رواية كاملة

لمحة نيوز


ماكانش بيطلب مني فلوسه.
كان بيستخدم اسمي.
سمعت حركة بره.
قفلت اللابتوب.
ولأول مرة في حياتي قررت إني مش هواجههم لوحدي.
خرجت من البيت بالفلاشة والملف.
ورحت مباشرة لمكتب محامي.
المحامي قرأ الأوراق في صمت.
وبعدين رفع عينه وقال
لو المستندات دي أصلية، الموضوع مش خلاف عائلي. ده ممكن يبقى احتيال وتزوير وغسيل أموال.
قلت
وأنا؟
إنتِ ممكن تكوني شاهدة وممكن تكوني ضحية.
بس التوكيل عليه توقيعي.
وده بالضبط اللي لازم نثبته.
في اليوم التالي عملنا بلاغ رسمي.
وطلبنا فحص التوقيع.
وطلبنا من البنك تجميد أي تعاملات مشبوهة.
لكن بابا كان أسرع.
الساعة سبعة الصبح، جالي اتصال من رقم غريب.
أستاذة سارة؟
أيوه.
حضرتك مطلوب حضورك للتحقيق في بلاغ مقدم ضدك.
قلبي وقع.
بلاغ إيه؟
اختلاس وتحويل أموال بدون وجه حق.
قفلت المكالمة.
المحامي بصلي وقال
هما سبقونا.
لكن المرة دي
كان عندي دليل.
بعد ساعات دخلت التحقيق ومعايا كل المستندات.
وأول ما المحقق شاف التوكيل، قال
حضرتك بتقولي إنك ماوقعتِيش؟
أيوه.
والتوقيع ده مش توقيعك؟
لأ.
أخرجت شهادة تخرجي.
وأوراق الجامعة.
وعقود الشغل.
وتوقيعات قديمة.
وبدأنا مقارنة التوقيعات.
بعد يومين ظهرت النتيجة.
التوقيع مزور.
لكن الصدمة الحقيقية ظهرت بعدها.
الخبير الفني اكتشف إن التوكيل اتعمل باستخدام بيانات موجودة في ملف قديم للبنك.
يعني حد كان عنده وصول لبياناتي الشخصية.
وفي نفس الأسبوع، الشرطة فتشت بيت بابا.
ولقت جهاز كمبيوتر عليه نسخ من بطاقتي وشهادات ميلادي وتوقيعاتي القديمة.
ولقت كمان عقود بأسماء ناس تانية.
ساعتها الصورة اكتملت.
بابا كان بيستخدم بياناتي وبيانات أفراد من العيلة من سنين.
لكن لما بدأت أستقل عنهم، احتاجوا طريقة جديدة.
فقرروا يحولوا كل حاجة باسمي.
ولو الموضوع انكشف
أنا اللي هلبس.
أما يوم تخرجي؟
ماكانش صدفة.
بابا وماما وكريم ماجوش لأنهم كانوا في اجتماع مع واحد من الناس اللي الفلوس تخصه.
وكانوا عارفين إن وجودهم في القاهرة وقتها ممكن يربطهم بيا.
ففضلوا يعملوا حفلة في البيت، وينزلوا الصور كأنهم بيتحدوني.
ولما أنا قفلت الباب وغيرت الكالون
بابا فهم إني خرجت من سيطرته.
فبدأ خطة الشرطة.
لكن خطته الأخيرة كانت أخطر.
كان ناوي يعلن إن عندي مشكلة نفسية، وبعدها يستخدم التوكيل المزور للتصرف في حساباتي.
بس كل حاجة اتقلبت عليه.
بعد أسبوع، اتقبض على بابا.
وبعده بكام يوم كريم.
أما ماما
فهي ما اتحبستش.
لأنها قدمت اعتراف كامل.
اعترفت إنها كانت عارفة.
واعترفت إنها كانت بتسكت.
لكن الاعتراف ما رجعليش السنين اللي ضاعت.
ولا رجعلي إحساس إني بنتهم.
بعد شهور من التحقيقات، اتثبت إن جزء كبير من الأموال كان راجع لشركة مقاولات متورطة في تحويلات غير قانونية.
الفلوس اللي كانت داخلة حسابي اتجمّدت.
