رواية كاملة

لمحة نيوز


فقدت شهيتي، هات الحساب لو سمحت.
شريف رد بسرعة
غريبة! دي أحسن حاجة في المنيو، والآنسة مريم بنفسها رشحتهالك.
الراجل رفع عينيه وبصله مباشرة.
أنا طلبت الحساب.
شريف اضطر يحاسبه على الطبق كامل، رغم إن الراجل ممسش فيه.
ومريم كانت واقفة بعيد، بتراقب الموقف، وحاسة إنها نجحت في إنها تمنع مصېبة.
لكنها
مكنتش تعرف إن شريف اكتشف اللي عملته!
بعد ما الزبون مشي، شريف ناداها على مكتبه.
دخلت مريم وهي بتحاول تخفي خۏفها، لكنه مد إيده وقال بحدة
هاتي الدفتر بتاعك.
ليه يا فندم؟
قولت هاتيه!
ناولته الدفتر، وبدأ يقلب في صفحاته، لحد ما وصل للورقة المقطوعة.
جاب قلم رصاص، ومرره على الصفحة اللي بعدها، فظهرت آثار الكلمات اللي كانت مريم كاتباها من شوية.
قرأ بصوت واطي
متاكلش اللحمة!
رفع عينيه ليها، ووشه اتقلب.
مريم بطلت تدور على أي حجة، وقالت بثبات
كان لازم أحذره.
شريف خبط الدفتر على المكتب پعنف.
إنتِ ضيعتي عليّا مكسب النهارده!
ردت وهي بتبصله في عينيه
حضرتك حاسبته تمن الطبق كامل، والطبق لسه زي ما هو!
شريف قام من مكانه، وأشار ناحية الباب.
لمّي حاجتك وامشي! إنتِ مرفودة!
مريم حسّت إن رجليها مش شايلينها، لكنها رفعت راسها وقالت
أنا مش ندمانة على اللي عملته.
شريف فتح الباب وقال بغلظة
بره!
خرجت مريم وهي بتحاول تمنع دموعها، مش عارفة هتدفع الإيجار منين، ولا هتلاقي شغل جديد إزاي.
لكن في نفس اللحظة، بعيد عن المطعم، كان الراجل اللي أنقذته بيفتح تليفونه وبيتصل برقم معين.
وأول ما الطرف التاني رد، قال جملة واحدة
أنا عايز أعرف كل حاجة عن مدير مطعم قصر البحيرة وعايز أعرف مين سمح له إنه يعرّض حياة الزباين للخطړ!
لأن مريم مكنتش تعرف إن الراجل اللي طردوه من المطعم بسبب هدومه القديمة
كان صاحب المطعم الحقيقي، وإنه دخل بنفسه علشان يختبر المكان من غير ما حد يعرف هويته!
حكايات بسمه
خرجت مريم من الباب الخلفي لمطعم قصر البحيرة والدموع محپوسة بالعافية في عينيها. كانت طاقة الخۏف والقهر جواها بتغلي، بس حاسة بنظافة في ضميرها تسوى الدنيا. مسكت شنطتها البسيطة ومشت في الشارع الجانبي للبحيرة، والليل كان بدأ يرمي ضله على المية، والبرد ينخر في عظامها.
كل تفكيرة كانت بتدور حولين الإيجار وټهديد صاحبة الشقة، وصوت شريف المستفز وهو بيرميها برة المكان.
في نفس الوقت، كان الراجل صاحب الجاكت القديم قاعد جوة عربية سوداء فارهة كانت مستنياه على بعد خطوات من المطعم. قلع الجاكت القديم ورماه على الكنبة الجانبية، وبص لمساعده الشخصي جلال اللي كان سايق وقال بنبرة هادية بس صلبة زي الصلب
جلال.. شريف منصور مش بس مدير فاشل، ده مچرم بيأكل الناس سمۏم عشان يزود هامش ربحه المكتوم. التقرير المالي والتفتيش الصحي للمطعم يتفتحوا فوراً، وتجمعلي كل العاملين في الفرع بكرة الساعة تسعة الصبح.
جلال هز رأسه باحترام
وتحت أمرك يا فاروق بيه. والبنت النادلة اللي حذرت حضرتك؟
فاروق ابتسم ابتسامة دافية وقصيرة
البنت دي هي السبب الوحيد اللي يخلي المطعم ده يستاهل يتفتح تاني يا جلال.. هاتها بكرة الصبح أول واحدة.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالتمام.
شريف منصور كان داخل المطعم ببدلته الأنيقة، حاطط رجل على رجل ومبسوط
إنه اتخلص من مريم اللي كانت عاملة فيها الشريفة. كان فاكر إن اليوم هيمشي عادي، حد ما تفاجأ بوجود ثلاث عربيات سوداء واقفة قدام الباب الرئيسي، ورجالة ببدل رسمية مالين الصالة.
شريف اتخض وطلع يجري على الاستقبال
