رواية كاملة

لمحة نيوز

ورزعت باب المطبخ ورايا بالراحة. جه ناحيتي ووشه مخطوف وقال لي مالك يا أمي؟ فيكي إيه وبتعيطي ليه؟ أبويا اتكلم معاكي تاني ولا قالك حاجة تنكد عليكي؟
بصيت في وش ابني، شاب مالي مركزه، طول بعرض، وبدايات رجولة حقيقية باينة في ملامحه. حسيت ساعتها بغبائي لو فكرت للحظة واحدة إني ألم هدومي وأمشي زي ما جوزي طلب، أو أستسلم للشيطانة اللي ساكنة قصادي. لو مشيت، هسيب بيتي لسلفتي تشمت فيا، وهكسر نفس عيالي، وهسيب جوزي يعيش في الوهم اللي هي رسمته له ومصدقه زي الأعمى.
مسحت دموعي بطرحتي وأنا باخد نفس طويل وقولت له مفيش يا يوسف، شوية زعل عشان ستك تعبانة في المستشفى وأبوك متسرع في كلامه، متقلقش يا ابني وادخل انت كمل مذاكرتك، أمك بميت راجل ومفيش حد في الدنيا دي يقدر يلوي دراعي ولا يخرجني من بيتي.
الولد بص لي بتردد، بس حس بالقوة اللي في نبرتي فرجع أوضته وهو مش مقتنع أوي بس مطمن شوية. وأنا قعدت على طرف الكنبة في الصالة، راسي كانت بتغلي بالتفكير. الحلول اللي كنت بفكر فيها زمان تلاشت في ثواني. مفيش حاجة اسمها ألم الموضوع وأتعامل معاها عادي، اللي يلدغك مرة ميبقاش أخوك، واللي يدبر لموتك بالبطيء مينفعش تبتسم في وشه. وأخويا الكبير؟ أخويا راجل حقاني وعاقل، بس لو دخلته دلوقتي والقصة كلها حكاية أكل وفرن وكلام نسوان، جوزي هيركب راسه وهيقول أخوها جاي يفرض نفسه عليا في بيتي، والمسألة هتكبر وهتوصل لطريق مسدود وهيقع الطلاق بجد.
أنا محتاجة الحق يبان قدام الكل، وبالدليل القاطع اللي مخرش المية، مش بكلامي قصاد كلامها، لأن جوزي أعمى بحكاية إنها يتيمة وبنت عمه المتربية وسطهم.
فضلت ليلتها صاحية لحد الفجر، عينيا مفاقتش من التدوير. تاني يوم الصبح، نزلت بهدوء من غير ما أعمل أي صوت على السلم، روحت المستشفى لماما أطمن عليها الأول، لأن رضاها وصحتها فوق كل اعتبار. لقيتها الحمد لله أحسن والدكتور كتب لها على خروج، ارتحت نفسيا وحسيت إن جبل اتشال من على كتافي، وبقيت جاهزة للمعركة اللي مستنياني في بيت العيلة.
رجعت العمارة حوالي الساعة اتنين الضهر، وقت ما بيكون حمايا وحماتي قاعدين تحت، وسلايفي التانيين متجمعين بيجهزوا غدا البيت الكبير، والرجالة بتبدأ ترجع من أشغالها، وجوزي المفروض إنه نايم تحت عند أمه من بعد ما سبني الليلة اللي فاتت.
وأنا طالعة السلم، شميت ريحة طالعة من شقة سلفتي... ريحة صينية فراخ بالبطاطس متسبكة ومحمرة، وطالعة منين؟ من فرن شقتها هي!
وقفت خطوة على السلم وقلبي دق جامد. الباب كان مقفول بس الريحة مفضوحة ومالية الدور كله، وصوت تايمر الفرن بتاعها اللي دايما بيعمل تكة معينة لما بيفصل كان واضح جدا لأي حد مركز. روحت على باب شقتي وفتحته بهدوء، ومفيش نص ساعة إلا ولقيت الباب بيخبط بخفة.
فتحت، لقيتها واقفة قدامي، ولابسة عبايتها البيتي وعلى وشها نفس الابتسامة المسمومة اللي بقت تقرفني، وفي إيدها طبق رز عليه حتة زبدة، وبتقولي بكل برود الدنيا صباح الخير يا أم يوسف، حمد الله على سلامة مامتك يا حبيبتي، متزعليش مني بقى عشان إمبارح، بس أنا والله مكنتش أقصد، والفرن بتاعي مضايقني أوي وواقف حالي، قولت أعمل طبق الرز ده عندك على السريع عشان جوزي جاي من الشغل ومفيش وقت، وأنا عارفة قلبك أبيض ومتهونيش عليا ولا يهون عليكي زعلنا.
