كرامة في مهب الريح حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

كنت حابساها بتنزل زي الشلال. أول ما مسكته حسيت بالأمان اللي كان مفقود في البيت ده من أول لحظة دخلته عمر.. عاوزين يطردوني ومامت أحمد خدت مفتاح الشقة بالعافية وكسرت تليفوني وهددتني تجيبلي الرجالة، وجوزي واقف بيتفرج!
عمر شدني وراه في ضهره بحركة سريعة، وبص لأحمد اللي كان متسمر مكانه وشه أصفر زي الليمونة. عمر بص لحمايا وحماتي وإخوات أحمد اللي اتجمعوا قصاده، وقال بصوت فحيحه يرعب بقى دي الأمانة اللي اتفقتوا عليها معانا يا حاج محروس؟ عشر أيام بس على فرح بنتنا، وجايبين عيالكم وعصيانكم تسترجلوا على ولية في غياب أهلها؟! انتوا فاكرينها مقطوعة من شجرة ولا إيه؟!
حمايا، الحاج محروس، حاول يلم الموقف ويستعيد هيبته، اتنحنح ورفع عصايته شوية وقال بنبرة عايز يبينها هادية بس الارتباك كان باين فيها اهدى يا ابني وصلي على النبي، الصوت العالي مبيحلش، انت دخلت زي القضا كده من غير ما تفهم الحكاية، أختك غلطت في أمها الكبيرة، وقالت كلام ميتسكتش عليه، وإحنا هنا في بيتنا ولينا أصول وقواعد.
عمر ضحك ضحكة استهزاء عالية رنت في بير السلم، وقرب خطوة لقدام أصول؟ انتوا تعرفوا الأصول أصلاً؟! الأصول إن الست الهانم دي تمد إيدها وتاخد مفتاح شقة مستقلة اتكتبت في قايمة وجهاز على حسابنا؟ الأصول إنها تكسر تليفون بنتنا عشان متستنجدش بأهلها؟ فين الراجل اللي أنا سلمته أختي بإيدي وقولتله دي لحمي ودمي؟!
عينه وقعت على أحمد، اللي كان مستخبي حرفياً ورا كتف أخوه الكبير طارق. عمر شاور عليه بصباعه انطق يا أحمد! اطلع هنا وقولي.. هي دي الرجولة اللي وعدتني بيها؟ هي دي الأمانة اللي قولتلي هشيلها في عيني؟ سايب أمك وإخواتك ملمومين على مراتك وواقف تفرك في إيدك؟!
أحمد اتلعثم، ريقه نشف، وحاول يخرج صوته يا عمر.. انت مش فاهم، هي ندى كبّرت الموضوع، الموضوع كله مفتاح كنا سايبينه مع أمي عشان تطمن، وندى صممت تعمل أزمة قصاد الناس..
قاطعه مصطفى، ابن عمي، بصوت جهوري وهو بيقرب خطوة مفتاح إيه اللي تطمن بيه يا خفيف؟! انت متجوز عيلة صغيرة؟ ولا بيتك زريبة كل اللي رايح واللي جاي يدخله بمزاجه؟! انت لو راجل مكنتش سمحت لأمك تمد إيدها على كرامة بيتك، ده انت قفاك بقى ملطشة قدام العمارة كلها!
طارق، أخو أحمد الكبير، حس بالإهانة، فحاول يتدخل وصوته علي الزم حدودك يا جدع انت! انت في بيتنا وفي منطقتنا، متتكلمش كده مع إخواتي بدل ما تشوف وش مش هيعجبك!
عمر في لمح البصر كان في وش طارق، حط صدره في صدره وعينه في عينه، وقاله بنبرة تقطع عرق وتسيل دم وريني الوش اللي مش هيعجبني يا طارق.. جرب كده تمد صباع واحد أو تعلي صوتك تاني! احنا مش جايين نتخانق في الشوارع، إحنا جايين ناخد حق بنتنا وكرامتها، بس وعهد الله لو راجل فيكم فكر يلمس شعرة منها ولا مننا، هننزلكم كلكم على نقالات والشارع كله يشهد!
الجو كان مشحون بدرجة خلت عم حسين الجار العجوز يدخل في النص بخوف حقيقي، رفع إيديه الاتنين وقال استهدوا بالله يا رجالة! يا حاج محروس اعقل، يا بني صلوا على رسول الله، دي بيوت بتتبني مش بتتهد، احنا جيران وعيب الكلام ده يدخل فيه الشرطة وتتبهدلوا كلكم!
