسوقت في طريقي للمطار، راجعة لحياتي، لبيتي، و لمرضايا في بوسطن.. راجعة للمكان اللي بيعرفوا فيه قيمة البني آدم بقلبه وأفعاله، مش بقسوته ومظاهره.
وأنا على أول طريق المطار، تليفوني رن بنغمة خاصة.. كان ناثان.
ركنت العربية على جنب ورديت. صوته كان هادي بس مخنوق من الصدمة دكتورة هانا.. أنا بجد مش عارف أعتذر لك إزاي على القرف اللي شوفتيه النهاردة، وعلى إني كنت سبب في إنك تقفي في الموقف ده.
رديت عليه بثقة بالعكس يا ناثان، أنت متعتذرش عن حاجة. أنت النهاردة نصفتني من غير ما تقصد، وفتحت عيني على حقيقة إني كنت مكسورة من ناس ميسوووش. أنا اللي بشكرك.
سكت لحظة وقال أنا لغيت الفرح وكل حاجة انتهت.. سلون وأهلها مش دول الناس اللي أأتمنهم على بيتي وعيالي في المستقبل. بس لو تسمحيلي.. أنا حابب أعزمك على العشا لما أرجع بوسطن الأسبوع الجاي، كنوع من التقدير، وكمان عشان نتكلم في الشغل الخيري اللي بنرتبه مع المستشفى.
ابتسمت وقولتله تنور في أي وقت يا ناثان، بوسطن مستنياك.
قفلت السكة وأنا حاسة بسلام داخلي عمري ما عشته قبل كده. كملت طريقي للمطار، قطعت تذكرتي وركبت الطيارة. طول الرحلة كنت باصة من الشباك على السحاب والبيوت اللي بتصغر تحتيا، وحاسة إن هموم حداشر سنة بتدوب وتختفي مع كل متر الطيارة بترفعه لفوق.
وصلت بوسطن وتاني يوم الصبح نزلت شغلي في المستشفى. لبست البالطو الأبيض بتاعي، ودخلت العيادة عشان أشوف الحالات الجديدة.
أول حالة كانت بنت صغيرة عندها 8 سنين، وشها فيه حروق من الدرجة التانية بسبب حادثة في المطبخ. البنت كانت قاعدة ومخبية وشها بإيدها وبتعيط، وأمها واقفة جمبها وعينيها مليانة دموع وخوف على مستقبله بنتها.
قربت من البنت براحة، وقعدت على ركبي عشان أكون في نفس مستواها، وشيلت إيدها من على وشها بحنية وابتسمت لها عارفة يا جميلة؟ أنتِ شبه الأميرة اللي في الحواديت بالظبط.. والوجع الصغير اللي في وشك ده، إحنا هنخفيه سوا، وهتبقي