رواية كاملة

لمحة نيوز

 

وفي كل مرة…

كان نفس المشهد بيتكرر.

الأكل بيتقسم بينهم.

كلام هادي بينهم.

وكل مرة إيثان كان بيديها مبلغ صغير من الفلوس بحرص، كأنه بيديها حاجة غالية جدًا ولازم يحافظ عليها.

لحد ما في يوم…

دانيال لاحظ حاجة جديدة.

حاجة خلت قلبه يقف للحظة…

لأن البنت المرة دي ماجتش لوحدها.

وكان الشخص اللي ظهر معاها هو آخر شخص في الدنيا دانيال كان يتوقع إنه يشوفه هناك…

وقف "دانيال كارتر" خلف نفس الشجرة، عيونه متسعة تحت النظارة السوداء، وجسمه اتحجر تماماً. الدم تجمد في عروقه وهو بيراقب المشهد اللي بيحصل قدامه على بُعد خطوات.
البنت الصغيرة ما جتش لوحدها المرة دي..
كان ماشي جنبها رجل طويل، ظهره منحني شوية، لابس معطف متهالك ومقطع من أطرافه، وبيمشي ببطء وكأنه شايل جبال على كتافه. لكن الراجل ده.. رغم الهزال والضعف والتعب اللي باين على وشه وشعره الشايب.. دانيال كارتر عرفه في كسر من الثانية!
كان "ماركوس فنسنت"!
ماركوس.. درع دانيال الأيمن، ورفيق دربه في التأسيس، والراجل اللي كان يعتبر الأخ الوحيد لدانيال كارتر في عالم المافيا والجريمة المظلم قبل عشر سنين!
عقل دانيال بدأ يلف بسرعة مرعبة، والذكريات بدأت تهاجمه زي الفيضان..
قبل عشر سنين، لما دانيال كان يخوض حرب الشوارع الشرسة للسيطرة على المدينة، اتعرض لكمين غادر من إحدى العصابات المنافسة. في اليوم ده، ماركوس فنسنت افتدى دانيال بجسمه، وأخد طلقة نارية في ظهره وواحدة في صدره قريبة من القلب. ماركوس ما ماتش وقتها، بس اختفى تماماً من المشهد. دانيال قلب المدينة عليه، ودور عليه في كل شبر، بس الإشاعات ساعتها أكدت إن ماركوس اتوفى أو تم تصفيته وجثته اترمت في البحر.. ودانيال عاش السنين دي كلها بحسرة في قلبه على الراجل اللي ضحى بنفسه عشان دانيال يعيش ويبني إمبراطوريته!
ولكن.. ها هو ماركوس يقف أمامه الآن! حيّاً.. لكنه أشباه بني آدم، يعيش في الفقر والضياع!
دانيال شاف ابنه "إيثان" بيقوم من على الدكة أول ما شاف ماركوس والبنت.
إيثان ما كانش خايف، بالعكس.. وشه أشرق بابتسامة دافية، وقرب من الراجل العجوز بحفاوة واحترام شديد.
ماركوس حط إيده المرتعشة على كتف إيثان، وقال بصوت متقطع ومبحوح:
— «إيثان.. يا بني، أنت بتعمل معانا كتير أوي. كفاية كده.. أنا مش قادر أقبل إنك تاخد من مصروفك وتجيب لنا أكل وفلوس كل يوم. أنت مجرد طفل.. ودانيال لو عرف..»
إيثان قطعه بصوت مليان ثقة ودفء:
— «عمي ماركوس.. والدي علمنا إن الوفاء مش كلام. أنت مش متخيل بابا بيحبك إزاي. هو كل سنة في ذكرى اختفائك يقعد يفتكرك ويقولي إنك بطل. أنا لمحتك بالصدفة من شهر وأنت قاعد على الرصيف بتعب، وعرفتك من الصورة اللي بابا حاططها في مكتبه السرّي! لما مشيت وراك وعرفت إنك عايش في الأوضة المتهالكة دي مع بنتك "ليلي"، وبتعاني من آثار الإصابة القديمة ومش معاك حق الدوا.. قررت إني أساعدك بإنها تبقى سرنا!»
سكت إيثان ثواني، ودخل إيده في شنطته وطلع كيس فيه أدوية وورق فلوس:
— «بابا دايماً يعلمني أكون قوي في المدرسة، بس أنا اتعلمت منه كمان إن القوة الحقيقية هي حماية الناس اللي بنحبهم. لو قلت لبابا دلوقتي، هيدور على الانتقام من الناس اللي تسببوا في وضعك ده، أو هينزعج جداً ويحس بالذنب لأنه سابك كل السنين دي.. أنا بس عاوز أجمع شوية فلوس كفاية وأوفر لك علاج محترم يخليك تقف على رجلك، وساعتها هاخدك من إيدك وأدخلك على بابا في المكتب وأقوله: (شوف يا بابا.. أنا رجعت لك أخوك)!»
ماركوس عينيه اتملت بالدموع، وحضن إيثان بقوة وهو بيترعش ويقول:
