رواية كاملة
المحتويات
في المدخل، وبنبرة مايعة وصوت ناعم فجأة
اتأخرتي ليه كده يا حبيبتي؟
بصتلها نادية وغمزت
يلا ادفعيله بالفيزا بتاعتك ودخلي الأكل المطبخ عشان نلحق نغرفه في السرافيس قبل ما يبرد وصاحباتي يوصلوا...
ميّ فضلت واقفة مكانها زي الصنم، عينيها اتحولت من مكنة الفيزا اللي في إيد الولد الدليفري لوش حماتها اللي كان بينضح برود وتبجح مش طبيعي. نادية كانت واقفة وراها مباشرة، حاطة إيد على وسطها والإيد التانية بتعدل بيها خصلة من شعرها المصبوغ، وبتوزع ابتسامات كأنها بتعمل في ميّ جميلة العمر إنها سمحتلها تدفع الحساب.
إيه يا ميّ؟ متنحة كده ليه يا بنتي؟ طلعي الكارت من الشنطة يلا عشان الشاب واقف على السلم والريحة ملت العمارة وصاحباتي على وصول! قالتها نادية بصوت فيه نبرة استعجال فجة، كأنها بتأمر شغالة عندها في البيت.
ميّ لفت وشها ببطء شديد، وبصت في عين حماتها مباشرة، صوتها كان هادي أوي، هدوء يرعب، الهدوء اللي بيسبق الطوفان أدفع منين يا طنط؟
ضحكت نادية ضحكة رقيعة مسموعة وهي بتبص للولد الدليفري كأنها بتهزر منين إيه يا بت بطلي حركاتك دي! من الفيزا بتاعتك يا حبيبتي، هو إحنا غرب؟ إنتي زي بنتي بالظبط والبيت بيتك والأكل ده هناكل منه سوا.. مش وقته الشحاتة دي دلوقتي قدام الغريب، عيب!
في اللحظة دي، فريد حماها طلع من المطبخ وفي إيده خيارة مقرمش نصها، لابس شبشب البيت وبكرشه المدلدل، ومشي ناحية الباب وهو بيشمشم في الهوا زي اللي شم ريحة صيد الله أكبر! إيه ده؟ كباب وكفتة وريش ضاني وطرب؟ والله تسلم إيدك يا نادية يا حبيبتي، ده أنتوا هتهيصوا النهاردة.. افتحي يا ميّ افتحي الشنط خلينا ندوق كفتة المطعم ده بيقولوا عليها حكاية، وادفعي للراجل خليه يتوكل على الله الجو حر على السلم.
ميّ حست بدمها كله بيفور، بس وشها متحركش فيه عصب واحد. بصت للولد الدليفري اللي كان باين عليه الإحراج الشديد وبدأ يبص في الأرض من الموقف، وقالتله بصوت واضح سمعه التلاتة معلش يا كابتن، الأوردر ده مش بتاعي، ومحدش هنا هيدفع مليم من معاه غير اللي طلبه. الحساب مع الست الوالدة اهي، هي اللي عزماك وهي اللي طالبة.
وش نادية جاب ألوان، الابتسامة الصفرا اختفت فجأة وحلت مكانها نظرة شرسة، عينيها ضيقت وقربت خطوة من ميّ ونزلت صوتها لفحيح أفعى إنتي اتجننتي في عقلك يا بت إنتي ولا إيه؟ أنتي هتعمليلي نمرة قدام عيل دليفري على السلم؟ بقولك هاتي الكارت وادفعي، بعدين نبقى نتحاسب، متبقيش فقرية كده وتقطعي بيا قدام صاحباتي!
نتحاسب بعدين؟ ميّ سألتها ببرود وهي بترفع حاجبها نتحاسب زي ما اتحاسبنا على لحمة امبارح اللي كانت تكفيني أسبوع وكلتوها؟ ولا نتحاسب على خضار الأسبوع اللي فات؟ طنط نادية، أنا في حسابي كله 842 جنيه، تمن تلاتة كيلو طماطم وفرخة، انتي طالبة أكل ب 25 ألف جنيه! يعني مرتبي بتاع تلات شهور شقا في المطبعة ووقفة على رجلي بالساعات.. أدفعهم منين؟ أبيع كليتي عشان صاحباتك ياكلوا كباب وطرب على قفايا؟
الكلام نزل زي اللطشة على وش نادية. الشهقة اللي طلعت منها هزت العمارة كلها يا مري! بقى أنا بتعايريني بلقمة كلتها عندك يا شحاتة؟ ده خير ابني! شقة ابني وعفش ابني، جاية تقوليلي لحمة وخضار؟
صوت الزعيق وصل لأوضة النوم جوه. الباب اتفتح، وخرج إسلام وهو بيجر رجليه، لابس التيشيرت المبهوق بتاعه، وشه أصفر وباين عليه الرعب من المواجهة، بس كان مضطر يطلع بعد الفضيحة
اللي بقت على باب الشقة.