في إيه يا جماعة؟! انتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟!
من الصالة الملكية المطلة على البحيرة، خرج فاروق بيه.. المرة دي ما كانش لابس الجاكت المترقع ولا البنطلون المبقع بالطين. كان لابس بدلة تفصيل خاص بأغلى أنواع الصوف، وساعة ذهبية بتلمع في إيده، وعينيه فيها هيبة ووقار يخلوا أي حد يوطي رأسه.
شريف اتجمد مكانه، الفك بتاعه كاد يقع من الصدمة لما اتعرف على ملامح الراجل!
ح... حضرتك؟! الزبون بتاع امبارح؟!
فاروق مشي بخطوات بطيئة ووقف قدامه، وقال بصوت هز جدران المطعم
أنا مش مجرد زبون يا شريف.. أنا فاروق البحيري، المالك الفعلي لسلسلة مطاعم وشركات قصر البحيرة، اللي انت كنت فاكر إنك بتخدعهم وبتبيع لزبائنهم أكل فاسد عشان تحط الفلوس في جيبك!
شريف وشه تحول للون الأسود، ورجليه بدأت تترعش وهو بيتراجع للخلف
فاروق بيه؟! أنا.. أنا والله ما كنت اعرف! الأكل كان سلي...
فاروق رفع إيده بصرامة وسكّته في ثانية
التقرير الطبي والرقابي ورايا برة.. اللحمة الفاسدة اللي كنت بتعدمها على الورق وتبيعها للناس اتحفظ عليها، والميزانية المزورة اللي كنت بتقدمها للمقر الرئيسي اتقفلت بالكامل!
في اللحظة دي.. انفتح الباب الرئيسي، ودخلت مريم.
كانت لابسة هدومها العادية البسيطة، وشكلها مجهد من التفكير طول الليل، وباصة للمكان باستغراب ومش فاهمة ليه طلبتها شركة الإدارة الصبح.
أول ما شافها فاروق، ملامحه الحادة تطرّت وابتسم لها بدفء
أهلاً يا مريم.. تعالي.
مريم بصت للراجل الصاحب البدلة الفخمة، وبعدين صډمتها كبرت لما ميزت ملامح الزبون بتاع ترابيزة 17!
شهقت بصوت واطي
حضرتك.. الزبون بتاع امبارح؟!
فاروق هز رأسه
أيوه يا مريم.. أنا صاحب المطعم ده. وأنا اللي دخلت امبارح بهدوم قديمة عشان أشوف بعيني إزاي إدارتي بتعامل الناس البسيطة، وإزاي بيراقبوا أمانة الأكل.
الټفت فاروق لشريف، وبص له بقرف واشمئزاز
شريف منصور.. انت مطرود رسمياً من المجموعة كلها. والنيابة العامة وقوات الشرطة مستنيينك برة پتهمة الفساد والتربح والتسبب في إضرار صحة المواطنين عمدًا.
أمن المطعم مسكوا شريف من دراعاته وهو پيصرخ ويبكي وبيتوسل، وسحبوه برة المطعم قدام الشيف كريم وكل العمال اللي كانوا وافقين بيتفرجوا عليه بذهول وفرحة مكتومة.
بعد ما الشوشرة خلصت..
الټفت فاروق ل مريم، ومد إيده بكارت ذهبي وقال بصوت دافي وحنون
مريم.. انتِ أثبتِ امبارح إن الضمير والأمانة مش بتباع ولا بتشترى. خاطرتِ بأكلك وشغلك وإيجار بيتك عشان تحمي بني آدم ما تعرفيهوش من الضرر.
مريم دموعها نزلت من الفرحة والارتياح
أنا عملت اللي يمليه عليا ضميري يا فندم.
ابتسم فاروق بثبات وقال
وعشان كده.. من النهاردة، انتِ المديرة العامة
لفرع مطعم قصر البحيرة هنا في الفيوم، بمرتب خيالي وسكن خاص مملوك للشركة. والشيف كريم هيترقى ليكون الشيف الرئيسي، لأن الأمانة والعمل النظيف هما القوانين الجديدة للمكان ده.
مريم ما كانتش مصدقة أذنيها! الشيف كريم وباقي العمال بدأوا يصفقوا بحرارة وفرحة شديدة، والمطعم كله اتحول لمكان مليان أمل وضحك.
فاروق بص للمية الصافية بتاعة البحيرة، وقال لمريم
الشغف والأخلاق هما اللي بيبنوا البيوت والمطاعم يا مريم.. وانتِ عود المكان ده من النهاردة.
ومن اليوم ده.. مطعم قصر البحيرة بقى أشهر وأحلى مطعم في الفيوم كله، مش بس عشان أكله الجميل، بس عشان بقى تحت إدارة ست أثبتت إن النظافة والضمير هما أعظم ثروة ممكن يملكها بني آدم.
تمت.

تم نسخ الرابط