رواية كاملة

لمحة نيوز

 

ـ عشان في حاجة بتحصل لهم قبل النوم.

اتجمدت.

ـ حاجة إيه؟

كريمة بصت حوالينها.

وبعدين همست:

ـ حد بيديهم نقط في اللبن عشان يناموا بالساعات.

حسيت إن دماغي وقفت.

ـ إنتِ بتقولي إيه؟

ـ أنا شفت الزجاجة.

داليا دخلت فجأة:

ـ كفاية كذب!

كريمة بصتلي وقالت:

ـ أنا حاولت أقول لك من أول أسبوع.

داليا صرخت:

ـ اطلعي بره!

لكن كريمة ما تحركتش.

قالتلي:

ـ افتح كاميرات المطبخ يا فندم.

داليا اتوترت لأول مرة.

ـ الكاميرات مش شغالة.

بصيت لها.

ـ من إمتى؟

ما ردتش.

كريمة أخذت شنطتها.

وهي ماشية وقفت عند باب المطبخ.

بصتلي وقالت:

ـ أنا مش خايفة على شغلي.

ـ أمال؟

قالت:

ـ أنا خايفة على الولدين.

وبعدين قربت مني وهمست:

ـ لو اتجوزت داليا، آدم وآسر مش هيبقوا مجرد أولادك… هي عندها خطة تخلص بيهم من حياتها تمامًا.

صرخت:

ـ إيه الخطة؟

لكنها كانت خرجت.

جريت وراها.

ما لقيتهاش.

رجعت المطبخ، وأنا مش عارف أصدق مين.

فتحت دولاب الدقيق.

ما أعرفش ليه.

يمكن لأني افتكرت إنها كانت واقفة قدامه قبل ما تمشي.

لقيت كيس دقيق مفتوح.

وجواه كارت ميموري صغير ملفوف في كيس بلاستيك.

مسكته.

دخلت على الكمبيوتر.

أول ملف كان فيديو من كاميرا المطبخ.

التاريخ كان من أسبوعين.

ظهر فيه داليا.

كانت واقفة قدام زجاجة لبن.

وبتحط فيها نقط من زجاجة صغيرة.

وبعدين دخلت أوضة الولدين.

الفيديو اللي بعده…

كان أسوأ.

لكن أكتر حاجة خلت إيدي تترعش، إن التسجيل الصوتي كان شغال.

وسمعت صوت داليا وهي بتقول لواحدة كانت واقفة معاها:

ـ لما أتجوزه، مش عايزة أعيش طول عمري مربوطة بالاتنين دول.

الصوت الآخر سأل:

ـ هتعملي إيه؟

داليا ردت:

ـ أبوهم لوحده هيصدق أي حاجة أقولهاله… والولدين أصلًا كل يوم بيناموا أكتر.

وقفت التسجيل.

قلبي كان هيقف.

لكن الملف الأخير كان بتاريخ قبل وفاة هند، أم الولدين بأسبوع واحد.

فتحته.

وسمعت صوت هند.

كانت بتبكي.

وقالت جملة واحدة:

ـ لو جرالي حاجة… خلي بالكم من داليا.

وبعدين انتهى التسجيل.

بصيت للتاريخ.

وبعدين بصيت لصورة هند المعلقة في الصالة.

لأن داليا كانت وقتها بتقول لنا كلنا إن هند ماتت بسبب مضاعفات الولادة.

لكن التسجيل كان مسجل قبل الولادة بأسبوع.

يعني هند كانت خايفة من داليا وهي لسه عايشة.

وساعتها فهمت إن وفاة هند…

يمكن ما يكونش مجرد مضاعفات ولادة زي ما كلنا صدقنا.

