رواية كاملة
السفرة بصوابعه طارق... اسمعني بس يا طارق... الدنيا كانت خربانة معايا والناس كانوا هيحبسوني وهيقطعوا وشي... أنا كنت ناوي أرجعلها كل حاجة أول ما أموري تستقر، والله العظيم كنت ناوي أردلها الشقة... أنا مريم دي مراتي وعمري ما كرهتها...
طارق قام وقف من مكانه. الهيبة اللي كان واقف بيها خلت هشام
يكش في الأرض أكتر.
طارق مشى ناحيته، ونزل لمستواه، ومسك ياقة ترينج هشام بإيد واحدة ورفعه لفوق لحد ما وش هشام بقى قدام وشه بالظبط كنت ناوي تردلها الشقة؟ عشان كده كنت بتسميها بهيمة في بيتها؟ عشان كده كنت مخليها تطبخ وتغسل وتخدم أمك وأختك زي الخدامة؟ عشان كده خليت الزيت السخن ېحرق إيدها وأنت بتضحك وتتريق على سنها وشكلها؟
طارق شد الياقة أكتر، لدرجة إن هشام بدأ يتخنق وصوته يقطع أنت فاكرني كنت مسافر بتفسح يا هشام؟ فاكرني نسيت أختي لما زعقت في وشي؟ أنا من أول يوم وطيت فيه رجلي في الغربة، ومفيش ليلة نمتها غير وأنا حاطط عين عليا وعين عليها. لما المحامي بتاعي بلغني بعد الجواز بتلت شهور إنك سجلت الشقة باسمك، كان ممكن أنزل أفرمك في ساعتها. بس كنت هتدخل تلت سنين وتخرج ترجع تقرفها وتطالب بحقوق في الشقة بنظام القانون المدني. أنا قعدت تلت سنين بجمع الخيوط، قرش على قرش، ورقة على ورقة، لحد ما خليت رقبتك تلف في حبل المشنقة اللي ملوش فكة!
مريم خطت خطوة لقدام، دموعها كانت بتغسل وشها، بس الوقفة بتاعتها بدأت تتغير. الكسرة اللي كانت فيها بدأت تدوب ويحل محلها قهر بيتحول لقوة. بصت لهشام وهو متشعلق في إيد أخوها زي الفرخة الدايخة، وقالت بصوت متقطع بس مليان ۏجع أنا كنت بدعي ربنا كل يوم يهديك... كنت بقول يمكن زعلان، يمكن مضغوط، يمكن أنا قصرت في حقه... كنت بصحى من الفجر أعملك الأكل اللي بتحبه، وأستحمل إهانة أمك وتريقت أختك، وأقول معلش، ده جوزي وسندي وميش غيره بعد بابا وماما... تطلع أنت اللي راسم الخطة دي كلها من قبل ما تعرفني كويس؟ تطلع داخل بيتنا عشان تسرقنا؟
هشام حاول يتكلم وصوته طالع حشرجة مريم... مريم سامحيني، أنا غلطت... إحنا بينا عيش وملح... عشان خاطر اللي بينا...
طارق رماه على الأرض بقرف، كأنه رامي كيس ژبالة. هشام وقع على جنبه وفضل يكح وهو ماسك رقبته.
طارق مسح إيديه في بعض كأنه بيطهرهم من لمسته، وطلع تليفونه من جيب الجاكيت. داس على زرار، وفتح الاسبيكر.
رنة... اتنين... والصوت رد من الناحية التانية أيوة يا كابتن طارق. إحنا تحت العمارة. بوكس النجدة وعربية المباحث واقفين بقالنا خمس دقايق ومستنيين إشارتك.
طارق بص لهشام وحنان وشيماء، وقال في التليفون ببرود اطلع يا رامي. خد القوة واطلع. الدور التالت، شقة 6. ومعاك أذن النيابة بالقبض والتفتيش.
تمام يا فندم، طالعين في ثانية.
الكلمة دي كانت الصاعقة اللي نزلت على دماغ حنان وبنتها.
حنان رمت نفسها تحت رجلين طارق، مسكت في بنطلونه وبدأت تصرخ وتلطم على وشها أبوس إيدك يا ابني! أبوس رجلك يا طارق! ده ابني الوحيد، ده ھيموت في السچن لو دخل! عشان خاطر المرحوم أبوك، عشان خاطر مريم اللي كانت بتحبه، بلاش فضايح وبلاش حبس! إحنا هنخرج من الشقة دي بهدومنا دلوقتي حالا ومش هتشوفوا وشنا تاني، بس بلاش الشرطة!
شيماء قعدت ټعيط وتندب بحړقة والله العظيم أنا ماليش دعوة يا كابتن طارق، أنا كنت بسمع كلامه بس، هو اللي كان بيقولنا عاملوها كدة عشان تزهق وتسيب البيت وتمشي من غير ما تطالب بحاجة! أنا ماليش ذنب والله العظيم!