حماتي، اللي كانت مراقبة المشهد وشايفة كفة الميزان بتطبطب على دماغ عيالها، صرخت فجأة بنبرة كلها غل ولا شرطة ولا غيره! إحنا مش هنتبهدل عشان واحدة ما تسواش! شيلوا بنتكم من هنا واطلعوا برة، مش عايزينها، بنتك دي ملهاش عيش في وسطنا، روحي يا شيخة وانتي طالق بالتلاتة على إيد ابني!
السكون نزل على المكان فجأة، الكلمة اتقالت من بق حماتي، بس عمر مبصلهاش هي، لف وشه وبص لأحمد بكل احتقار، وقاله ببطء وبرود يخلع القلب هي اللي بتطلقك يا أحمد؟ أمك هي اللي بتطلق مراتك كمان؟! قولي انت.. انت معاها في اللي قالته ده؟ ده كلامك ولا كلام الحجر اللي انت ساكن تحته؟
أحمد كان باصص لأمه بنظرة عجز مريعة، وباصص ليا. أنا للحظة، للحظة واحدة بس، كنت مستنية أشوف هل فيه ذرة نخوة متبقية جواه؟ هل ممكن في اللحظة الحاسمة دي ينتفض ويقول لأ، ويقول دي مراتي وبيتي؟ بس الواقع دايماً بيصدمنا بالحقايق العارية؛ أحمد وطى راسه في الأرض، وقال بصوت واطي ومتردد طالما هي مش محترمة أهلي ومش راضية بالأصول بتاعتنا.. يبقى كل واحد يروح لحاله، أنا مقدرش أزعل أمي عشان واحدة لسه داخلة حياتي من عشر أيام.
الكلمة دي، بالرغم من قسوتها، إلا إنها

كانت زي المية الباردة اللي طفت أي حزن أو تردد كان باقي جوايا. حسيت فجأة بوجع غريب بيتحول لقوة، كأن غشاوة سودا اتشالت من على عيني. بصيت لأحمد بابتسامة سخرية، ابتسامة كلها شفقة على بني آدم معندوش حتى شجاعة إنه يكون صاحب قراره.
عمر مد إيده ومسكني من كتفي بحنية وقال متزعليش يا ندى.. ربنا نجدك من البير ده في أوله، العيب مكنش فيكي، العيب كان في اختيارنا لواحد طلع مش أد التوب اللي لبسه.
عمر لف وشه ووجه كلامه للحاج محروس بصوت واثق وصارم اسمع يا حاج محروس، واسمع انت يا أحمد.. بنتنا مش هتقعد هنا ثانية واحدة، والجوازة دي انتهت، بس عشان تبقوا عارفين، القايمة اللي انت ماضي عليها بتمانية مليون جنيه، والدهب اللي اتوزن واتسجل في القايمة، ومؤخر الصداق.. كل مليم فيهم هيرجع بالمليم ومن بكرة الصبح!
حماتي شهقت ورجعت لورا تمانية مليون إيه؟! دهب إيه؟! انتوا جايين تنصبوا علينا؟! دي ملحقتش تقعد! ده كله عفش ابني هو اللي دافع فيه!
مصطفى طلع من جيبه ورقة مطوية، وصورة إيصالات على تليفونه وقال ببرود لأ يا حاجة، أحمد ماضي وموقع، والورق في المحكمة بيعرف أصحابه. وندى مش هتخرج من هنا بهدومها دي بس، المفتاح اللي انتي خطفتيه من جيبه ده؟ هاتيه هنا حالا!
حماتي كرمشت المفاتيح في إيدها وصرخت والله ما أنا مديالكم حاجة! مش هتاخدوا قشاية من الشقة!
عمر مسك تليفونه، وبكل هدوء داس على زرار الاتصال وهو باصص لعم حسين الو، نجدة الشرطة؟ أنا في شارع كذا عمارة رقم كذا، فيه ناس محتجزين أختي ومستولين على حاجتها ودهبها وشقتها بالقوة وكسروا تليفونها ورفضوا يسلموا المفاتيح ومعايا شهود عيان من سكان العمارة..
