كفاية استغفال حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

هو إنتِ مستخسرة تساعدي أمي؟ إخواتي لسه عاملين ضوافرهم وجديدة!.. الجملة دي رماها جوزي في وشي قدام الكل وأنا ماسكة الفتونة وجردل المسح وركبي على الأرض. معليتش صوتي، سألته بس في سرّي هما صرفوا كام الشهر ده، وهو اتريق عليا. بعد أسبوعين رجعت، ومعايا سرير حديد، ومفاتيح العربية، وكشوفات الحساب مطبوعة على ورقة بيضا. وساعتها بس فهم إن حوار المسح مكنش هو الحكاية أصلاً.
الجزء الأول
إنتِ بجد يعني عايزة إخواتي يبوظوا باديكير وأكليريك دافعين فيه ألف وخمسمية جنيه في الكوافير عشان حضرتك تعبانة؟ إنتِ ضوافرك مقصوصة يا نور، مش فارقة معاكي ولا هتخسري حاجة لما تمسحي.
نور اتسمرت مكانها، قاعدة على ركبتها على سيراميك صالة حماتها، والفتونة المعصورة بين إيديها بتنقط مَيّة.
لثواني حست إن ودنها بتصفر وإنها سمعت غلط.
عندها سبعة وتلاتين سنة، شغالة من الأحد للخميس رئيسة حسابات في شركة شحن وتوزيع كبيرة في مصر الجديدة. الأسبوع ده كانت بتقفل ميزانيات، وطالعة عينها في مراجعات وضرايب، ومروحة بيتها تلات أيام ورا بعض بعد تسعة بالليل مهدودة.
ورغم ده كله، يوم إجازتها، الجمعة، كانت بتمسح شقة الست نادية، حماتها.
قدامها على الكنبة، مأنتخين إخوات جوزها التوأم فريدة ونورهان، عندهم اتنين وتلاتين سنة، الموبايلات في إيديهم، والآيس كوفي على التربيزة قدامهم، وضوافرهم مرسومة وفيها فصوص بتلمع.
خدي بالك من تحت نيش السفرة والنبي نورهان قالتها من غير ما ترفع عينها من على شاشة التيك توك ماما بيجيلها حساسية من العفار.
نور عصرت الفتونة في الجردل بإيدين بتترعش من الغيظ.
طب ماتقوموا تساعدوني؟ إيد على إيد نخلص الشقة في نص ساعة.
الأختين بصوا لبعض بنظرة كإن نور بتقول نكتة بايخة ومستغربين الجرأة.
في اللحظة دي، طارق دخل من المطبخ، ولسه بيمضغ في المحشي اللي مراته كانت سهرانه تلفّه وتسويّه ليلة الجمعة وجايباه معاها في حلّة عشان حماتها متتعبش.
هتبدأي موشح كل أسبوع ولا إيه؟ طارق قالها وهو بيبلع.
مش ببدأ موشح. بسأل اتنين ستات شاحطين قاعدين حاطين رجل على رجل ليه، وأنا اللي بمسح شقة أمهم؟
طارق ضحك باستهزاء.
عشان لسه خارجين من الكوافير حالا، دافعين دم قلبهم في ضوافرهم، مش منطقي يبوظوا الفلوس دي كلها عشان مسحة أرض يعني.
الكلمة نزلت على نور زي المَيّة الساقعة.
بقالها شهرين بتتحايل عليه يغير تيل فرامل العربية اللي بيروحوا بيها الشغل سوا، العربية كانت بتصرخ مع كل دوسة فرامل وهي نازلة من كوبري أكتوبر. كل ما تقوله، طارق يرد نفس الرد المحفوظ
السيولة مأزمة، مش وقته مصاريف خالص دلوقتي.
لكن وقت ضوافر الهوانم، في فلوس.
ووقت باقات نت نورهان اللي بتخلص وتتجدد في نفس اليوم، في فلوس.
ووقت كورسات التاروت والأبراج اللي فريدة بتشترك فيها، في فلوس.
ولطلبات طلبات ومصاريف بيت الست نادية، في فلوس.
ولشوزات بتيجي من على النت، واشتراكات منصات، ومكملات تخسيس بيجيبوها ويرموها بعد أسبوعين في الدرج.. في ملايين.
نور خدت نَفَس طويل بالعافية.
يعني ضوافرهم أغلى من وسطي اللي مكسور ده؟
طارق لوح بإيده وبص في السقف
متعمليش دراما بقى وتكبري الموضوع! إنتِ شقيانة وصحتك تشيل، هما رقيقين وميستحملوش البهدلة دي.
الست نادية خرجت من الطرقة وهي ساندة بإيدها وبتسبّح
الست الأصيلة الجدعة تشيل أهل جوزها على راسها ومتقعدش تعيّر بحسناتها يا نور، دا فضل من عندك يعني؟
نور بصت لكفوف إيدها اللي احمرّت وقشفت من الكلور والمُنظّفات.
محكتش. م نطقتش بحرف.
كملت المسح في صمت رهيب.
في طريق الرجوع، طارق كان سايق وبيصفر مع الراديو ولا كإن في أي حاجة حصلت.
أمي قالت الشقة نضفت وراقت رمى الكلمة دي في النص بس كان في شوية تجيير كده جنب الوزرة في الصالة، ابقي خدي بالك المرة الجاية وركزي شوية.
نور كانت باصة من شباك العربية على عماير مدينة نصر ونور الشوارع.
مش هيبقى فيه مرة جاية.
بتقولي إيه؟ مسمعتش.
بقولك الفرامل بتسحب، وصوت الصفارة زاد عن حده.
طارق نفخ بضيق
نور! ما قلنا ألف مرة مفيش سيولة زايدة! فريدة محتاجة تحجز كورس علم الأرقام ده عشان متأخرش عن زمايلها، ونورهان عايزة تلحق بوت في التخفيضات قبل ما الشتا يدخل والأسعار تولع.
نور لفت وشها ليه بالراحة وبصتله في عينه
غريبة أوي.. لما بيبقى الموضوع فيه مامتك وإخواتك، بيبقى القرش خيرنا لبيتنا كلنا، لكن لما ييجي الدور على حاجة في بيتنا وأماننا، تطلع جملة مفيش وممعيش!
دول أهلي وعيلتي!
وأنا مش عيلتك برضه؟
طارق مردش، ودور وشه الناحية التانية.
الليلة دي، أول ما طارق نام، نور فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل.
تحويلات إنستاباي..
مشتريات بالفيزا كارد..
فواتير مدفوعة..
شحن رصيد..
مسكت الآلة الحاسبة وفضلت تجمع، شهر ورا شهر.
في أقل من سنة، كان طالع من شقاها ومرتبها ومن الحساب المشترك مبلغ يخض.. أرقام عبيطة كانت بتصرف على حياة تلات ستات قادرين يشتغلوا وينحتوا في الصخر.
نور فضلت باصة للرقم على الشاشة كتير، وعينها بتلمع بس مفيهاش دموع.
بعدها قلبت في الأسماء، وجابت رقم واحدة صاحبتها من أيام الجامعة شغالة في العقارات.
ألو، سارة؟ معلش بتصل بيكي متأخر.. كنت عايزة أسألك، لو حبيت أأجر ستوديو صغير أو شقة أوضة وصالة ليا لوحدي في التجمع أو الشروق، متوسط الإيجار كام دلوقتي؟
وهي بتسمع كلام سارة، نور كانت عارفة ومتأكدة.. هي مكانتش بتدور على شقة مفروشة.
هي كانت بتدور على طريق هروب.
واللي قررت تعمله في الأسبوعين الجايين، كان حاجة عمر ما طارق، ولا أمه، ولا إخواته الهوانم كان ممكن يتخيلوها في أسوأ كوابيسهم.
الجزء الثاني
الليل في مدينة نصر مبيسكوتش، وصوت العربيات على طريق النصر كان داخل من شيش البلكونة الموارب زي وشوشة بعيدة. بس جوة الشقة، مكنش مسموع غير صوت شخير طارق المنتظم، وصوت تكتكة خفيفة على شاشة الموبايل.
نور مكنتش بتعيط. الدموع دي كانت مرحلة وخلصت من سنتين، لما كانت لسه بتصدق إن الحكاية سوء تفاهم وإن طارق بس مضغوط عشان شايل أهله. دلوقتي، الشاشة كانت منورة وشها بنور أبيض باهت، وهي فاتحة شيت إكسيل على موبايلها، وبتنقل من تطبيق البنك بالأرقام، بالسنتيم،