الصمت النزل على المكتب كان تقيل زي الجبل. صوت هند المكتوم وهو بيترجى في التسجيل، والتاريخ المكتوب قبل ولادتها بأسبوع، خلوا عقلي يتوقف عن التفكير لثواني. الهند اللي دخلت العمليات وهي خايفة، والشركة اللي داليا بقت مسؤولة عن العلاقات العامة فيها بالسرعة دي، والنقط المخدرة اللي بتحطها لآدم وآسر في اللبن... كل الخيوط كانت بتتوصل ببعض في صورة مرعبة.
مسكت الموبايل وكارت الميموري ببرود تام، ومسحت دموعي اللي نزلت من غير ما أحس. خرجت من المكتب بخطوات بطيئة وحاسمة، وكانت داليا واقفة في الصالة بتشرب القهوة ومستريحة بعد ما افتكرت إنها طردت كريمة وخبيّت أثرها.
داليا بصت لي بابتسامة متصنعة:
— شفت يا حبيبي؟ قلت لك المربية دي كانت ناويالك على شر، الحمد لله إننا مشيناها.
أنا مشيت ناحيتها، وقفت قدامها وعيني في عينها مباشرة. مسكت إيدها ببطء وقلت بصوت هادي جدًا:
— داليا... أنتِ بتحبي الولاد صح؟
ابتسمت وقالت:
— طبعًا يا حبيبي، دول ولاد هند الله يرحمها ومسؤوليتي.
طلعت كارت الميموري وحطيته في إيدها، وفتحت الموبايل وشغّلت التسجيل الصوتي قدام وشها في نفس اللحظة.
أول ما صوت هند خرج من السماعة، وصوت داليا وهي بتقول: «أبوهم لوحده هيصدق أي حاجة أقولهاله... والولدين أصلًا كل يوم بيناموا أكتر»، الابتسامة اختفت من وش داليا فورًا، والقهوة وقعت من إيدها واتكسرت على الأرض.
وشها بقى أصفر زي الميت، وتراجعت لورا برعب:
— خالد... أنت... أنت جبت الكلام ده منين؟! ده كدب وتزوير!
صرخت فيها بصوت هز أركان الفيلا كلها:
— ده مش كدب يا داليا! النقط المخدرة اللي كنتِ بتحطيها لأولادي عشان تنيميهم بالساعات وتخليهم يضعفوا وتهمتي المربيات، كانت بداية الخطة! بس التسجيل ده... صوت هند وهي خايفة منك قبل ما تموت بأسبوع... إيه قصته يا داليا؟! عملتي إيه في هند يوم الولادة؟!
داليا بدأت ترتعش وتصرخ بارتباك:
— أنا ما عملتش حاجة! هند هي اللي جالتها الأزمة القلبية في أوضة العمليات!
في اللحظة دي، دخل حسام، حارس أمن الفيلا، ومعه اثنين من رجال الشرطة اللي اتصلت بيهم قبل ما أخرج من المكتب فورًا بناءً على التقرير المبدئي والتسجيلات.
الضابط قرب من داليا وقال بحسم:
— مدام داليا... حضرتك مقبوض عليكِ بتهم الشروع في القتل العمد للأطفال عن طريق مادت مخدرة حظرة، وإعادة فتح تحقيق طارئ في وفاة المرحومة هند بناءً على البلاغ والأدلة الجديدة!
داليا انهارت وبكت وصرخت وهي بتتسحب في الكلبشات بره الفيلا، وفضحت نفسها وهي بتتكلم برعب: «أنا كنت بحبك أنت يا خالد! هند هي اللي أخدتك مني وكان لازم أخد مكانها وأخلص من ولادها!».
بعد ساعتين...
كنت قاعد في مستشفى الأطفال، والدكاترة بيعملوا الفحوصات والتحاليل الطبية لآدم وآسر.
الدكتور خرج وابتسم ببراحة:
— الحمد لله يا خالد بيه... الجرعات المهدئة اللي كانت بتتقدم لهم كانت بجرعات بسيطة لكن مستمرة، ولحقناهم في الوقت المناسب قبل ما تؤثر على وظائف المخ أو الكبد. التسمم خرج من جسمهم وهيبقوا زي الفل خلال أيام.
وفي اللحظة دي، افتكرت كريمة... البنت الشريفة اللي اتظلمت، واللي لولا شجاعتها وكارت الميموري اللي سابته في علبة الدقيق، كنت خسرت ولادي وربما حياتي مع القاتلة دي.
أخدت عربيتي وسافرت فورًا للقرية الصغيرة في المنوفية.
وصلت قدام بيتها البسيط، ولقيت كريمة واقفة مع أمها ورجل جوز أمها المريض. أول ما كريمة شافتني، اتخضت وقالت:
— خالد بيه؟! خير يا فندم؟ الولاد جرالهم حاجة؟!
نزلت من العربية، وقربت منها ومسكت إيدها المرتعشة بكل امتنان واحترام:
— الولاد بخير يا كريمة... وأنا جاي هنا عشان أعتذر لك قدام أهلك وأطلب منك المساعدة.
حكيت لها ولكريمة وأهلها كل اللي حصل، عن النيابة، وداليا، وكارت الميموري اللي أنقذ العيلة كلها.
كريمة عينيها دمعت من التؤثر والارتياح:
— الحمد لله إن ربنا كشفها والأولاد بقوا بخير.
قلت لها بثبات وتقدير:
— كريمة... أنتِ مش بس أنقذتي ولادي، أنتِ صنتي أمانة هند الله يرحمها. أنا متكفل بكل مصاريف علاج وعملية والدك في أكبر مستشفى بالقاهرة، وأتمنى تقبلي ترجعي معايا الفيلا مش كم مربية... لكن كـ المشرفة الأولى والمسؤولة الكاملة عن البيت ورعاية التوأم بمرتب ومكانة تحفظ كرامتك.
بعد مرور سنة كاملة...
في حديقة الفيلا الكبيرة.
آدم وآسر كانوا بيجروا على رجليهم وبيضحكوا بصوت عالي، صحتهم ممتازة ووجوههم وردية وجميلة.
كريمة كانت قاعدة معاهم بتلعبهم وتضحك بصفاء، وأنا واقف بصلهم من البلكونة وبشرب القهوة وببتسم براحة بال.
الشرطة أثبتت بالتنسيق مع الطبيب المتواطئ في المستشفى إن داليا تبادلت العقاقير المهدئة والمنشطة لهند قبل ولادتها بأيام، مما تسبب في توقف قلبها، وأخدت حكم بالسجن المؤبد هي والطبيب المشترك.
نزلِت الجنينة وقعدت جنب كريمة والولاد، وآدم وآسر جرو عليّ وهم بيكرروا كلمة: «بابا... بابا».
بصيت لكريمة وقلت بامتنان وصفي:
— الفضل بعد ربنا يرجع ليكي يا كريمة... إنتِ اللي رجعتي الروح والضحكة للبيت ده.
ابتسمت كريمة برقة ورضا، وعشنا جميعًا في عز وأمان وحب، ورأسي مرفوعة بفضل حماية ربنا ولادي، وعرفت إن الحق دايمًا بيرجع لأ صاحبه، وأن الإخلاص والنية الصافية هما السند الحقيقي في الحياة.
تمت

تم نسخ الرابط