رواية كاملة
المحتويات
استدعاء مفاجئ.
هزيت راسي بهدوء، ومحاولتش أنام؛ قعدت استنى الفجر لحد ما أذن، صليت ودعيت من قلبي إن ربنا يبرد ناري ويجيب حقي وحق عرق أبويا اللي كانوا عايزين يسرقوه على جثتي.
أول ما الشمس طلعت، لبست طقم رمادي شيك ومحتشم، وجاكت طويل بكم يغطي كل أثر للشاش والضمادات. حطيت إيشارب أسود ولفيته على رقبتي بعناية. مكنتش عايزة حد يشوف أثر الوجع قبل ما يشوفوا جبروت الحق في القاعة.
وصلنا مجمع محاكم الجيزة في ميدان الجيزة قبل الميعاد بساعة. المحكمة كانت بتغلي من الصبح أصوات الناس رايحة جاية، المحامين بشنطهم الجلد السودا، وبوابات التفتيش بتصفر كل ثانية. أول ما دخلنا الدور التاني ووقفنا في الطرقة الطويلة اللي قدام القاعة ب، لمحتهم من بعيد.
طارق كان واقف لابس بدلة كحلي متفصلة، وشعره متسرح بجل، وماسك في إيده كوباية قهوة سفري وموبايله الجديد في الإيد التانية، عمال يضحك ويتنطط بصوت عالي مع محاميه كأنه جاي يستلم شيك على بياض أو يحتفل بنجاحه في صفقة العمر. وجنبه أمه، الست سميحة، لابسة عباية سودا مطرزة بفصوص ومفصصة دهبها في إيديها الاتنين، وبتبص حواليها بقرف كأنها ملكة متوجة مجبورة تقف وسط الناس الغلابة.
أول ما عين سميحة جت في عيني، ملامحها اتغيرت شوية من المفاجأة، بعدين وشها اتملى سخرية واستهزاء. لكزت طارق في دراعه وقالت بصوت مسموع في الطرقة كلها بص كده يا طارق مين شرفت.. الهانم اللي كانت بتموت في المستشفى جاية بنفسها! باين عليكي لسه فاكرة إن المحاكم هترجعلك شبابك ولا حيلتك حاجة غير الشحاتة!
طارق التفت، حط إيده في جيب بنطلونه، وبصلي من فوق لتحت بنظرة احتقار مسمومة، وقرب خطوتين وقال نورا.. إنتي لسه فيكي حيل تلفي ورايا؟ ما تريحي نفسك وتكتبي التنازل وتاخدي القرشين اللي عرضتهم عليكي بدل ما تخرجي من هنا ممعاكيش حق الأجرة ولا حتى حق مراهم الحروق اللي مبهدلة وشك دي؟ إنتي فاكرة سحر المحامية هتعملك معجزة؟ الشقة دي هندخلها النهاردة، وبكرة الصبح العقد هيتسجل والمشتري مستني بالشنطة.
مردتش عليه ولا رمشت. بصيت في عينيه بنظرة تلج مفيهاش أي تعبير. أحمد ابن خالتي كان هيتحرك لقدام وعضلات وشه مشدودة، مسكت دراعه بإيدي الشمال وهمست له سيبه ينبح براحته يا أحمد.. الشبعان مبيخطفش، وسيبه يفتكر نفسه كسبان لحد ما باب القاعة يتقفل عليه.
محاميه، راجل أقرع بشنب ولابس بدلة مهلهلة، قرب من طارق وقاله بصوت واطي سيبك منها يا أستاذ طارق، ورقنا ميتخرمش، ومعانا فواتير العلاج ومحضر الصدمة العصبية، القاضي مش هياخد عشر دقايق وهيحكم بإنهاء الحراسة ونبيع بالمزاد أو بالتراضي، وساعتها مش هتقدر تنطق.
فجأة، الحاجب فتح باب القاعة بصوت مدوي وقال محكمة! قضية رقم 3412 لسنة 2026.. نورا كمال السلاب ضد طارق إبراهيم الصاوي!
دخلنا القاعة. الجو كان فيه ريحة الورق القديم والخشب المحروق من كتر السنين، والتكييفات بتزن بهدوء. القاضي كان راجل هيبة، شعره أبيض تماماً ونظرته حادة بتخترق أي حد يبص له، وجنبه أعضاء اليمين والشمال ووكيل النيابة قاعد على منصته الخاصة وفي إيده ملف سميك أحمر مكنش موجود في الجلسات العادية بتاعة قضايا المدني.
طارق قعد في الصف الأول من ناحية اليمين هو وأمه ومحاميه، وكانوا بيتساسروا ويضحكوا بخبث، وأنا قعدت في الصف الشمال وجنبي الأستاذة سحر وأحمد.
القاضي قلب في الورق المبدئي وبص للمنصة الدفاع عن المدعي عليه، اتفضل قول طلباتك في دعوى رفع الحراسة.
