رواية كاملة

لمحة نيوز

وصلت بدري عشان أروح ب بنتي فريدة صاحبة ال 8 سنين من مدرستها الخاصة.. وبدل ما ألاقيها واقفة مستنياني ورا البوابة زي العادة، لقيتها قاعدة على الرصيف جنب بنت مراهقة شكلها مشردة ولبسها مبهدل.. البنت كانت بتشرح لها مسائل رياضيات ورسماها على الأسفلت ب حتة فرع شجرة مكسور! كنت هجري وأسحب بنتي ب خضة.. بس فجأة سمعت فريدة بتضحك.. مش مجرد ابتسامة مجاملة، لا.. ضحكة طالعة من قلبها! دي كانت أول مرة أسمع ضحكتها من يوم ما أمه اټوفت من سنتين فاتوا.. ساعتها شاورت ل السواق وصړخت فيه اقف هنا فوراً!..
أنا اسمي طارق الشبراوي..
معظم الناس في القاهرة يعرفوني ك رجل أعمال ومستثمر له وزنه في السوق..
بعد ما مراتي اټوفت، بقيت مچنون فكرة إن كل حاجة لازم تكون تحت السيطرة ب المليم..
مواعيد مدرسة فريدة..
المدرسين الخصوصيين..
دكاترة العلاج النفسي..
وجبات الأكل..
وحتى أيام الويك إند!
كل ساعة في حياتنا كان معمول لها مخطط وجدول صارم..
كنت بقنع نفسي إن النظام والالتزام هما اللي هيساعدوها تتجاوز الصدمة..
بس الحقيقة كانت أبسط من كده ب كتير..
أنا ما قدرتش أسيطر على مۏت مراتي، ف حاولت أسيطر على كل حاجة تانية في الدنيا!
في اليوم ده، وصلت قدام المدرسة بدري 20 دقيقة عن الميعاد..
وفجأة لمحتها قاعدة على الرصيف برة البوابة..
وجنبها بنت في سن المراهقة، لابسة جاكيت واسع أوي عليها وجزمة متهالكة.. وشنطتها متقلفة وممسوكة ب بلاستر أسود!
أول فكرة جت في دماغي فوراً إنها بنت مشردة أو معندهاش بيت..
وغريزتي الأولى كانت إني أجري أبعد فريدة عنها فوراً!
بس في اللحظة دي، لاحظت الكشكول المفتوح على ركبة فريدة..
البنت كانت بتشاور ب الفرع المكسور على الأرقام اللي رسماها على الأسفلت وتقول لها
ما تحفظيش المسألة وخلاص يا فريدة.. بصي للنمط والتسلسل وهي تظبط معاكي!
فريدة بصت للمسألة ب تركيز شديد.. وفجأة وشها تنور!
أيوه! صح! عشان كده كنت بطلعها غلط كل مرة!
واڼفجرت في الضحك!
أنا اتسمرت مكاني ب الصدمة..
بفي سنتين كاملين بصلّح وبدفع ډم قلبي ل مدرسين خصوصيين، ودكاترة نفسيين، واستشاريين كبار.. ومحدش فيهم قدر يرجع الضحكة دي ل وش بنتي..
والبنت دي عملتها ب حتة خشبة مکسورة و دقايق بس من الصبر والهدوء!
نزلت من العربية والباب اتفتح ب هدوء..
محدش فيهم لاحظ وجودي ولا أخد باله مني..
البنت مسحت المسألة ب كُم الجاكيت وبدأت ترسم مسألة أصعب ب كتير..
فريدة قربت منها أكتر وهي متحمسة..
وهنا بالظبط أنا لاحظت حاجة تانية مرعبة..
البنت دي مش بتخمن ولا بتجرب!
البنت دي فاهمة رياضيات وفاهمة معادلات ب طريقة أعقد وأعمق ب كتير من الكبار والمهندسين اللي بعرفهم في شغلي!
يا ترى إيه السر الوراه البنت المراهقة دي؟ وليه بنت ب العبقرية والذكاء الخارق ده متشرة في الشارع ولابسة هدوم مبهدلة؟ وإيه الحقيقة الصاډمة اللي طارق هيعرفها لما يسألها
عن اسمها وعيلتها وهتقلب حياتهم كلها رأس على عقب؟ الأحداث الجاية فيها كمية كشف مستور، وصدمات، ومواقف مؤثرة جداً! 
الجزء الثاني
خطوت خطوة ناحيتهم ببطء، محاولًا ما أخيفهاش.. فريدة كانت لسه مشرقة الوش ومبتسمة، والبنت كملت ترسم بأصبعها على الأسفلت وكأن ما حدش غيرهم في الدنيا.. لما حست بوجودي، رفعت راسها ببطء.. عيناها كانت سوداويتين لامعتين، مليانة ذكاء غريب، بس محاطة بهالات سوداء بتقول إنها ما نامتش كويس من زمان..
بابا! صړخت فريدة وقامت جري ناحيتي هي فهمتني يا بابا! فهمتني إزاي أطلع الناتج صح من غير ما أتعبه!
حضنتها وبصيت للبنت اللي قعدت مكانها ساكتة، وشدّت عليها الجاكيت الواسع زي ما تكون بتخفي حاجة.. قلت لها بكل هدوء
شكرًا ليكِ.. ساعدتيها كتير أوي.. ممكن أسألك اسمك إيه؟
ترددت شوية، ثم قالت بصوت خاڤت ناعم
اسمي سلمى..
وأين بيتك يا سلمى؟ ومين معاكي؟
شفت وشها يتغير، ونظرت للأسفلت تحت قدميها
محدش معايا.. أنا ماشية..
قلبي اتقبض.. بنت في سن المراهقة، لوحدها، بلبس كده، بتعلم الأطفال في الشارع من غير ما تاخد ولا قرش.. سألتها
تعرفي تحلّي مسائل صعبة أكتر من كده؟
ابتسمت بابتسامة خفيفة حزينة
أيوه.. كتير..
تعالي معايا عشان نروح نأكل ونرتاح، ونكلّم في كل حاجة.. اتفقنا؟
اترددت طويلًا، بصت لفريدة اللي كانت بتبصّلها بترجٍ، ثم هزّت راسها ببطء.. ركبت العربية جنب السواق، وفريدة قعدت جنبي، وما تفرقتش عينها عن سلمى طول الطريق..
في البيت، أكلت بشراهة بس بتهذيب عجيب.. لما خلصت، قلنا نجلس في الصالة الكبيرة.. قلت لها
مين علمك كل ده يا سلمى؟
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت واثق مهما كان خاڤت
بابا.. كان مدرّس رياضيات في الجامعة.. كان بيقوللي إن الأرقام مش مجرد أرقام.. لغة بتفهمها الدنيا كلها.. وإن لو فهمتِ السبب مش بس الحفظ، هتفهمي كل حاجة..
وين باباكِ دلوقتي؟
دمعة سقطت على خدها ببطء
ماټ.. من سنة ونص.. وبعدها.. سافرت ماما بره البلد وما رجعتش.. وسابتني..
صمت ثقيل ملأ المكان.. بنت بعبقرية نادرة، اتحرمت من كل حاجة، واترميت في الشارع بس لأنها ما عندش حد يحميها..
الجزء الثالث
بدأت سلمى تعيش معانا.. ما كانتش محتاجة دروس خصوصية ولا كتب غالية.. كانت بس محتاجة

تم نسخ الرابط