— «أنت ابن دانيال فعلاً.. نفس القلب، ونفس الشهامة.. يا بخت دانيال بيك يا بني.»
خلف الشجرة.. كان رجل المافيا المرعب، الذي ترتعد له فرائص القتلة والمجرمين في المدينة، يقف والدموع تنزل من عينيه بغزارة وسخونة تحت النظارة السوداء!
دانيال كان بيسمع كلام ابنه صاحب الـ 12 سنة، وحاسس بدمه بيفور وح قلبه بيتفلق نصفين.. نص من الفخر العارم بابنه الصغير اللي أثبت إن عنده عقيلة رجال ورقة فرسان، ونصف من الحزن والندم على صديق عمره اللي عاش كل السنين دي في العذاب والفقر!
دانيال ما قدرش يستحمل أكتر من كده..
خلع النظارة السوداء ورماها على الأرض، وخرج من وراء الشجرة بخطوات ثقيلة ورنانة.
صوت خطواته القويةخلت إيثان وماركوس يلتفتوا بسرعة.
إيثان اتجمد مكانه، وشه اتقلب أبيض زي الورقة، وبلع ريقه برعب وقال بصوت بيترعش:
— «با.. بابا؟!»
أما ماركوس.. فأول ما عينيه جت في عين دانيال، رجع خطوة لورا بصدمة، وشفاه كانت بترتعش ومش قادر ينطق كلمة واحدة!
دانيال مشي ناحيتهم ببطء، وعيونه حمراء من كثرة البكاء المكتوم.
قرب من إيثان.. ونزل على ركبته قدامه، وحط إيديه الاثنين على كتاف ابنه الصغير.
إيثان نزل رأسه في الأرض وقال بصوت خائف:
— «سامحني يا بابا.. أنا كدبت عليك في مواعيد المدرسة.. بس والله العظيم أنا..»
دانيال سكته، وسحبه لصدنه وحضنه بقوة مرعبة، حضن ألم وأمل وفخر. ودانيال همس في أذن ابنه وهو بيعيط:
— «أنا فخور بيك يا إيثان.. أنت مش بس ابني، أنت راجل بجد.. أفضل مني بمليون مرة!»
إيثان اتفاجأ، وحضن أبوه بقوة وهو بيتنفس براحة.
دانيال قام وقف، ودار وشّه ناحية ماركوس..
الراجلين بصلوا لبعض ثواني طويلة، ثواني كانت تختصر 10 سنين من الفقد والوجع والعذاب.
دانيال قرب من ماركوس بخطوات هادية، وماركوس نزل رأسه بالأرض بكسرة وقال:
— «دانيال.. أنا آسف.. أنا بقيت عالة وعاجز، وما حبيتش أكون عبء عليك أو أرجعلك وأنا مكسور كده وأخرب لك حياتك الجديدة..»
دانيال ما سبهوش يكمل كلامه.. هجم عليه وضمه لصدوره بقوة كأنه بيلحم أجزاء روحهم التايهة من جديد!
ماركوس انفجر في البكاء زي الأطفال في أحضان صديق عمره، ودانيال يطبطب على ظهره ويقول بصوت حازم ودافئ:
— «عُمرك ما كنت عبء يا ماركوس! أنت أخي اللي فداني بحياته.. أنت السبب إن الإمبراطورية دي موجودة وإن ابني ده عايش في أمان! تسيبني 10 سنين أتعذب بفكرتك وموتك وأنت هنا بتعاني؟!»
البنت الصغيرة "ليلي" كانت واقفة بتبص لهم بذهول، وإيثان قرب منها ومسك إيدها وابتسم لها بحنان.
دانيال مسح دموعه، وبص لماركوس وللبنت الصغيرة وقال بصوت لا يقبل النقاش:
— «النهاردة.. المأساة دي بتنتهي فوراً. السيارة والرجال واقفين على بُعد شارعين. أنت وبنتك هتخرجوا معايا دلوقتي، على أكبر مستشفى في البلاد تحت إشراف طاقم طبي كامل، وبعدها بيتك الجديد هيكون قصري، ورأسك هتفضل مرفوعة زي زمان وأحسن!»
ثم التفت دانيال لابنه إيثان، وحط إيده على رأسه بابتسامة مليانة عز وفخر:
— «وأنت يا إيثان.. من النهاردة مش محتاج تكدب ولا تستخبى عشان تعمل الخير. أنت أثبت لي إن القوة مش بالسلاح ولا بالسيادة.. القوة الحقيقية في الرحمة والوفاء. ومن بكرة، صندوق التبرعات الرئاسي لمؤسسات الأطفال هيكون تحت إدارتك أنت شخصياً!»
وفي الممر الهادئ بوسط المدينة.. مشي أقوى رجل مافيا بجانب رفيق دربه المستعاد، ومسك إيد ابنه الصغير بكل فخر.. بعد ما اتعلم درساً صامتاً في المروءة والشهامة من طفل عنده 12 سنة، أثبت إن بذور الخير في القلوب الصادقة تستطيع أن تهزم أعتى قسوة في هذا العالم!

تمت

تم نسخ الرابط