رواية كاملة
سأل حسين ببطء وإيه علاقته بنور؟
زينب التفتت لجانب السرير، أخرجت صندوقاً خشبياً صغيراً مغبراً من تحت الفراش، سلمته بيد مرتعشة لحسين
ده اللي طلبتيه.. الصندوق الأزرق.. لونه بهتّ مع السنين.. بس جواه كل الحكاية.
حسين فتح الصندوق ببطء.. داخله صورة قديمة مطوية، وقصاصة جريدة قديمة، وخاتم فضي بسيط. أخذ الصورة.. قلبها.. وجمد!
كانت صورة لرجل في منتصف العمر، ملامحه قاسية، عيناه حادّتان.. وعلى ظهر الصورة كتابة بخط غير منظم هو اللي أمر.. ولن يرتاح حتى يأخذها.
مين ده؟ سأل بصوت مبهوت.
زينب أغمضت عيناها بألم
ده أخوك يا حسين.. أخوك الكبير.. كمال البدراوي!
الجزء الثالث الجزء السابع
الكلمات خرجت من فم زينب كأنها سكين طعن في صميم قلبه.. أخوك الكبير.. كمال!
حسين تراجع خطوة وكأنّ الأرض انشقت تحته
مستحيل.. كمال مات من 15 سنة!
هو مات في الحادثة.. صح؟ قالت زينب بجدية بس اللي مات.. مش كمال!
الدنيا دارت بحسين.. تشبث بحافة السرير لكي لا يقع
إيه الكلام الفاضي ده؟! أنا اللي شفت الجثة بنفسي.. أنا اللي دفنتها!
شفت وشه؟ سألت زينب بنبرة هادئة رغم دموعها ولا شفت بس الملابس والخاتم اللي كان عليه؟
سكت حسين.. تذكّر المشهد.. السيارة المحترقة.. الجثة المتفحمة.. الخاتم الذهبي عليه اسمه.. كل شيء حدث بسرعة.. كان حزيناً ومصدوماً.. لم يفحص الوجه.. لم يجرِ تشريح.. دفنوا وغادروا.
كمال كان مديون لشخص خطير جداً واصلت زينب عرف إنّهم جايين يأخذوه.. خطّط ليموت شخص تاني مكانه.. يختفي ويبدأ حياة جديدة بعيداً عن الديون والتهديدات.
بس.. وين دخلت بنتي في الموضوع ده؟
زينب أخذت نفساً عميقاً كأنها تجهز للقفز في نهر عميق
كمال ما هربش لوحده.. كان عايز وريثة.. نصيب الليتم اللي كان مفروض يروح لك لو اختفت.. ولما اتولدت نور.. عرف إنّها المفتاح.
حسين صرخ
إيه بتقولي؟! هو خطط لخطف بنته؟ بنت أخوه؟!
المال اللي كان في التركة.. مش بتاعكم بس.. فيه حصة كبيرة مخصصة لمن يبقى وريثاً مباشراً من الجيل التاني.. لو اختفت نور.. الميراث كله يروح لكمال.. وريث وحيد.
مستحيل.. ما كانش بيحب الفلوس لهالدرجة.. كنا إخوة!
الفلوس بتغيّر الناس يا حسين بيه.. وكمال اتغيّر من زمان.. كل اللي كان بيهمه السلطة والثراء.. حتى لو كان الثمن بنت أخوه.
نوران وقفت مستمعة، فمها مفتوحاً من الصدمة
يعني.. عمي هو اللي كان عايز يأخذني؟ هو اللي خوفني منك؟
هو اللي كان ورا كل حاجة أكدت زينب أنا شفته يوم المولد.. كان مستني اللحظة اللي تقلّ فيها إيدك عنها.. لولا إنّي كنت قريبة.. كان أخذها ومحدش شافها تاني.
حسين مسك الصورة بقبضة يده
وينه دلوقتي؟ ليه ما رجعش يبحث عنها؟
لأنّه عرف إنّي اللي أخذتها.. وهدّدني.. قال لو فتحت فمي بكلمة.. هقتلها.. عشت في خوف كل السنين دي.. خبيتها، ما خلّيتش تطلع الشارع كتير، غيّرت اسمها.. كل ده عشان أحميها من عمّها!
ساد صمت مرعب في الغرفة.. حسين نظر لبنته، لرأسها المنحني، لخوفها الواضح.. وفجأة شعر بالعار.. عار على أخيه، عار على نفسه، عار على العالم الذي سمح بكل هذا.
أنا آسف.. قال بصوت خافت أنا آسف يا نور.. آسف إني ما حماكِ.
نوران رفعت رأسها، عيناها تلمعان بالدموع
ما كنتش تعرف يا بابا.. محدش كان يعرف.
حسين التفت لزينب
وإيه اللي تغيّر دلوقتي؟ ليه قلتيلي كل ده النهاردة بالذات؟
زينب أشارت للصندوق
اقرئي الورقة التانية.. جواها الجواب.
