رواية كاملة
المحتويات
صفاء كانت حابسة مرات أخوها الشرعية وعيلها فوق السطوح طول يوم الحنة! عشان كده لما مسكت الصينية، عينيها راحت لفوق، وكانت بتموت من الرعب إني أطلع أو أسمع صوت حركة. صفاء حرمت بناتي من اللقمة في فرح عمهم، وخلتني أطبخ مكرونة مسلوقة بمية وملح لعيالي، عشان تستر على وساخة أخوها وتأمن إنه الفرح يعدي والصفقة تتم! أصل عروسة سلفي أبوها مقاول تقيل، وجايباله شقة تمليك وعربية وعيادة يفتحها، والجوازة دي لو باظت، العيلة كلها هتتفضح وهتفلس.
القاعة اتقلبت حلبة مصارعة. أبو العروسة هجم على سلفي وهو واقع على الأرض، وجوزي مسك في أبو العروسة عشان يحوش، وإخوات العروسة كسروا كراسي وترابيزات، والناس بتجري تدوس على بعضها عشان تخرج من الباب الصغير. صوت التكسير والصريخ وعياط الأطفال ملا القاعة بريحة الخراب.
جوزي لمحني وأنا متكومة على بناتي في الزاوية، جه بيجري عليا، بدلة الفرح بتاعته مقطوعة من الكتف وعرقه نازل شلالات، وشه أحمر من الغضب والكسرة خدي البنات وامشي! خدي البنات واطلعي على البيت فورًا، متقفيش هنا ثانية واحدة! بصيت في عينه وقولتله بصوت جامد ماعرفش طلع مني إزاي وأختك؟ بصلي بذهول وهو مش مستوعب سؤالي وسط الجحيم ده أختي إيه دلوقتي يا ولية؟ اطلعي برة القاعة المكان هيتولع فيه!
شدت بناتي وقومت، جريت وسط الزحام، الطرحة كانت بتتشد من على راسي من تدافع الناس، وبنتي الصغيرة كوتشيها ضاع في السكة، بس ما وقفتش. عيني كانت على الباب، وطلعت للشارع والهوا البارد لطش في وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد.
روحت البيت مشي، المسافة بين القاعة والبيت كانت ربع ساعة، مشيتها في خمس دقائق. طلعت السلم وبناتي بيترعشوا، دخلتهم الشقة وقفلت الباب بالترباس، وقعدتهم في الصالة. اقعدوا هنا، محدش يتحرك ولا يفتح الباب لحد.
ما دخلتش مطبخي، ولا غيرت فستاني المتبهدل. طلعت مفتاح كان جوزي ناسيه على الجزامة، مفتاح السطوح اللي كان مع صفاء دايمًا. رجليا قادتني لوحدها، طلعت السلم بخطوات تقيلة، كل درجة بطلعها كانت بتفكرني بذلي الصبح وأنا شايلة الصينية وبترجاها عشان أطعم عيالي من دبيحة بيت حمايا. وصلت لباب السطوح، كان موارب، الزرفيل مكسور، والقفل القديم مرمي في الأرض، باين إن الست لما هربت بالعيل كسرت القفل بحتة حديدة كانت جنب الباب بعد ما إخواتها وصلوا ودلوها على المكان.
دخلت أوضة الغسيل. ريحة المكان كانت تخنق. بطانية قديمة مفروشة على الأرض، وقزازة مية بلاستيك فاضية، وعليها بقايا عيش ناشف... وجنبها طبق مكرونة متغطي بكيس! قربت من الطبق، وشيلت الكيس ببطء. المكرونة اللي أنا عملتها لبناتي لما نزلت لقيت التلاجة فاضية! صفاء ما اكتفتش بإنها منعتني من أكل الدبيحة، دي طلعت بعد ما دخلت شقتي، خدت حلة المكرونة اللي فضلت مني وطلعتها للمسكينة دي عشان تسكت عيلها وميصرخش ويفضحهم قبل الليلة ما تتم!
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس ماكانتش دموع حزن، كانت دموع قهر بيتحول لبركان. الست الغلبانة دي وعيلها اتحبسوا هنا وهي مراته في السر على سنة الله ورسوله، وبناتي اتجوعوا عشان المظاهر، وأنا اتهنت واتقالي مينفعش عشان أخت جوزي تدير مسرحية قذرة لأخوها وتخليه يغش بنت تانية.
سمعت صوت عربيات بتقف تحت البيت وصوت خبط بيبان بعنف. نزلت بسرعة لشقتي ووقفت ورا باب الشباك اللي بيبص على الشارع. كانت عربية
جوزي، ومعاه سلفي وشه متخرشم والبدلة متبهدلة تراب، ومعاهم حمايا اللي كان ساند على عكازه وهو بيبكي بكا يقطع القلب، راجل عنده سبعين سنة بيشوف شرفه وشرف عيلته بيتمسح بيه الأرض في نص البلد. وراهم على طول، نزلت صفاء من تاكسي لوحدها، بتتلفت حواليها زي الحرامية، ولابسة عبايتها فوق فستان الفرح وشعرها منكوش.
