رواية كاملة

لمحة نيوز

ملح إيه اللي هشتريه وأنا البيت كله عندي ملح ومطروح فيه السم؟ طلعت السلم، خطوة ورا خطوة، مش حاسة بوزني، كأني طايرة على سحاب من نار. فتحت باب شقتي براحة ودخلت.
الصالون كان هادي، عمر ومازن قاعدين في الركن، صينية المكرونة كانت بردت تماماً، وطبقة الصلصة كرمشت وعملت وش ناشف، وطبق البيض المسلوق اللي كنت مدحرجاه بالسمنة البلدي رقد زي ما هو، كأنه ميت في عزا. عمر بصلي بعيون مدمعة، الواد اللي عنده تسع سنين حاسس بالذنب ومش فاهم ماما.. إحنا فقرا أوي كده عشان بناكل مكرونة وبيض؟ هو إحنا مش هنبقى زي ولاد عمتي ولاد طنط نجوى؟
الجملة دي قطعت آخر عرق صبر جوايا. دموعي مانزلتش.. الدموع دي للضعفا، وأنا عيالي مش هيبقوا ضعفا ولا مكسورين لحد. قربت من عمر، نزلت على ركبي، مسكت وشه بين إيديا الاتنين، وعيني في عينه بكل قوة بص لي هنا يا عمر.. بص لي يا مازن. اللقمة دي حلال، أبوك جايب قرشها بعرقه وشقاه من الفجر للمغرب، مفيش فيها قرش حرام، ومفيش فيها سلف، ومفيش فيها هوان. المكرونة دي نعمة ربنا اللي غيرنا بيتمنى يشم ريحتها، وإحنا بيتنا عمران بالستر، فاهمين؟ اللي يقولكم إنكم قليلين، يبقى هو اللي ناقص وعينه فارغة! ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيخليكم تطاطوا راسكم، لا تيتا ولا غير تيتا، فاهمين؟!
الولاد اتخضوا من لهجتي، دي مش مامتهم الطيبة اللي بتبكي وتتحايل عليهم عشان ياكلوا، دي ست تانية خالص ملامحها حديد. مازن بلع ريقه وهز راسه بسرعة، وعمر مد إيده ومسك المعلقة وبدأ ياكل، وبص لي وقالي والله طعمها حلو يا ماما.. والله الصلصة بتاعتك أحلى صلصة. ابتسمت بمرارة، وطبطبت على كتفهم، وشيلت الصينية من قدامهم بعد ما أكلوا، وأنا عقلي شغال زي التوربين، بيبني خطة جهنمية.. خطة تردلي اعتباري واعتبار شقا سنيني اللي عايزين يهدوه عشان شوية غل وسواد قلوب.
الساعة دقت ستة المغرب، وده ميعاد رجوع طارق جوزي. طارق راجل طيب، بس مسالم بزيادة، ومن نوع الرجالة اللي بيخافوا من كلمة أمك زعلانة، ونجوى وحماتي كانوا عارفين نقطة ضعفه دي كويس وعازفين عليها لحن الخراب. دخل طارق، وشه مجهد، والقميص الأبيض بتاعه معفر بتراب اليوم في الورشة ومحل قطع الغيار. رمى المفاتيح على الترابيزة وقعد على الكنبة بتعب مساء الخير يا أسماء.. هاتيلي شوية مية باردة الله يرضى عليكي، اليوم كان طاحونة.
جبت له المية، وقعدت جنبه بهدوء مريب. سألته بصوت ناعم، مفيهوش أي نكد حمد الله على سلامتك يا أبو عمر.. بقولك إيه، الجمعية اللي كنت قابضاها أول الشهر، فاكرها؟ طارق شرب المية وبصلي باستغراب آه فاكرها، قولتي هتشيليها عشان مصاريف المدارس والدروس بتاعت الواد عمر، فيها حاجة؟ لا يا حبيبي، مافيهاش حاجة، بس الجمعة الجاية إنت عارف إن عمك وأولاده جايين من البلد يزوروكم في بيت العيلة، وأمك كانت بتقول تحت إنها عايزة تعمل عزومة تلم الكل، بس مصاريف الشهر مقصرة معاها. طارق اتعدل في قعدته وعينيه وسعت بجد؟ أمي قالت كده؟ والله كتر خيرها إنها عايزة تلمنا، بس نجوى قالتلي إمبارح إنهم مش هيقدروا يشاركوا عشان سلفة المدرسة بتاعت كريم.