استخرج حسين ورقة مطوية أخرى.. كانت رسالة قصيرة، مكتوبة بخط مرتعش حديث
أعرف إنّي مريضة ومش هكمل.. وما يصحش آخذ الحقيقة معايا للقبر. كمال رجع.. شفت صورته في الجريدة الأسبوع الماضي.. عايز يسيطر على الشركة.. ويعرف إنّ نور عايشة.. أنا خايفة.. خلي بالك منها يا حسين.. هو مش هيتوقف حتى لو دمّر كل حاجة.
سقطت الورقة من يد حسين.. كمال حي.. رجع.. ويعرف بمكان ابنتها!
متأكدة إنّه رجع؟ سأل بقلق مميت.
شفته بنفسي قدام المستشفى يومين فاتوا.. كان واقف وباصّ للباب.. لما شافني.. ابتسم بابتسامة ما تنسى.. واختفى.
قام حسين بسرعة، مسك هاتفه واتصل بمحاميه
اجمع كل الأدلة.. وابلغ الشرطة.. كمال البدراوي حي.. وهو هنا في القاهرة!
الجزء الرابع الجزء الثامن
خلال ساعات، انقلب كل شيء رأساً على عقب. الشرطة استمعت لأقوال زينب، وفحصت الصور والرسائل، وبدأت التحقيق فوراً. الخبر انتشر كالنار في الهشيم كمال البدراوي الميت منذ 15 سنة على قيد الحياة.. ويعمل على خطف ابنة أخيه لاستكمال مخططه القديم!
حسين رفض يبعد عن نوران لحظة واحدة.. أخذها لبيته، الفيلا الكبيرة التي بناها ليجمع فيها عائلته، وقام بتأمينها بكل الطرق الممكنة.
هنا محدش يقدر يوصلك قال لها وهو يمسك كفّها أنا معاكِ.. محدش هياخدك مني تاني.
نوران كانت تنظر حولها بدهشة.. البيت واسع وفخم، مليء بصورها وصور والدتها، كل زاوية فيه تحكي قصتها التي لم تعرفها من قبل.
وأمي.. ليه سابتني ومشيت؟ سألت بصوت خافت.
حسين انحنى أمامها
أمك ما سابتكِ.. لما اختفيتي.. انكسرت.. حاولنا نعثر عليكِ بكل طريق.. ولما يئست.. سافرت وبدأت حياة جديدة.. ظنّتك رحلتي.
تقدر تكلمنيها؟
طبعاً.. هتفرح أكتر من أي حد في الدنيا لما تعرف إنكِ عايشة.
في اليوم التالي، جاء الخبر المفاجئ.. كمال أرسل رسالة لهاتف حسين
أعرف إنك وجدتها.. هي ملكي.. نصيبها من التركة يخصني.. قابلني لوحدك في المكان اللي تعرفه.. وإياك تبلغ الشرطة.. لو جاء أحد معاك.. تندم العمر كله.
المكان المذكور كان مزرعة قديمة على أطراف المدينة.. المكان الذي نشأ فيه الأخوان، المكان الذي يحتوي على أسرارهما كلها.
مش ممكن تروح لوحدك! صرخت نوران عندما سمعت بالخبر هو غدار يا بابا.. ممكن يأذيك!
لو ما رحتش.. هيقوم بأذية ناس تانية ردّ حسين بجدية أنا لازم أواجهه.
أروح معاك!
مستحيل.. هتبقي في أمان هنا مع الحراس.
هو عايزني يا بابا.. لو أنا معاكِ.. هنعرف إيه اللي مخبّيه.. أرجوك!
نظراتها كانت مصممة.. تشبهه تماماً، نفس الإصرار الذي جعله يستمر في البحث طوال هذه السنين.
تمام.. بس بشرط.. كل كلمة أقولها تسمعيها فوراً.. ومش نرجع للوراء أبداً.
في المساء، اتجها نحو المزرعة القديمة.. المكان مهجور، الأشجار ملتفة حوله، والظلام يلفّ كل شيء. وقف حسين أمام الباب المتهدم، مسك يد نوران بقوة
خلفني دائماً.. ما تبتعديش.
دخلا المبنى.. صوت خطواتهما يرتدّ في المكان الفارغ. وفجأة أضاءت الأضواء.. وظهر كمال أمامهم، واقفاً في منتصف الغرفة الكبيرة، بملامحه التي لم تتغير كثيراً سوى مزيد من القسوة.
أخيراً اجتمعنا قال بصوت خشن مرحباً بعودتكِ يا نور.. يا كنز العائلة.
حسين وقف بينه وبين ابنتها
كمال.. كفى كذب وخداع.. لقد عرفنا كل شيء.
كمال ضحك بصوت عالٍ بلا روح
عرفتم إيه؟ إنّي عايش؟ إنّي أذكى منكم جميعاً؟ الحقيقة يا أخي إنّ كل ما عندك.. كان مفروض يكون لي!
ما طلبت غير حقك.. وكنت مستعد أشاركك!
أشاركني؟! أنا اللي بنيت الشركة! أنا اللي تعبت وكدحت! وأنتَ جيت من ورايا وأخذت كل شيء!
أنا ما أخذت حاجة.. كل خطوة عملتها كانت باسمنا معايا!
كفى كلام فارغ قال كمال وشدّ سلاحاً من ورائه