بصيت للطبق اللي في إيدها، وبصيت لعينها اللي كانت بتلمع بخبث،
وهي فاكرة إني هموت من الرعب عشان جوزي ساب الشقة، وإنها جاية تكسرني وتاخد الرضا مني بذل.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية جدا، وقولت لها وليه تعمليه عندي يا حبيبتي؟ ما فرنك شغال وزي الفل وريحة صينية البطاطس بالفراخ واصلة لآخر الشارع!
وشها اتخطف في ثانية واحدة. لونها بقى أصفر، والطبق في إيدها اتهز وكاد يقع. بلعت ريقها بالعافية وقالت بتلعثم إيه؟ بطاطس إيه؟ لا يا أختي ده أنا كنت مسخناها على البوتجاز من فوق وحطيت عليها غطا حلة عشان تستوي، الفرن محروق ومبيولعش بقاله شهر، انتي هتعرفي أكتر مني؟
قولت لها بصوت هادي وواضح طيب يا بنت الحلال، ما دام محروق ومش شغال، إيه رأيك ننزل تحت عند حماتي ونسأل عمك؟ هو مش عمك كان جايبلك الفرن ده في جهازك ولسه مغيرلك فيه الشمعة السنة اللي فاتت وبيفهم في الصيانة؟ تعالي ننزل سوا نطلب منه يطلع يشوفهولك دلوقتي، عشان جوزك ميتأخرش على غداه.
هي حست إن الأرض بتتهز تحتها، وصوتها علي فجأة بحدة إيه الأسلوب ده؟ انتي بتشككي فيا؟ أنا بنت عمهم ومتربية هنا، انتي هتعلميني الصدق؟ أنا جاية لحد عندك بطيب خاطر وبقولك ننسى اللي فات عشان خاطر جوزك اللي نايم تحت زعلان، وانتي بتقلبيها معاية وخناق؟
وفي اللحظة دي بالظبط، الباب بتاع السلم لتحت اتفتح، وجوزي كان طالع، شكله مكنش نايم وعينيه مكسورة وزهقان، وأول ما سمع صوتها العالي، وشه اتقلب وجه يندفع زي العادة في إيه هنا؟ صوتكم عالي ليه في الطالع والنازل؟ مفيش احترام لحرمة البيت ولا للناس اللي تحت؟
سلفتي أول ما شافته، راحت في نوبة دراما مكنش وراها غير إبليس. حطت إيدها على وشها وعملت نفسها بتعيط شوف يا ابن عمي، شوف مراتك أول ما شافتني جاية أراضيها وأقولها حقك عليا والصلح خير وأمي التانية عيانة وحقها عليا، راجعة تشتمني وتقولي انتي كدابة وفرنك سليم وانتي بتعملي حوارات عشان تخرجيها من بيتها! أنا يا أبو يوسف؟ أنا اللي عايشة معاكم عمري كله أعمل كده؟ أنا اللي رضيت أستحمل كلامها ونظراتها في الأكل والشرب كل يوم عشان خاطركم؟
جوزي بص لي وعينيه كلها شرار، ولسه هيفتح بقه ويزعق ويقول لي كلامه المعتاد بتاع أنا قولتلك امشي، قاطعته بمنتهى الثبات والبرود اللي خلاه يقف مكانه مذهول. رفعت إيدي وقولت له كلمة واحدة يا راجل، كلمة واحدة مش هكتر عنها. انت مصدق بنت عمك اللي زي أختك، تمام؟ ومصدق إنها مظلومة وفرنها بايظ بقاله شهور وإنها بتدخل عندي عشان محتاجة بجد؟
هو سكت وبص لي بتوجس وقال أيوة مصدقها، دي لحمنا ودمنا وعمرها ما كدبت في حاجة.
قولت له طب على بركة الله. ادخل شقتها دلوقتي برجلك، وحط إيدك على فرن البوتاجاز بتاعها. لو لقيته بارد ومفيش جواه صينية بطاطس بتغلي ومتحمرة، أنا هاخد شنطة هدومي حالا قدام عيالك وهنزل من البيت ده ومش هتشوف وشي ليوم الدين. لكن لو لقيته شغال وسخن، يبقى انت اللي تقف قدامي وقدام أهلك كلهم وترد لي اعتباري، وتعرف مين اللي بيخرب بيتك ومين اللي صاينه.
الكلمة نزلت على سلفتي زي الصاعقة. وشها بهت وبقت تنقل عينيها بيني وبين جوزي برعب، وصوتها اختفى تماما. جوزي بص لها، وبص لي، ولقى في عيني يقين مخليه ميقدرش يتراجع. خطى خطوة ناحية باب شقتها الموارب، وهي حاولت تقف قدامه وتقول لا يا ابن عمي متسمعلهاش، دي عايزة توقع بينا وتفتش في بيتي في غياب جوزي...
لكن هو
تم نسخ الرابط