في إيه يا جماعة؟ صوتكم واصل لآخر الشارع، عيب كده الجيران هتتفرج علينا! قالها إسلام وهو بيبص لأمه بخوف، ومتحاشي تمامًا يبص في عين ميّ.
نادية أول ما شافته، قلبت الآية في ثانية، عينيها دمعت بمهارة ممثلة قديمة ومسكت في صدرها كأن جالها أزمة قلبية تعالى يا إسلام.. تعالى شوف مراتك بتعمل في أمك إيه! بتهزأني قدام الغريب، وبتقولي بتاكلي أكلنا وطافحة لحمتنا! الست هانم مش راضية تستلم العشا بتاعي وعايزة تصغرني قدام شلتي وصاحباتي اللي زمانهم طالعين على السلم! يرضيك أمك تتبهدل البهدلة دي في بيتك وتحت سقفك؟ يرضيك تصغرني عشان حتة ورقة فيزا؟
فريد دخل في الخط وهو بيزعق ويمضغ بقية الخيارة إيه قلة الأدب دي يا إسلام؟ إنت مش عارف تحكم بيتك ولا إيه يا واد؟ الست هانم صوتها طالع على أمك وعليا عشان أكلنا طبق طبيخ بايت؟ ما تطلع الفيزا بتاعتك يا ابني وادفع للراجل وخلصنا من المسخرة دي!
إسلام بلع ريقه بصعوبة، وشه احمر من الكسوف وبص للأرض يا بابا.. أنا.. أنا الفيزا بتاعتي مفهاش غير ألفين جنيه يدوب مكملين لآخر الشهر.. ممعيش المبلغ ده كله.
نادية بصت لابنها بصدمة، وبعدين لفت وشها لميّ وشرار الغل بيطلع من عينيها يبقى تدفع هي! ما هي بتشتغل وبتقبض وشايلة فلوسها تحت البلاطة، ماهي لو كانت بنت أصول بجد مكنتش خلت جوزها يتحط في الموقف ده! هاتي الكارت يا ميّ وبطلي دلع، الفلوس بتروح وتيجي، إنما كرامة بيتنا قدام الناس متتبعش برخيص!
الولد الدليفري كان بدأ يتململ، بص في ساعته وقال بصوت واطي ومحرج يا جماعة لو سمحتوا، أنا ورايا أوردرات تانية والوقت بيعدي، هتدفعوا ولا ألغي الأوردر وأرجع بيه المطعم؟ بس لو رجعت بيه هيتسجل عليكم بلاك ليست ومش هتعرفوا تطلبوا منه تاني.
نادية صرخت فيه ترجع بمين يا ابني إنت اتجننت؟ تلغي إيه وصاحباتي على السلم! وبصت لميّ بأمر أخير آخر كلام عندي يا ميّ.. هتدفعي ولا هتختاري تخربي بيتك الليلة دي بإيدك؟
ميّ بصت لحماتها بكل هدوء الدنيا، مكنش فيها ذرة خوف ولا تردد. كل التعب والمهانة والشقا اللي شافته في الشهور الأخيرة اتجمع في اللحظة دي وتحول لكتلة من الصوان.
بصت لإسلام، شافت فيه راجل عاجز، مدلدل راسه في الأرض ومستنيها هي اللي تشيل الليلة وتدفع تمن أنانيته وضعف شخصيته قدام أهله عشان يشتري دماغه ويرجع للبلايستيشن بتاعه.
ميّ مدت إيدها في هدوء، ومسكت مقبض الباب.
بصت للدليفري وقالتله بابتسامة خفيفة وواثقة اتفضل يا كابتن، شيل حاجتك وارجع بيها المطعم. مفيش هنا حد هيدفع ربع جنيه، واللي طالب الأوردر مش معاه يحاسب. اتفضل انزل.
إنتي بتطردي نعمة ربنا؟ بتلغي الأوردر من ورايا؟ نادية صرخت وهي بتهجم خطوة لقدام كأنها هتمد إيدها، بس وقفت مكانها لما شافت نظرة ميّ الحادة اللي خلت شعر إيدها يقف.
ميّ مسبتلهاش فرصة تنطق، بصت لنادية وفريد وقالت بصوت مسموع وواضح رج في الصالة كلها والأوردر مش هو بس اللي هينزل يا طنط.. إنتي وعم فريد قدامكم بالظبط دقيقتين، تلموا حاجتكم وشباشبكم وتتفضلوا برة الشقة دي. صاحباتك بتوع الكلية لما يجوا، قابليهم على قهوة المعاشات اللي على أول الشارع، أو خليهم يطلعولك على الروف اللي بتجددوه هناك، يشربوا شاي في العفار والتراب براحتكم.. إنما شقتي، وعرق جبيني، مش مسرح لمظاهرك الكدابة ولا عزوماتك اللي على قفا اللي جابوني!
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. حتى فريد الخيارة وقفت في زوره وفضل يكح،
متابعة القراءة