محامي طارق وقف بكل ثقة ونفخ صدره سيدي القاضي، موكلي الأستاذ طارق راجل أعمال محترم، كان زوج مخلص للمدعية. تعرض لمأساة لما المدعية قامت بتصرف طائش وغير مسؤول، وأسقطت على نفسها إناء ماء مغلي في المطبخ نتيجة اضطراب نفسي وعصبي مثبت في بعض الإفادات. موكلي صرف دم قلبه على علاجها، وأمه الفاضلة كانت بترعاها، لكن المدعية بدلاً من الشكر رفعت دعاوى كيدية
وفرضت حراسة تحفظية على العقار الموروث اللي موكلي له فيه حقوق متعلقة بنفقات ومشتركات زوجية وديون مثبتة بإيصالات أمانة قدمناها لسيادتكم. إحنا بنطلب رفع الحراسة فوراً وتمكين موكلي من التصرف، مع إلزامها بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
سميحة كانت بتهز راسها ورا محامي ابنها وبتمسح على صدرها بتمثيلية تقطيع القلب كأنها الضحية اللي ضحت بعمرها.
القاضي رفع عينه من الورق وبص لطارق الأستاذ طارق، أنت تؤكد إن الحادث كان قضاء وقدر وإن المدعية وقعت من تلقاء نفسها؟
طارق وقف بكل بجاحة، وحط إيده على صدره وقال بنبرة تمثيلية رخيصة أيوة يا سيادة القاضي، وربنا شاهد عليا وعلى اللي عملته معاها. أنا شيلتها بإيدي للمستشفى، وفضلت جنبها، بس للأسف الست لما تفقد عقلها بتنسى الفضل وتبيع اللي وقف جنبها. وأمي الست الكبيرة دي قعدت تخدمها وتمسح وراها، وتجازينا في الآخر بالبهدلة دي في المحاكم!
القاضي بص للأستاذة سحر الدفاع عن المدعية، اتفضلي.
سحر وقفت بهدوء، مش هادية كأنها مغلوبة على أمرها، لأ، هادية هدوء الأسد اللي باصص على الفريسة وهي بتقرب من الفخ. فتحت ملفها الأسود وقالت بصوت مالي القاعة كلها سيادة القاضي، كل حرف تفضل بيه زميلي وكل كلمة نطق بيها المدعى عليه هي محض افتراء وجريمة متكاملة الأركان بتبدأ من الشروع في القتل، وتمر بالشهادة الزور، وتنتهي بالتزوير واستغلال النفوذ لطمس الحقيقة.
محامي طارق قاطعها بعصبية اعترض يا فندم! دي محكمة مدنية وجلسة رفع حراسة، الزميلة بتلقي اتهامات جنائية مرسلة بدون دليل بهدف التأثير على هيئة المحكمة الموقرة!
سحر بصتله باحتقار وكملت من غير ما ترتبك مش اتهامات مرسلة يا سيادة القاضي. إحنا تقدمنا للنيابة العامة بطلب رسمي رقم 89 لسنة 2026 عرائض كلي، والنيابة مشكورة بعد معاينة الأدلة الفنية وضعت أيديها على القضية ووافقت على ضم البلاغ الجنائي للدعوى المدنية الحالية، وإحالة القضية بأكملها لهيئتكم الموقرة لنظر الشق الجنائي المستعجل وشهادة الزور أمامكم!
القاضي بص لوكيل النيابة، وكيل النيابة هز راسه وقال بصوت صارم نعم يا فندم، النيابة العامة ضمت تقرير قسم المساعدات الفنية بوزارة الداخلية وتقرير مصلحة الطب الشرعي، وبنطلب الاستماع لأقوال المجني عليها وعرض الأحراز المرفقة فوراً.
في اللحظة دي، شفت وش طارق بيبدأ يصفر. الابتسامة اللي كانت مرسومة على بقه اتلاشت، وأمه سميحة اتعدلت في قعدتها وقبضت على شنطتها بإيديها الاتنين كأنها حست بلسعة نار مفاجئة.
القاضي بصلي وقال المدعية.. اطلعي هنا قدام المنصة.
قمت وقفت. خطواتي كانت ثابتة، مكنتش بتمايل ولا مكسورة زي ما كانوا فاكرين. وقفت قدام القاضي، وبصيت في عينيه بكل شجاعة. سألني اسمك وسنك وإيه اللي حصل يوم الواقعة المذكورة في المحضر؟
قلت بصوت واضح مسموع لكل ركن في القاعة أنا نورا كمال السلاب، 29 سنة، مهندسة ديكور، وبنت الراجل اللي طارق وأمه كانوا عايزين يسرقوا شقته وعمره. يوم 14 أكتوبر، كنت واقفة في مطبخي بطبخ، طارق دخل عليا وضغط عليا أبيع عمارة والدي عشان يسدد ديون قمار وخسائر مشبوهة، ولما قلت له لأ وعلى جثتي أفرط في ريحة أبويا، مد إيديه بكل غل وغدر وزقني من ضهري على حلة الشوربة المغلية.
طارق صرخ
متابعة القراءة