ابتسمت بمكر خبيث جوايا ولا يهمك، إحنا اللي هنشيل العزومة كلها يا طارق! إحنا عيالها برضه، ومينفعش عمك ييجي من البلد ويلاقي سفرة بيت الحاج مفيهاش ما لذ وطاب. أنا هدفع من فلوس الجمعية، وهنزل بنفسي السوق
الكبير يوم الخميس، وهعمل عزومة البيت كله يتحاكى بيها.. بس بشرط. طارق مسك إيدي وباسها بفرحة غامرة، حس إن مراته بتكبره وبتشيل عنه وتجامل أهله شرط إيه يا ست البنات؟ ده أنتي تؤمري أمر! الشرط إنك متقولش لأمك ولا لنجوى إني دافعة مليم، ولا تقولهم إني هطبخ حاجة، لحد يوم الجمعة الصبح! سيبها مفاجأة، أنا هجيب الخزين كله يوم الخميس بالليل متأخر وهي نايمة، ويوم الجمعة الصبح هنزل المطبخ الكبير اللي تحت بتاع العيلة، وأقف أفرش السفرة مع نجوى وأمك وتبقى العزومة طالعة باسمك إنت، موافق؟ طارق من فرحته قام وحضني أصيل يا أسماء.. بنت أصول والله، وعمري ما هنسالك الوقفة دي!
مكانش يعرف.. المسكين مكنش فاهم إن دي مش عزومة كرم، دي كانت مصيدة هنصبها عشان أطلع العقارب من جحورها، وأخلي كل كلمة اتقالت في حقي تترد في نحورهم قدام العيلة كلها!
جه يوم الأربعاء، والخميس.. في اليومين دول، اتعمدت أعمل أغرب تصرفات في الدنيا. نزلت السوق يوم الأربعاء، وجبت شوية جرجير، وحزمتين فجل، وعيش ناشف، وباذنجان رومي مدمل، وطلعت بيهم على مهلي قدام باب شقة حماتي. حماتي كانت قاعدة على العتبة كالعادة بتنقي رز مع نجوى، وأول ما شافتني بالأكياس الرخيصة دي، شفت لمعة الشماتة في عيونها. قالت لي بصوت عالي سمّع العمارة إيه ده يا ستي أسماء؟ هو البتنجان بقى وجبة المغذيات خلاص؟ ههههه، الله يعين الواد طارق، خارج من الصبح عشان ترجعيه على مسقعة وبابا غنوج! نجوى ضحكت بمياعة معلش يا حماتي، كل واحد على قده، بس برضه المسقعة باللحمة المفرومة غالية، هي أكيد عاملاها بصلصة بس!
أنا ما ردتش.. بصيت لهم بنظرة مسكينة، مطأطأة راسي زي المغلوبة على أمرها، وطلعت شقتي وقفلت الباب. وأول ما قفلت الباب، ضحكت ضحكة مكتومة طلعت من قاع روحي. اصبروا عليا.. اصبروا على غضب الحليم!
يوم الخميس بالليل، الساعة اتعدت الواحدة بعد نص الليل. الشارع كان هس هس، ومفيش صريخ ابن يومين. عربية نص نقل وقفت تحت العمارة، نزلت أنا وطارق على أطراف صوابعنا. كنا جايبين خزين ملوكي.. جدي بلدي كامل متقطع حتت تملى العين، دكرين بط من التقيل اللي وزنه يهد الحيل، حمام محشي بالفريك، وقفص خضار صابح يتنقى بالواحدة، وسمنة بلدي من الصافي، وشكارة رز بسمتي هندي طويل الحبة، ومكسرات ولوز وبندق. طلعنا كل ده على شقتي فوق، مش تحت في شقة حماتي. رصيت الحاجه في الفريزر والريسبشن عندي، وطارق كان باصص للحاجة ومبهور إيه ده كله يا أسماء؟ إنتي هتأكلي البلد كلها؟! قلت له بعينين فيها لمعة غامضة العيلة كلها هتاكل يا طارق، والكل هيعرف مين هي أسماء، ومين اللي بيستر، ومين اللي عينها مليانة.
وجه فجر يوم الجمعة.. صحيت الساعة خمسة الفجر، صليت ودعيت ربنا ينصرني ويثبت لساني وميخلينيش أظلم، بس استرد حقي. نزلت شقة حماتي على الساعة تمانية الصبح. كانت الشقة بدأت تصحى، وريحة شاي بلبن طالعة، وعم طارق وولاده وصلوا من الصعيد بالجلابيب والعزوة، وقاعدين في المندرة الكبيرة بيشربوا القهوة مع طارق وأخوه جوز نجوى. دخلت المطبخ بهدوء، لقيت نجوى واقفة لابسة عباية ملونة وبتتأفف، وحماتي واقفة تطلع فرختين بيضا من الفريزر وزن الواحدة ميكملش كيلو، متلجين ولونهم أزرق، وحلة صغيرة فيها شوية رز.
حماتي بصتلي بقرف وقالت أهلاً يا هانم، لسه صاحية؟ كويس إنك نزلتي، ادخلي نضفي الملوخية دي وشوفي البصل ده قشريه، عمك وأولاده زمانهم هيجوعوا، وإحنا مش ناقصين فضايح قدام بتوع
تم نسخ الرابط