طلعوا كلهم على شقة حمايا في الدور الأول. خلال دقايق، صوت الزعيق كان بيسمع في الشارع كله. صوت تكسير، وأبوهم بيصرخ ضيعتونا! سودت وشنا قدام الناس! المقاول حلف بالطلاق إنه هيحبسك ويسجنك، ودافعين دم قلبنا في الفرح عشان تطلع متجوز في السر ومخلف ومخبي على الناس؟ وصوت سلفي وهو بيرد برعب وعياط كنت هصرف نفسي يا بابا! الجوازة كانت رسمي ومحدش يعرفها غير صفاء، وكنت ناوي أطلقها وأديها حقوقها بس هي مسكت في خناقي وجاتلي يوم الحنة، وصفاء قالتلي سيبيها عليا أهديها وأحطها فوق السطوح لحد ما الفرح يخلص! وهنا طلع صوت صفاء، صوتها الحاد اللي كان من ساعات بيكسر فيا وأنا عملت إيه يعني؟ أنا كنت بلحق بيتك وشرفك! حبستها فوق السطوح ووعدتها إنك بعد الفرح هتسجل الواد رسمي وتديلها قرشين وشقة باسمها عشان تسكت! مين اللي فتحلها الباب وخلاها تهرب وتروح تفضحنا في نص القاعة؟
الكلام كان واضح ونقي زي مية الصبح. صفاء وسلفي الصغير كانوا متفقين على المصيبة دي من أولها، وكانوا بيتعاملوا مع البيت كله كأنه ملكهم وأسرارهم هي اللي تتحكم في مصير الكل.
الباب عندي خبط خبطة مرعوبة. فتحت، لقيت جوزي واقف في وشي. عينيه كانت حمرا من كتر الغيظ والعجز، بصلي وقال سامعة المهزلة اللي تحت؟ ما رديتش، بصيتله ببرود وسبت الباب مفتوح ودخلت قعدت. دخل ورايا وقفل الباب وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه فضيحة... فضيحة هتوصل للقسم والنيابة، أهل مراته الأولى جايبين الشرطة وقسيمة الجواز، والمقاول باعت رجالة يكسروا العمارة، وإحنا مش عارفين نعمل إيه. قولتله بهدوء غريب وأختك صفاء عملت إيه في الوعد اللي وعدته لمرات أخوك؟ رفع راسه وبصلي بصدمة إنتِ عرفتي منين حكاية مرات أخويا؟ ابتسمت ابتسامة صفرا، نفس الابتسامة اللي ابتسمتها لأخته يوم الحنة عرفت لما شفت بقايا الأكل فوق السطوح، ولما فهمت ليه بناتي باتوا جعانين، وليه اتقالي مينفعش تاخدي أكل لعيالك... أصل أختك كانت بتوفر أكل الفرح للمساجين اللي حابساهم فوق راسي وأنا مش دريانة!
جوزي بلع ريقه، ملامحه اتغيرت وبدأ يحس بحجم المصيبة اللي دخلت بيتنا أنتي قصدك إن صفاء كانت حابسة الست وابنها فوق السطوح؟ في بيتي أنا؟ أيوة، في بيتك، فوق شقة مراتك وعيالك، عشان تداري على جوازة أخوك في السر. ودلوقتي أهل العروسة التانية مش هيسيبوا حد، ومراته الشرعية معاها ورق رسمي ومقيداه بيه، والمقاول مش هيسيب راجل في البيت ده سليم.
وقبل ما جوزي يلحق ينطق، صوت صرخة تانية رنت في عمارة البيت، بس المرة دي كانت صرخة صفاء نفسها من تحت! صوت جري ورزع على السلالم، وحد بيضرب على باب شقة حمايا بعنف يهد العمارة. جرينا أنا وجوزي على الباب وبصينا من بير السلم. كانوا أربع رجالة ضخام جداً، ومعاهم أمين شرطة وإخوات مراته اللي في السر، وصوت راجل منهم كان بيهدر افتحوا الباب! النيابة طلبت الباشا بتهمة التعدي وحبس حرية ست وابنها، والهانم الكبيرة اللي حبستها فوق السطوح دي مطلوب القبض عليها بالاسم!
صفاء كانت بتصرخ وهي مستخبية ورا أبوها، بس النظرة اللي كانت في عيون الرجالة والشرطة كانت بتقول إن الليلة مش هتعدي على خير، وإن الفضيحة كانت مجرد البداية، وباب
متابعة القراءة