رواية كاملة
في حفلة العشا بتاعته، راجل أعمال على كرسي متحرك شاف أكتر من 60 ضيف بيتفادوا يرجعوا عينيهم في عينه.. لحد ما بنت صغيرة، بنت الشغالة، وقفت قدام الكل وقالت له ب براءة هزت القاعة أنت ليه قاعد لوحدك كده مع إن ده بيتك؟.. ولما مدّت إيدها عشان ترقص معاه، الصالة كلها سكتت ب صدمة! بعدها ب دقائق، مسك الميكروفون، أنهى الحفلة، وطلب من الكل يمشوا، ما عدا البنت وأمها.. واللي قرره في المطبخ بعدها غير مصير القصر والعيلة كلها ل الأبد!
أنت ليه قاعد لوحدك كده مع إن ده بيتك؟
السؤال ده سألته لي بنت صغيرة عندها حوالي 8 سنين، قدام أكتر من 60 ضيف كانوا بقالهم ساعة كاملة بيحاولوا يعملوا نفسهم مش شايفيني!
كنت قاعد جنب عمود في الصالة الرئيسية في فيلتي في التجمع الخامس، وإيديا مشدودة على ذراع الكرسي المتحرك.. كان فيه رجال أعمال، شركاء قدام، عملاء، وناس عاشت سنين بتشرب وتفرح معايا كأننا عيلة واحدة.. بس الليلة دي، الأصوات كانت بتهدى أول ما أعدي بالكرسي، والنظرات كانت بتهرب مني ب أدب يوجع أكتر من الشتيمة!
من سنة كاملة اتعرضت ل حاډثة شديدة أفقدتني القدرة على الحركة في رجلي.. ومن وقتها بقيت أدير الشغل عن بعد، ومبقيتش الراجل اللي يدخل القاعة فالكل يقف له احتراماً.. عشان كده عملت العزومة دي.. مش عشان أحتفل، لكن عشان أتأكد من حاجة كنت خاېف أواجهها كنت عايز أعرف مين لسه شايفني حسين، ومين مش شايف غير صاحب الشركات والملايين بس!
ولاحظت إن حتى الناس اللي كانت بټموت عشان تقعد جنبي زمان، بقوا بيلاقوا أي حجة عشان يفضلوا بعيد عني!
البنت كان اسمها جنى.. بنت أمينة، واحدة من الستات اللي بيشتغلوا في البيت بقالها سنين.. أمينة كانت واقفة ورا، مشدودة، وماسكة المريلة بين صوابعها ب خوف
جنى.. تعالي هنا يا حبيبتي بلاش إزعاج!
بس البنت ما تحركتش من مكانها..
أمي بتقول إنك زمان كنت بتتكلم مع كل الناس وتضحك معاهم..
حسيت صوابعي بتتخشّب على ذراع الكرسي.. وعلى بعد مترين سمعت حد بيمسهم ب استخفاف
أكيد بنت الخدامين..
جنى كأنها ما سمعتش الكلمة.. بصت ل الأرضية بتاعة الرقص، وبعدين بصت لي، ومدت إيدها الصغيرة ب ابتسامة
أنا ممكن أرقص معاك!
الصالة كلها سكتت والمزيكا كأنها وقفت!
ما شفتش في عينها شفقة.. ولا خوف.. ولا حتى المجاملة المبالغ فيها اللي كل الناس بقت تعاملني بيها بعد الحاډثة.. كانت مجرد عزومة بسيطة من قلب طفلة.
مسكت إيدها..
الفرقة الموسيقية هدّت الرتم.. وجنى بدأت تتحرك خطوات صغيرة وأنا بحرك الكرسي معاها ب حذر.. في الأول كنت مشدود ومتوتر، بس هي ضحكت ب بصوت عالي لما عملت لفة واسعة بالكرسي، وحاجة جوايا اتفككك وهديت بجد.
وفجأة سألتني
أنت معندكش عيال يا عمو؟
سكتت وسرحت ل ثواني..
لا.. عمر ما كان عندي وقت أعمل عيلة.. دايماً كنت فاكر إن فيه وقت بعد العقد الجاي، بعد السفريية الجاية، وبعد الصفقة الجديدة..
لما الأغنية خلصت، بصيت ل الترابيزات.. محدش كان بيبتسم.
مسكت الميكروفون ب ثبات
شكراً إنكم جيتوا.. العشا ده ما كانش احتفال.. ده كان اختبار!
وقبل ما أشرح أنا قررت إيه، شفت أمينة وشها أصفر من الړعب وأنا بكمل جملتي
أنا عايز كل الناس تتفضل تمشي دلوقتي.. الكل يخرج برة، ما عدا أمينة وبنتها!
يا ترى إيه القرار المصيري اللي خدة حسين وهينتقم بيه من كل اللي خذلوه؟ وإيه السر الكارثي اللي هيغير حياة أمينة وبنتها ويقلب موازين الثروة
والقصر ل الأبد؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد!
الجزء الثاني
الصمت ملأ القاعة كله.. نظرات الدهشة اتقلبت لقلق، وبعضهم بدأ يهمس لبعضه إيه اللي بيقول؟ اختبار إيه؟!
أنا حسين.. اللي كانوا بيقولوا عليه ملك السوق من سنين.. اللي كنت أملك شركات في 3 دول، وكل باب بيفتح لي قبل ما أطرقه.. الحاډثة خلّفتني على الكرسي، وخلّفت كل اللي حواليا يكشفوا وجوههم الحقيقية.
أنت متأكد يا سيد حسين؟ سألني واحد منهم بابتسامة باهتة العشا لسه مجهز..
شكرًا لكم.. بس أرجوكم تفضلوا تخرجوا قلتها بكل هدوء وثبات من فضلكم، الباب من هنا
ما حبش أحد يبقى متأخر.. خطواتهم سمعتها ثقيلة ومترددة، وبعضهم بيبص وراه وهو ماشي كأنه مش مصدق اللي بيحصل. لما آخر حد خرج وقفل الباب الضخم وراه، رجعت راسي لورا على مسند الكرسي وأخذت نفسًا عميقًا.. وبقينا أنا وأمينة وجنى بس في الصالة الكبيرة.
أمينة كانت واقفة متجمدة، إيدها بتترعش، وعيناها بتدور في الأرض كأنها بتدور على مكان تختفي فيه
أنا آسفة جدًا يا سيد حسين.. جنى ما قصدتش.. هاخدها ونمشي فورًا
لا يا أمينة قلت بصوت دافئ حاولت أجعله مسموع خليكي مكانكِ.. دي مش مذنبة، دي الوحيدة اللي قالت الحقيقة اللي محدش تجرأ يقولها
بصيت لجنى اللي كانت لسه ماسكة طرف كمي ببراءة
تعالي يا جنى.. عايز أسألك حاجة
قربت خطوة صغيرة
إيه يا عمو؟
أنتِ ليه خترتيني بالذات من بين كل الناس؟
فكرت شوية بجدية طفولية
عشان كنت وحيد.. والناس اللي كانوا معاكِ كانوا بيضحكوا بس ما حدش قعد جنبك.. وأمي بتقول إن الوحيد محتاج صديق
الكلمات نزلت عليّ زي ماء بارد في يوم حار.. كنت فاكر إن فقدتي الحركة هي خسارتي الكبرى، بس اللحظة دي عرفت إن خسارتي الحقيقية كانت في السنين اللي مضيتها باحثًا عن