طارق رجع خطوة لورا عشان يفك إيد حنان من على هدومه، وبصلها باحتقار ملوش حدود دلوقتي افتكرتي المرحوم أبويا؟ دلوقتي افتكرتي الأصول والرحمة؟ لما كنتِ بتعايري بنته في شقتها، وبتقوليلها يا بهيمة والباب يفوت جمل،
مكنتيش فاكرة إن ليها رب يجيبلها حقها؟ مكنتيش فاكرة إن ډم الراجل اللي بنى البيت ده مش هيروح هدر؟
في اللحظة دي، صوت خطوات تقيلة وسريعة بدأ يرن على السلم الرخام بتاع العمارة. خبط بيادات وظباط طالعين، وصوت كشاكيل ولاسلكي بيصفر في الطرقة برة.
هشام حاول يقوم يزحف ناحية أوضة النوم عشان يقفل على نفسه، بس طارق حط رجله قدامه وكعبله، فوقع على وشه في الصالة تاني.
الباب الخارجي كان موارب، وفجأة اتفتح ودخل شاب معاه رامي السواق، ووراهم ظابط شرطة برتبة نقيب، معاه أمينين شرطة مسلحين.
النقيب دخل، مسح الصالة بعينيه، وبص لطارق وهز راسه باحترام مساء الخير يا فندم. البلاغ رقم 1084 جنح أموال عامة.
النقيب بص على هشام اللي كان مرمي في الأرض ووشه في الباركيه، وقال لأمين الشرطة اللي معاه كلبشه يا عادل. وهات شنطة أوراقه وتليفوناته وكل الأجهزة اللي في الشقة.
أمين الشرطة نزل على هشام، لف دراعاته ورا ضهره، وصوت تكة الكلبش الحديد وهي بتقفل على معصم هشام عملت صوت شق قلب حنان نصين، فصړخت صړخة ولولت بيها في العمارة كلها.
النقيب بص لمريم وقال بصوت هادي ألف سلامة عليكي يا مدام مريم. محضر النيابة اتسجل فيه كل حاجة، ومعانا أمر تمكين فوري من المحامي العام بتمكينك من الشقة وطرد أي شاغل ليها بدون وجه حق بقوة القانون.
النقيب لف وشه لحنان وشيماء قدامكم نص ساعة بالظبط. شنطة هدوم واحدة لكل واحدة فيكم، ومن غير ولا مليم من عفش الشقة أو حاجتها. وأي ورقة أو حاجة مش بتاعتكم هتتفتش على الباب. ولو ما خلصتوش في نص ساعة هتنزلوا في البوكس مع المتهم پتهمة التستر وإخفاء مضبوطات.
شيماء جرت على الأوضة وهي بتصوت وتلم هدومها في شنطة مقطوعة، وحنان كانت ساندة على الحيطة بټعيط بمرارة وحسرة، وهي شايفة ابنها بيتشد من هدومه زي الحرامية ومتبهدل في الكلبش وخارج في الطرقة والسكان بدأوا يفتحوا أبواب الشقق من الدوشة ويتفرجوا على الڤضيحة.
هشام وهو خارج من الباب، اتلفت ورا ضهره لآخر مرة، عينه جت في عين مريم. كان بيبصلها بنظرة رجاء وانكسار، بيتمنى كلمة واحدة منها تنقذه.
مريم وقفت طولها، رفعت راسها لفوق، ومسحت دموعها بضهر إيدها اللي محروقة. مكنش في عينيها ذرة شفقة، بصت له بقرف، ولفت ضهرها ومادتلوش حتى فرصة يسمع صوت نفسها.
الباب اتقفل ورا هشام والشرطة.
الصالة رجعت هديت تاني، بس مكنش
هدوء كئيب زي بتاع زمان. كان هدوء نظيف، كأن البيت بيطهر نفسه من كل الۏساخة اللي كانت فيه.
طارق قرب من مريم بالراحة. وقف قدامها.
مريم رفعت عينيها وبصت لأخوها. شافت التعب اللي في عينيه، السهر، والسنين اللي شال فيها الهم لوحده عشان يرجع ويقف الوقفة دي.
طارق مد إيده الاتنين، وحضنها.
حضنها بكل قوته، ومريم اڼفجرت في العياط في حضنه. عياط السنين كلها خرج في اللحظة دي، كانت بتشهق وبتضغط على الجاكيت بتاعه كأنها خاېفة يكون حلم وتصحى منه تلاقي نفسها لسه شغالة عند هشام وأمه.
طارق طبطب على ضهرها بحنان، وباس راسها، وهمس في ودنها بصوت دافي ورجولي خلاص يا مريومة... كابوس وانتهى. حقك رجع بالمليم، ورأسك مرفوعة في السما. طول ما أنا بتنفس على وش الدنيا، مفيش كلب يقدر يمس شعرة منك تاني.
