رواية كاملة
رجعت من السفر عشان أفاجئ أمي، لقيتها بتمسح بؤها وبتبص في أكياس الژبالة بتدور على لقمة عيش ناشفة تأكلها! رغم إني بقالي 3 سنين ببعتلها 8 آلاف جنيه كل أول شهر.. ولما جيت أدخلها بيتها، سمعت أختي بتبصلي ب قرف وتقول ل جوزها العجوزة دي خلاص كبرت وخرفت، تقعد في العشة برة احسن عشان ما تكركبش البيت علينا!
لما أدهم شاف أمه نازلة على ركبها جنب أكياس الژبالة ورا محل العيش عشان تطلع لقمة ناشفة تقرمشها، حس إن ال 8 آلاف جنيه اللي كان بيبعتهم كل شهر على مدار 3 سنين يتحولوا في ثانية ل كدبة بشعة وكابوس يوجع القلب!
كان راجع من غير ما يقول لحد ل قريته في كفر الشيخ.. بلد هادية وبيوتها قريبة من بعض، وريحة الخبيز والزرع بتملى حواريها بالليل.. أدهم، عنده 36 سنة، بقى مدير شركة شحن وتبريد كبيرة في القاهرة.. خرج من البلد زمان ب منحة ودعوتين من أمه الحاجة زينب، ووعد إنه في يوم من الأيام مش هيخليها تمسك إبرة ولا تخيط هدوم ل الناس لحد الفجر عشان تصرف على علمه!
عشان كده، كان كل أول شهر بيحول 8 آلاف جنيه على الحساب اللي هي طول عمرها بتستلم منه.. مش بس كده، ده كان شاري لها بيت صغير وجميل قريب من السوق أوضتين وصالة ومطبخ، وفي وسطه شجرة ليمون وكرسي خشب كان بيتخيلها قاعدة عليه بتتشمس في كبرها..
في اليوم ده، كان جايب لها معاه شاشة جديدة، وأدوية ل خشونة الركب، وشال قطن ناعم فضل ينقيه ب الساعات..
بس الحاجة زينب ما كانتش في البيت!
كانت واقفة ورا مقهى قديم، موطية على أكياس ژبالة سودا، لابسة بلوفر واسع أوي عليها وجزمة مقطوعة.. أدهم أخد كام ثانية لحد ما استوعب إن دي أمه!
ولما قرب منها ب ذهول وقال أمي؟!.. الست ضمت حتة العيش الناشفة ل صدرها وبصلت له ب خوف!
أدهم؟!
حضنها ب كل قوته، وصدمه جسمها اللي بقى عبارة عن جلد على عضم
إيه اللي بتعمليه ده يا أمي؟! بتدوري على أكل ليه وأنا ببعتلك مصاريفك كاملة كل شهر?!
الحاجة زينب وُطت راسها في الأرض والدموع اتجمعت في عينيها
يا ابني.. أنا ما وصلنيش مليم واحد من يوم ما سافرت!
أدهم افتكر إن فيه غلطة في البنك.. أخدها من إيدها وطلع بيها على البيت اللي اشتراهولها، بس أمه ما دخلتش من الباب الرئيسي!
لفت من ورا البيت ومشيت ل حد عشة صاج صغيرة مبنية جنب الحمام القديم برة..
جوة العشة ما كانش فيه غير كنبة قديمة، وجردل، ووابور صغير، وصورة ل أدهم يوم تخرجه من الكلية..
أنتِ عايشة هنا يا أمي?!
حاولت تبتسم ب كسرة
أنا بخير يا ابني.. ما تعملش مشاكل يا حبيبي.
من جوة البيت الكبير، كان صوت التلفزيون عالي، وصوت خلاط وضحك عيال صغيرة.. وفي مدخل البيت كانت مركونة عربية حديثة أدهم أول مرة يشوفها!
هنا فهم إن فيه حد تاني عايش جوة بيته!
أمي.. قوليلي مين اللي قاعد جوة بيتك؟
الحاجة زينب بدأت ټعيط ب حړقة
أختك شيرين.. قالتلي إن البيت كبير عليكي وعيالها أولى بيه.
دمه غلى وجسمه اتنفض من الڠضب، بس اللي جاي كان أبشع!
وفلوسي اللي كنت ببعتهالك؟
الست العجوزة بصت ناحية شبابيك البيت ب ړعب، أكنها خاېفة حد يسمعها
شيرين هي اللي كانت بتستلم الفيزا والتحويلات كل شهر يا ابني..
أدهم ما صرخش.. مسك نفسه ب بالعافية، ودخل ورا أمه العشة.. وهناك فتح
المكنة السنجر القديمة اللي أمه كانت بتخيط عليها زمان، وطلع منها ورقة مستخبية تحت درج الخيط..
ولما فتح الورقة، اتجمد مكانه!
البيت ما كانش بس مأخوذ منها.. البيت كان مهدد ب البيع والرهن ب سبب دين كبير شيرين وجوزها لبسوه ل الست العجوزة، والدين ده معاده يتدفع بعد 18 يوم بالظبط وإلا البيت يروح والست تترمى في الشارع!
يا ترى إيه اللي هيعمله أدهم لما يواجه أختها وجوزها اللي سرقوا أمه؟ وإيه السر البشع اللي مستخبي ورا الدين ده وهيزلزل العيلة كلها؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد!
الجزء الثاني
الورقة كانت بتتمايل بين إيديه زي قلبه اللي هينفجر من مكانه.. كتابة واضحة، توقيع ممهور، وتاريخ قبل سنتين ونص بالظبط.. نفس الفترة اللي شيرين قالتله إنها راحت تساعد أمي وتقعد جنبها!
يعني إيه الكلام ده يا أمي؟! سأل بصوت مخڼوق ما عرفش إنه صوته.
الحاجة زينب مسحت دموعها بكمها الممزق، وقعدت على حافة الكنبة القديمة اللي ما كانتش تقيها من برد الشتاء ولا حر الصيف
جتلي يوم يا ابني.. قالتلي إنها محتاجة توقع ليها ورقة عشان تخلص معاشها.. قالتلي يا ستي، ما تقلقيش، مجرد إثبات عنوان، وإنها هترد كل حاجة في وقتها.. أنا ما كنتش أعرف أقرأ ولا أكتب غير اسمي.. قلت لها أنتِ بنتي، ما أمنش عليكِ غيرك
سكتت شوية، وشهقت بحړقة
اكتشفت بعد كده إنها رهنته.. رهنته بفلوس كتير أوي، وقالتلي إنك أنت اللي طلبت منها تتصرف في كل حاجة.. إنك بعتلها تفويض كامل.. وإن الفلوس دي رايحة لشركتك اللي في القاهرة
أدهم مسك راسه بين إيديه.. الدنيا لفت بيه.. كل شهر بيبعت فلوس، كل شهر بيتمنى يشوفها في الصورة اللي بتبعتهاله وهي قاعدة في الشمس، وكل ده كان كدب!
والفيزا يا أمي؟ ليه