رواية كاملة
يخص بيت الشجرة والقطعة الأرضية المقامة عليه.. فقد كتبت ل نادية عبد الرحمن حق انتفاع كامل وسكنى طوال حياتها، لا يحق لأحد من الورثة أو غيرهم إخراجها منه أو مطالبتها بأي أجر، وذلك جزاءً وفاقاً لأصلها الطيب وصونها لكرامتي دون أن تنتظر مقابل.
ثالثاً تنتقل ملكية الرقبة للبيت بعد عمر طويل ل نادية إلى جمعية رعاية الأيتام، لتكون صدقة جارية عن روح زوجي المرحوم وعن روحي.
رابعاً تركت ل نادية في دولابي الخاص صندوق الخشب القديم، وفيه طقم الذهبي القديم وساعتي السويسرية، ليكون عوناً لها ولبيتها، لأنها الوحيدة التي لم تطمع في شيء، واستحقت أن تكون ابنتي التي لم أنجبها.
الصدمة كانت أكبر من أي احتمل!
أنشجت بالبكاء ورأسي نزل بين إيديا...
أنا ما كنتش بدفع ال 900 جنيه كل شهر عشان آخد بيت، ولا عشان أكتسب صندوق دهب، ولا عشان يتقال عليا جارة طيبة! أنا كنت بشوف الست العجوز دي زي أمي الله يرحمها، كنت بشوف كرامتها العالية وعفتها اللي بتمنعها تطلب من حد، فكنت بحس إن ده واجبي الإنساني قدام ربنا!
طارق قام وقف فجأة، وصوته كان مليان غل وحقد وجنون
أنا مش هسكت! أنا هرفع قضية بطلان وصية! دي أمي ومفيش حد يرثها غيري! أنتِ ساحرة لها يا نادية؟! عملتِ لها إيه عشان تكتب لك كل حاجة وتكتب حق انتفاع وتدمر مستقبلي ومستقبل ولادي؟!
المحامي وقف بثبات وقفل الملف، وبص لطارق بقلة حيلة وازدرار شديد
طارق... اسمعني كويس جداً ولأول مرة كمحامي عيلتك وكصديق لوالدك المرحوم. لو حاولت ترفع قضية واحدة أو تقرب من الشقة دي أو تضايق مدام نادية، الأوراق اللي معايا في الملف الثاني هتروح النيابة العامة فوراً بتهمة التزوير في محررات رسمية والاستيلاء على أموال ودية بدون وجه حق.
طارق اتلعثم
ملف ثاني؟! ملف إيه؟!
المحامي طلع من شنطته الجلد ملف أحمر ثاني، وقال بنبرة حسم لا تقبل النقاش
والدتك سابتلي أمانة ثانية.. إيصالات الأمانة اللي أنت خليتها توقع عليها وهي مش واخدة بالها تحت مسمى أوراق تجديد رخصة السيارة، والمبالغ اللي حولتها لحساب زوجتك في دبي! كل شيء موثق بالأرقام والتواريخ. والدتك كانت حريصة إنها تتجنب سجنك في حياتها، بس سابت المستندات دي كدرع حماية ل مدام نادية وللجمعية الخيرية عشان ما تفكرش مجرد تفكير إنك تتلاعب بالقانون بعد موتها!
طارق سقط على الكرسي من جديد، وكأنه أكل ضربة قاضية على رأسه.
كان بيتنفس بصعوبة، ونظراته تائهة بين أرضية الصالة وبين الأوراق الرسمية الموثقة بختم النسر.
المحامي الأستاذ سامح التفت ليّ، وابتسم بوقار
مدام نادية... مفاتيح بيت الحاجة فاطمة، وصندوق الخشب القديم، والمستندات الرسمية لحق الانتفاع بقت في حوزتك القانونية بدءاً من اللحظة دي. والجمعية الخيرية هتبدأ تباشر أعمال الإشراف على صيانة البيت الخارجي وشجرة الياسمين بناءً على رغبة الحاجة فاطمة.
أنا رفعت رأسي، ومسحت دموعي وقلت للمحامي بصوت ثابت رغم البكاء
أستاذ سامح... أنا مش هاخد الذهب، ولا عايزة البيت لنفسي. أنا عندي بيتي ومستورة والحمد لله.
طارق رفع رأسه بسرعة بريق أمل زائف في عينيه، لكنني كملت كلامي بكل كبرياء
الذهب والمجوهرات هيروحوا بالكامل لجمعية أطفال السرطان مع أصل الحساب البنكي عشان يتحقق حلم الحاجة فاطمة. وأنا هفضل حارسة على بيت الشجرة وعلى شجرة الياسمين، هرويها كل يوم وهسقي وردها زي ما كانت بتعمل بالضبط، وهيفضل البيت مفتوح لأي حد محتاج أو غريب، لحد ما ييجي اليوم اللي ربنا يجمعني بيها وأسرد لها إن الأمانة صانتها إيد أمينة.
المحامي بص لي بإعجاب شديد وهز رأسه باحترام
ونِعم الأصل والمعدن يا مدام نادية.. الحاجة فاطمة ما أخطأتش أبداً في اختيارها.
ثم التفت لطارق وقال له بلهجة حادة
اتفضل يا طارق... أظن مالكش أي تواجد هنا بعد النهاردة. ولو حاولت تظهر في الشارع ده تاني، التقرير المالي هيروح للنيابة فوراً.
خرج طارق من الشقة وهو بيسحب رجليه بالعافية، يجر أذيال الخيبة والعار والندم، بعد ما اكتشف إن الجشع والأنانية طيروا منه كل حاجة أمه، وماله، وبيته، وحتى ذكراه الشريفة في عيون الناس.
تمر الأيام والشهور...
وبقى الشارع القديم أهدى وأجمل.
كل يوم الصبح، بخرج من باب بيتي، وبفتح باب بيت الحاجة فاطمة.
بمسك خرطوم المية، وبروي شجرة الياسمين الكبيرة اللي على الباب، المية بتجري على درجات السلم الحجرية القديمة، وريحة الياسمين بتملأ الشارع كله وتوصل لحد آخر الحارة.
الناس اللي معدية بقوا يقفوا ويسلموا عليّ ويقولوا الله يرحمك يا حاجة فاطمة... سيبتي بنتك وصاينه أمانتك.
كنت ببتسم وببص للسماء الصافية، وأنا بحس بالرضا والأمان يملأ قلبي.
عرفت وقتها إن الجنيه اللي بتدفعه في السر بنية صافية عشان تصون كرامة إنسان... ربنا بيرده لك أضعاف مضاعفة سكن، وراحة بال، وحماية، وحبة خلق، وأثر طيب يفضل عايش في الدنيا بعد ما تفارقها بطول العمر.