حمايا الحاج محروس أول ما سمع كلمة نجدة الشرطة، وشه بقى بلون التراب. هو راجل تاجر وعنده محلات وسمعته في السوق وفي المنطقة تسوى ملايين، ودخول البوكس الشارع وخروج بنته للقسم فضيحة هتمسح هيبته في الأرض. جري حمايا وخطف المفاتيح من إيد مراته بالعافية، وهي بتزعق وتقوله سيب المفاتيح يا محروس!، راح زاققها على جنب، ومد إيده بالمفاتيح لعمر اقفل تليفونك يا عمر، ملوش لزوم الحكومة والفضايح، ادي المفتاح أهو.
عمر خد المفتاح بكل كبرياء، ومدهولي في إيدي افتحي بابك يا ندى.. خشي هاتي شنطة هدومك، ودهبك كله، وكل ورقة تخصك وتخص كرامتك. مصطفى وحسام هيدخلوا معاكي
يشيلوا الشنط، ومحدش من دول يخطو عتبة الباب دي لحد ما تخرجي.
دخلت الشقة.. كانت هادية وساكنة، وريحة البخور اللي ولعتها الصبح لسه مالية المكان، بس فجأة حسيت إن الشقة دي بقت غريبة عني، مش بيتي ولا عمري كنت هعرف أعيش فيها مرتاحة. روحت على أوضة النوم، فتحت الدولاب وطلعت علبة دهبي كلها، وحطيتها في شنطتي، وفتحت الأدراج لميت كل أوراقي الرسمية، شهادة ميلادي، قسيمة الجواز المؤقتة، وكل متعلقاتي الشخصية، ولميت هدومي الأساسية في شنطة سفر كبيرة بمساعدة ولاد عمي.
وأنا خارجة من باب الشقة، التفتت وبصيت للمكان نظرة أخيرة.. مكنش فيه أي دمعة، كان فيه راحة نفسية عجيبة، راحة الشخص اللي اكتشف لغم تحت رجليه قبل ما يدوس عليه وينفجر فيه العمر كله.
خرجت وقفت في الصالة، وقفلت الباب ورايا بالمفتاح تكّة واتنين. بصيت لأحمد، كان ساند ضهره ع الحيطة ومطاطي راسه، شكله كان يوجع القلب من قلة الحيلة. قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه وقولتله بصوت واطي سمعه هو بس انت خسرت واحدة كانت مستعدة تقف قدام الدنيا كلها عشانك، بس انت اخترت تعيش عيل.. والعيل ميعرفش يفتح بيت ولا يستاهل يشيل اسم راجل.
حماتي كانت بتبصلي بغل وهي شايفة الدهب والشنطة في إيدينا، وكانت هتنطق، بس حمايا مسكها من كتفها وضغط عليه عشان تسكت، بعد ما عرف إن اللعبة خلاص باظت، وإن الحساب اللي جاي في المحاكم هيكون تقيل وموجع.
عمر حط المفتاح في جيبه وبص لحمايا وقال بنبرة قاطعة الشقة دي مقفولة ومحدش هيدخلها، وكل العفش والأجهزة هتنزل بإذن من النيابة وبمحضر تسليم رسمي، وأحمد ابنك.. يقابلنا في المحكمة عشان يطلق رسمي، ويشوف هيدفع إيه تمن قلة الأصول اللي عملها هو وأمه.
نزلنا على السلم، خطوة بخطوة، ورأسي مرفوعة للسما. ورايا أخويا وولاد عمي، سند وضهر حقيقي ميتعوضش. أول ما خرجت من بوابة العمارة وشميت هوا الشارع، حسيت لأول مرة من عشر أيام إني بتنفس بجد.
ركبت العربية جنب أخويا، وعمر دور الماتور ومشينا. بصيت من الشباك على شبابيك الدور الرابع، شوفت الستارة بتتحرك وحد واقف وراها بيبص.. بس المرة دي، النظرة مكنتش بتخوفني، كانت نظرة هزيمة ليهم، ونصر لكرامتي اللي رفضت أساوم عليها من أول دقيقة. مسكت إيد عمر، وقولتله يلا يا عمر.. وديني عند أمي.
تمت بحمد الله. بقلم مني السيد 
درس مهم جداً الكرامة والوضوح في أول الطريق، بيوفروا وجع سنين من التنازلات.

تم نسخ الرابط