بالمليم.
كل تحويلة كان ليها تاريخ، وكل تاريخ وراه قصة نور كانت بلعاها وسكتت عشان مركب الحياة تسير.
يوم ١٤ مارس تحويل إنستاباي بسبعة آلاف جنيه لكوافير في المعادي.. في نفس الأسبوع اللي طارق حلف لها بالطلاق إنه مش معاه ألفين جنيه يدفع بيهم قسط صيانة العمارة وقالها ادفعيهم إنتِ من مرتبك وهبقى أفك شهادة الشهر الجاي وارجعهم، وطبعاً الشهادة لا اتفكت ولا الفلوس رجعت.
يوم ٢ مايو تسعة آلاف جنيه شراء أونلاين من براند شنط حريمي لفريدة بمناسبة عيد ميلادها.. في نفس اليوم اللي نور طلبت فيه تغير نضارة النظر بتاعتها عشان المقاس اتغير وبقت تصدع، فقالها استحملي بس شوية يا نور، العين عليها لود والشركات كلها بتصفي ومش ضامنين بكرة فيه إيه.
جمعت الخانات. الأرقام على الشاشة بدت زي صفعة باردة وواعية. المبلغ اللي اتصرف من دخلها المباشر ومن فلوس الجمعيات اللي كانت بتقبضها وتدخلها في مصاريف البيت عشان سيادته يغطي مصاريف عيلته، كان كفيل يشتري شقة تمليك صغيرة في بدر أو حدائق أكتوبر، أو على الأقل يدفع مقدم محترم لشقة باسمها.
قَفلت الموبايل بهدوء، وحطته تحت المخدة، وبصت لسقف الأوضة.

تم نسخ الرابط