رواية كاملة
المحتويات
أكل اليوم؟ ليه تشغلي بالك ببكرة وتقللي من مقامي قدام نفسي وقدام عيالي بالزبالة دي؟!
في اللحظة دي، ولادي التلاتة.. مصطفى الكبير، وأحمد اللي في إعدادي، ونور الصغيرة.. طلعوا من أوضهم على صوته العالي. وقوفهم ده كان كفيل يهد أي ست، بس أنا المرة دي كنت صخرة، بصيت لعيالي وبصيت له وقولت بصوت أعلى من صوته ومليان قهر سنين عيالك اللي إنت خايف على مقامك قدامهم دول، بقالهم ست شهور مبيشربوش كوباية لبن كاملة الدسم! عيالك اللي واقفين دول بياكلوا سندوتشات جبنة بيضا قديمة حادقة عشان متسحبش من الميزانية، عشان جنابك لازم ترجع تاكل نص كيلو بروتين لوحدك على السفرة! إنت مش بتديني كل يوم بيومه، إنت بترمي لي ملاليم وعايزني أعملك بيها معجزات! ال 300 جنيه اللي فرحان بيهم دول، ميكفوش فطار وغدا وعشا لخمس بني آدمين في الغلا اللي إحنا فيه إلا لو أكلنا عيش حاف وطعمية بايتة!
حسام اتلجلج للحظة لما لقى العيال باصين له، بس الكبر والغرور لحسوا عقله، بص لمصطفى الكبير وقال له بنبرة محتدة خش إنت وإخوتك جوة، مفيش كلام يتقال هنا، أمكم اتجننت ولازم تتربى!
مصطفى مبصش لأبوه نظرة خوف زي كل مرة، مصطفى عنده 16 سنة، يعني راجل بيفهم وشايف أمه بتتشقلب إزاي، وقف مكانه ومتحركش خطوة، وبص لأبوه وقال بصوت واطي بس كان بيقطع زي السكين بابا.. ماما مغلطتش، ماما بتنزل السوق كل يوم تلف على رجليها بالساعات عشان تدور على أرخص طماطم وأرخص بطاطس. إحنا من شهرين لما بنطلب من حضرتك فلوس كتب أو ملازم بتقولنا اتصرفوا مع أمكم، وأمي بتوفر من أكلنا ودم قلبها عشان تدفع لنا الدروس.. الصينية دي إحنا رضينا بيها وكلنا ريحتها وعجبانا، لو حضرتك مش عاجباك.. انزل هات اللي يعجبك.
الكلمة نزلت على حسام زي الكرباج. إزاي ابنه يكلمه كدا؟ إزاي هيبته تتكسر في بيته قدام مراته وعياله؟ اتحول حسام لوحش كاسر، مد إيده بعنف ومسك حافة الصينية وقلبها كلها على الأرض! صوت الرز وهو بيتبعتر على السجادة، وصوص اللحمة السخن وهو بيلطخ السيراميك، ونور بنتي صرخت واستخبت ورا أخوها الكبير.. كل ده حصل في ثانية واحدة. حسام كان بينهج وعينيه طالع منها شرار وقال بفحيح مفيش طفح في البيت ده النهاردة! لا أنا ولا أنتم هناكل! والفلوس اللي مش عاجباكم دي.. أقسم بالله من بكرة الصبح ما هتشوفوا منها مليم واحد! أنا هجيب أكلي بنفسي، وأنتوا بقى وروني هتاكلوا إيه وتتصرفوا إزاي من غيري!
ساب الصالة ورزع باب أوضة النوم وراه رقعة هدت أركان البيت كله.
فضلت واقفة مكاني، باصة للأكل المرمي على الأرض، الأكل اللي وقفت في المطبخ في عز الحر تلات ساعات عشان أتبله وأحمره وأخليه ليه طعم وريحة تستر البيت. حسيت بدموعي بتنزل غصب عني، دموع حرقة ووجع مش ندم. نزلت على ركبي ولميت الأكل بالراحة، وأولادي التلاتة نزلوا جنبي، مصطفى بيمسح معايا، ونور بتبوس راسي وتقولي متبكيش يا ماما.. خلاص متبكيش.
قولت لمصطفى بصوت مبحوح قوم يا ابني إنت وأخوك، متلموش حاجة.. دا نصيبنا.
دخلت المطبخ، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق. النار اللي كانت قايدة في قلبي انطفت، وبدالها قام جبل من التحدي. هو مفكر إنه لما يمنع عننا الفلوس هنموت من الجوع؟ مفكر إنه لما يقفل بابه هنركع عند رجليه ونبوس إيده عشان يرمي لنا ال 300 جنيه ونتذل كل يوم لكلمة اتصرفي؟!
قعدت مع
ولادي في الصالة بعد ما نضفنا الأرض. كانوا قاعدين ساكتين وجعانين وخايفين من بكرة. بصيت لمصطفى وقولت له مصطفى، فاكر عمك رجب صاحب محل الحلويات اللي جنب مدرستك؟ مش كان قايل لك إنه محتاج حد يدير له صفحة الفيسبوك ويرد على الطلبات ويوصل أوردرات قريبة بعد الضهر؟ مصطفى عنيه نورت وقالي أيوة يا ماما، بس بابا وقتها رفض وقالي ملكش دعوة بالشغل وركز في مذاكرتك! قولت له بحسم من بكرة هتروح لعمك رجب، هتشتغل معاه ساعتين تلاتة في اليوم بس، بعد ما تخلص دروسك ومذاكرتك.. ومش هتقول لأبوك كلمة واحدة. وأنا يا ولاد.. من النهاردة مش هقعد أستنى حسنة من حد.
تاني يوم الصبح، حسام صحي بدري، لبس بدلته المكوية اللي أنا كوياهاله بإيديا، وخرج من الأوضة رافع مناخيره في السما، بص للسفرة ملاقاش فطار محطوط، وملاقاش حد في الصالة غيري أنا، قاعدة بكوباية شاي سادة وماسكة ورقة وقلم وبحسب. بص لي بقرف، ومطلعش ال 300 جنيه من جيبه، حط محفظته في جيبه ونزل ورزع الباب وراه من غير ما ينطق حرف، وهو متأكد إن على الساعة تلاتة لما يرجع، هيلاقيني بنهار وبعيط وبقوله حقك عليا مش لاقيين ناكل.
بس حسام مكنش يعرف إيه اللي كان بيدور في دماغي.
أول ما حسام خرج، دخلت على البلكونة، بصيت على العربية الملاكي بتاعته المركونة تحت البيت في الشمس، عربية موديل حديث مركونة عشان الباشا ميكسرش كبرياؤه ويشتغل بيها. مسكت تليفوني، ورنيت على واحدة صاحبتي جارتنا في نفس الشارع، جوزها شغال مقاول وعنده كذا مشروع ألو.. صباح الخير يا أم هنا.. بقولك إيه، جوزك كان لسه بيدور على ستات بيوت شاطرين يعملوا وجبات جاهزة للعمال والمهندسين في الموقع الجديد بتاعه؟.. أيوة، محاشي وصواني وخضار.. أنا جاهزة من النهاردة، ومستعدة أعمل له أحسن أكل بأعلى نضافة، وبأسعار جملة تناسبه.. تمام، مستنياكي تنزلي نتفق على الدفعة الأولى والمصاريف.
خلال ساعتين، كنت متفقة على أول أوردر 50 وجبة غدا للموقع يوم السبت اللي جاي! والست ادتني عربون محترم عشان أنزل أجيب بيه الخزين واللحوم بالجملة.
البيت اتقلب خلية نحل، ولادي ساعدوني ننضف المطبخ، وبدأنا نجهز، ومصطفى رجع بعد الضهر بضحكة من الودن للودن وهو معاه أول يومية اشتغل بيها، جاب بيها فاكهة ولبن لإخواته ودخل بيهم البيت وهو رافع راسه.
حسام رجع الساعة تلاتة العصر كالعادة.. فتح الباب ودخل، وشه كان مليان شماتة، مستني يشوف الدموع والانكسار. بس المشهد اللي شافه خلاه يتسمر مكانه وميعرفش ينطق..
الصالة كانت مليانة أكياس خضار فريش، وفراولة وموز على السفرة، والتلاجة مفتوحة مليانة أطباق جبنة وبيض، والعيال قاعدين بيذاكروا ومبسوطين، وريحة كيكة شيكولاتة لسه طالعة من الفرن مالية البيت.. وأنا كنت واقفة بكامل شياكتي لابسة عباية جديدة وكنت بقلب في فنجان قهوة بكل هدوء.
حسام فضل باصص للأكياس وباصص لعياله، وعينيه هتطلع من وشها، وشه احمر وبدأ يفرك في إيديه وهو بيزعق بهستيريا إيه ده؟! الفلوس دي كلها جت منين؟! إنتي سرقتيني يا ولية ولا مديتي إيدك على دهب البيت؟! مين اللي جاب الحاجات دي كلها وإنتي ممعكيش ولا مليم؟!
بصيت له بنظرة شبع واستغناء، شربت بؤ من فنجان القهوة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولت له مش إنت قولت لي اتصرفي يا حسام؟ أهو أنا اتصرفت.. والفلوس دي حلال بلال من عرق جبيني، ومفيش مليم منها خارج من جيبك.
قرب مني بغل وعينيه بتطق شرار، مسك دراعي بعنف وقالي شغل إيه وقرف إيه؟!
متابعة القراءة