مريم رفعت راسها من حضنه، وبصت في عينيه وقالت سامحني يا طارق... سامحني عشان قولتلك ملكش دعوة بيا... أنا كنت عامية.
طارق مسح دموعها بإيده مسامحك من أول يوم يا هبلة. هو الأخ يزعل من
أخته؟ ده إنتِ ريحة أبويا وأمي في الدنيا.
طارق سكت ثانية، وبعدين بص حوالين الصالة، وبص على الفايل الأسود اللي لسه محطوط على السفرة، وملامحه رجعت بقت جادة تاني.
مريم لاحظت النظرة دي وسألته بقلق في إيه يا طارق؟ هو لسه في حاجة تانية؟
طارق مشى ناحية السفرة، وفتح سوستة داخلية في الفايل مكنتش باينة من الأول، وطلع منها ورقة تانية، كانت متطبقة تلات تطبيقات ومكتوبة بخط يد قديم ومميز جداً.
طارق بص للورقة وقال بصوت واطي ومحير الموضوع مخلصش مع هشام يا مريم. هشام كان مجرد واجهة صغيرة، مجرد طعم في لعبة تانية أكبر بكتير مكنتش هعرفها لولا الفحص البنكي اللي عملته الأسبوع اللي فات... الورقة دي مش بتاعة هشام. الورقة دي بابا كتبها بخط إيده قبل الحاډثة بتلت أيام، وفيها سر الحاډثة اللي ماتوا فيها... وسر الشقة دي بالذات.
مريم اټصدمت والدم هرب من وشها تاني، وبصت للورقة وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
الفصل الاخير حكايات مني السيد حصري
الهوا جوه الصالة كأنه اتجمد مرة تانية، بس المرة دي مكنش تجمد خوف من هشام ولا من قهرة الإهانة، ده كان هبوط غريب نزل على صدر مريم، خلاها تسند بكف إيدها التانية على حرف السفرة الخشب. عينيها كانت متعلقة بالورقة المتطبقة اللي في إيد طارق، ورقة صفرا شوية من حروفها، الحبر الأزرق اللي فيها مألوف لدرجة توجع القلب؛ خط باباها، المهندس شريف، الخط الهندسي المسطر اللي مكنش بيعرف يكتب غير بيه، حتى لما كان بيكتب لست الكل قايمة طلبات السوق.
حنان وبنتها شيماء كانوا بره في الطرقة بيجروا شنطتين متهالكين، وصوت كعوب جزمهم وسحب السوست كان مسموع على رخام السلم زي الفيران المطرودة. أمين الشرطة اللي كان واقف بيأمن نزولهم زعق بنبرة ناشفة انزلي يا ست إنتِ وهي من غير لكاعة، البوكس مستني تحت ومش عايزين كلام فارغ مع الجيران!، وقفل باب الشقة وراهم برزعة أخيرة، رنة الترباس كانت زي إسدال الستار على مسرحية مقرفة استمرت تلات سنين.
الشقة فضيت تماماً. مابقاش فيها غير مريم، وطارق، ورامي المحامي اللي كان واقف على جنب جنب الباب وماسك في إيده كشف محاضر النيابة.
مريم بلعت ريقها بالعافية، وصوتها طلع مخڼوق سر حاډثة بابا وماما؟ وسر الشقة؟ طارق أنت بتقول إيه... فهمني، هو مش بابا وماما ماتوا لما التريلا قطعت عليهم الطريق الصحراوي والفرامل فلتت؟ الكلام ده النيابة قفلته من سنين قضاء وقدر!
طارق سحب نفس طويل، كأن النفس ده طالع من قاع صدره ومحمل بتراب الغربة وسهر الليالي. قعد على كرسي السفرة وشاور لمريم تقعد قدامه اقعدي يا مريم، واسمعيني كويس وبلاش تتوتري... الحاډثة قضاء وقدر في ظاهرها، والتريلا والسواق اللي هرب اتحكم عليه غيابي، بس السؤال اللي عمره ما فارق خيالي من يوم ما سافرت ليه بابا كان مسافر إسكندرية يوم التلات الفجر في عز الشتا ومن غير ما يقول لحد فينا؟
مريم قعدت، إيديها بتفرك في بعضها بتوتر، واللسعة اللي في معصمها مكنتش حاسة بيها خلاص، كل حواسها كانت مشدودة لملامح أخوها بابا قال لماما ساعتها إن في شغل طارئ في مينا إسكندرية، استلام شحنة حديد لشركة المقاولات اللي كان شغال فيها مستشار فني.
وده اللي الكل كان فاكره، طارق قالها وهو بيفرد الورقة بالراحة على الخشب الورقة دي لقيتها مدسوسة في قاع الخزنة القديمة بتاعة بابا اللي كانت في البنك الأهلي فرع الألفي، الخزنة اللي مكنش حد يعرف برقمها السري غيري أنا وهو، ومفتحتهاش غير من تلت أسابيع لما طلبت جرد التركات بعد ما بدأت أشم