والجزء اللي قدرت الجهات المختصة تتبعه اترد لأصحابه.
أما أنا، فخرجت من القضية من غير إدانة.
لكن كان لازم أبدأ حياتي من جديد.
بعت شقتي القديمة.
وسافرت القاهرة.
وقدمت على وظيفة في شركة كبيرة.
وفي أول يوم شغل، مديري قال لي
إحنا شفنا ملفك. إنتِ شاطرة جدًا.
ابتسمت.
المرة دي ماكنتش محتاجة حد من عيلتي يقول لي إني ناجحة.
كنت عارفة.
بعد سنة، وصلني ظرف من المحامي.
جواه جواب من ماما.
فتحت الجواب.
كان مكتوب
يا سارة، أنا عارفة إن مفيش كلام يرجع اللي حصل. وعارفة إنك ممكن ماتسامحينيش. بس أنا لأول مرة فهمت إن سكوتي كان مشاركة في ظلمك.
قريت الجواب.
وبعدين طويته.
ما رميتهوش.
وما رديتش.
مش كل جرح لازم يتقفل بالمسامحة.
بعض الجروح بتتقفل لما تبعد عن الشخص اللي فتحها.
بعد سنتين، كنت قاعدة في مكتبي الجديد، قدامي اللابتوب وشهادة الماجستير.
الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت جدي.
وقفت مكاني.
سارة؟
اتنفض قلبي.
جدو؟
ضحك.
أنا مش عارف ليه اتأخرتي عليا كده.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
اكتشفت بعدها إن الرقم كان مسجل باسم جدي القديم، لكن اللي بيتصل كان خالي اللي كان محتفظ بالشريحة.
جدي كان فعلًا مات من خمس سنين.
الحساب كان باسمه لأن بابا استخدم هويته القديمة بعد وفاته.
قفلت المكالمة وأنا بضحك وسط دموعي.
وبصيت لشهادتي.
وقلت لنفسي
المرة دي محدش هيقدر ياخد مني حاجة.
بعدها بأيام، المحكمة أصدرت أحكامها.
بابا اتحكم عليه بالسجن.
وكريم أخد حكم أخف بعد ما اعترف وتعاون في التحقيق.
وماما باعت جزء من ممتلكاتها وسددت التزامات مالية مرتبطة بالقضية.
أما أنا
فما رجعتش لهم.
ولا رجعت أبقى البنت اللي بتدفع وتسكت.
بعد تلات سنين من يوم تخرجي، كنت في حفلة صغيرة في شركتي.
مديري ناداني قدام الكل
سارة عبدالسلام مديرة قسم التحليلات.
الناس صقفوا.
وللحظة، بصيت ناحية الباب.
تخيلت الكراسي القديمة.
الكراسي الفاضية يوم تخرجي.
لكن المرة دي ماكانش فيه كرسي مستني أهلي.
كان فيه كرسي واحد جنبي.
قعدت عليه صديقتي المقربة.
وقالت وهي بتضحك
مالك سرحانة؟
ابتسمت وقلت
بفكر في حاجة قديمة.
إيه؟
بصيت قدامي وقلت
زمان كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلتلي يوم تخرجي إن أهلي ماجوش.
سكت شوية.
وبعدين ضحكت.
طلعت دي كانت أحسن حاجة حصلتلي.
لأن لو كانوا حضروا
يمكن كنت فضلت البنت اللي بتدفع وتسكت.
لكنهم اختاروا يسيبوا كراسيهم فاضية.
وأنا
لأول مرة في حياتي، اخترت أسيب المكان كله.
وأمشي.
وأبدأ حياة ماحدش فيها يقدر يقرر أنا أكون مين.
أما ال ألف جنيه اللي طلبوهم عشان عيد ميلاد أمي؟
ماحولتش منهم ولا جنيه.
لكن الجنيه الواحد اللي حولته يومها بكلمة كل سنة وهي طيبة
كان أغلى تحويل عملته في حياتي.
لأنه كان أول مرة أقول لعيلتي
أنا مش بنككم ومش هبقى ضحيتكم تاني.
ومن يومها
ماحدش لمس حسابي.
ولا حياتي.
ولا مستقبلي.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط