رواية كاملة
اتأجلت!.. وجاية أقولك كلمتين مكنش ينفع يتقالوا في التليفون.
حماتي برقت عينيها، ومسكت مقبض الباب جامد، وقالت بصوت واطي ومليان غيظ
انتي جاية تعمليلي فيها نمرة ولا إيه؟ اتفضلي اطلعي برة بيتي، مش ناقصة وجع دماغ وشحاتة كرامة!
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وطلعت تليفوني من شنطتي، وفتحت التسجيل الصوتي اللي كنت مخبياه، وقربته من ودنها.. الصوت اللي طلع من التليفون خلا وش حماتي يصفر تماماً، وتترعش شفايفها، وإيدها اللي كانت ماسكة الباب تسيب وتهبط جنبها في ثواني، كأنها شافت شبح واقف قدامها بيهدد إنه يهد البيت كله فوق نفوخها ويفركش الجوازة دي قبل ما تبدأ! يتبع
الفصل الثالث والأخير يوم الحساب ورد الاعتبار
الصوت اللي طلع من تليفوني مكنش أي صوت.. كان صوتها هي بذات نفسها، بس مش وهي بتكلمني، لأ.. ده كان تسجيل مكالمة قديمة جداً بينها وبين أختها الكبيرة، كانت بتفضفض فيها وتفرش ملاية العيلة كلها، وبتقول بلسانها على أهل العروسة الجديدة اللي خطبوها لسلفي كلام يوديها في ستين داهية!
كانت بتقول بنص العبارة وبصوتها الواضح زي الشمس أهل البت طماعين وجعانين، وإحنا مش هنكتب مؤخر كبير، وهنخليهم يمضوا على قايمة باللي جابوه بس، وإحنا مسيطرين على الواد، والبت بكره أدخلها الطاعة وأكسر عينها هي وأمها، ده إحنا واخدينهم بس عشان قرشين معاهم ومصلحة أبوها في الشهر العقاري تمشينا!
التسجيل ده كان عندي بالصدفة من شهور، يوم ما كانت قاعدة عندي وتليفونها علّق على خاصية تسجيل المكالمات التلقائي وبعتتلي ملفات بالغلط وقالتلي امسحي الهري ده يا فوزية مش فاهماه، وكنت نسياه على كارت الميموري لحد ما الشيطان فكرني بيه وسط ناري وغيظي!
حماتي لسانها اتبلع جوة حلقها، عينيها وسعت برعب حقيقي، وشها اللي كان أحمر ومزهزه اتقلب رماد، وإيدها اللي كانت في وسطها نزلت بتترعش جنبها. حاولت تمد إيدها تخطف التليفون، بس كنت أسرع منها، رجعت خطوة لورا وحطيت التليفون في شنطتي وقفلت السوستة بمنتهى الهدوء والبرود.
إيه رأيك يا ماما؟ الصوت واضح ولا نقرب السماعة شوية؟ يا ترى بقى حماة سلفي، الست المستشارة أم العروسة اللي بيتها كله هيبة وقيمة، لو سمعت رأيك فيها وبنتها وطمعك فيهم قبل ما يكتبوا كتاب ولا حتى يدخلوا في الجد، تفتكري الخطوبة دي هتكمل لحد بكرة؟
حماتي بلعت ريقها بالعافية، كأن في شوكة واقفة في زورها، صوتها طلع مخنوق ومرعوب
انتي.. انتي بتسجليلي يا فوزية؟! انتي بتلعبي في الخباثة من ورانا؟ ده انتي حية رقطة صحيح!
ضحكت بضحكة صافية، ضحكة خلتها تحس إن الأرض بتهتز تحت رجليها
حية؟ أنا بقيت حية دلوقتي عشان اتعلمت أدافع عن نفسي في غابة الديابة اللي إنتوا عايشين فيها؟ إنتي نسيتي عملتك السودة؟ نسيتي لما دخلت عليكي هنا، رافعة راسي وبشتري خاطرك وبقولك أعملك إيه يراضيكي، بصيتي في عيني وكدبتي عليا وقولتيلي الخطوبة اتأجلت؟ نسيتي إنك جمعتي العيلة كلها ورا ضهري وخليتي المعازيم يتريقوا عليا وينزلوا فيديوهات يشتموني فيها ويقولوا بتاكل في ورق زبالة؟ نسيتي إنك حرضتي ابنك عليا وجاي يهددني في بيتي ويتفرعن على قفايا؟ كل ده كنتي فاكراه هيعدي بالساهل؟ لا يا ست الكل.. اللي يفتكر إن الطيبة هبل وغفلة، لازم يفوق على صفعة توعيه!
حماتي اتسندت على الحيطة، حسيت إن رجليها مش شايلاها، وشها جاب ألوان الطيف، وقالت وهي بتنهج
انتي عاوزة إيه بالظبط؟ جاية تفركشي فرحة ابني؟ عاوزة تكسري قلبه وهو مصدق لقى بنت الحلال؟ حرام عليكي، ده ابني الغلبان، ملوش ذنب في خلافاتنا!
ابنك ملوش ذنب؟! وابنك التاني، محمود، اللي هو جوزي اللي دخلتوني في لعبة حقيرة وخليتوه يشمت فيا ويهيني، ده كان له ذنب؟ ولا أنا اللي ماليش ضهر ولا سند عندكم ومرمية في الشارع؟ بصي بقى يا حماتي، اسمعي الكلام اللي مفيش فيه رجعة، عشان لو حركة واحدة غلط اتعملت، الريكورد ده مش هيروح لأم العروسة بس، ده هينزل على جروب العيلة الكبير، الجروب اللي حطيتوا فيه صوركم وتريقتكم عليا، وهخلي العيلة كلها تعرف وشك الحقيقي!
حماتي دموعها نزلت من الخوف على مصلحة ابنها وفضيحتها، وقالت بصوت مكسور
عايزة إيه يا فوزية؟ اطلبي اللي انتي عايزاه بس امسحي البتاع ده من تليفونك، الله يستر عليكي بلاش فضايح، إحنا نسايبنا ناس كبار ومش بتوع شوشرة!
قعدت على الصالون وحطيت رجل على رجل، وبصيت في الصالة اللي احتفلوا فيها امبارح، شفت باقي الزينة المفرقعة على الأرض، وريحة العطور الرخيصة لسه معلقة في الجو. قولت بصوت واثق وقاطع
طلباتي مفيش أسهل منها، بس هتتنفذ بالحرف، وقدام عيني.. أولاً رد اعتباري، مش بيني وبينك في الأوض المقفولة.. جروب العيلة اللي نزل فيه التشهير بيا وباسم وإني ماليش في الواجب ومبحبش الخير، ينزل فيه بوست اعتذار رسمي، بصوتك انتي، تقولي إنك انتي اللي غلطتي وإنك طلبتي مني طلب مش أصول وفهمتيني غلط، وإن فوزية أصل الأصول وعمرها ما قصرت!
حماتي برقت عينيها وقالت بنحيب
انتي عاوزة تنزلي قيمتي قدام سلايفك وبنات أختي؟ عايزاني أقول إني غلطت؟ دي رقبتي تطير ولا أعملها!
يبقى رقبة الخطوبة تطير يا ماما، والقرار ليكي، أنتي اللي بتختاري تكسري خطوبة ابنك وفرحته، ولا تنزلي مناخيرك اللي طايحة في الكل شوية وتعترفي بالحق؟
سكتت لحظة، والغيظ كان بياكل في وشها، بس شافت في عيني إصرار مفيش فيه هزار. هزت راسها باستسلام وقالت
ماشي.. وإيه كمان؟
ثانياً العزومة اللي جاية، عزومة رد الواجب لأهل العروسة، هتحصل في أكبر مطعم مشويات
في المنطقة، وعلى حسابك انتي ومحمود، ومش هقف في مطبخ ولا هغسل معلقة، وهكون أول الحاضرين بلابسة تليق بيا وبقيمتي، وهتعرفيهم بيا كأني ست الكل، ومفيش كلمة تتقال من تحت لتحت.. وثالثاً، وده الأهم ابنك محمود يتربى، يدخل بيتي ويعرف إن له زوجة كرامتها خط أحمر، وإن بيت أمه مش ملجأ لمعايرة مراته!
حماتي نزلت راسها في الأرض، مقدرتش تنطق كلمة اعتراض واحدة. حسيت براحة غريبة بتغسل قلبي، مش شماتة، بس إحساس إن كرامتي اللي داست عليها بجزمتها رجعت تلمع من تاني.
معاكي نص ساعة يا حماتي، تعملي الفويس نوت وتبعتبها على الجروب، وهستنى أشوفها هنا على شاشتي قبل ما أخطو عتبة الباب، والتسجيل ده هيفضل معايا كارت أمان، لو فكرتي بس في يوم من الأيام تلعبي لعبة تانية، هدوس على زرار الإرسال ومش هتردد ثانية واحدة!
حماتي مسكت تليفونها بإيد مرتعشة، وشغلت الواتساب، وبصوت باكي ومكتوم، سجلت الفويس.. قالت فيه كل كلمة طلبتها، وبرأتني قدام العيلة كلها، وقالت إن فوزية كانت صاحبة الفكرة الصح وإنهم هما اللي اتسرعوا وسوء التفاهم جه منهم، وإنها بتعتذر لها قدام الكل عشان هي ست العارفين وأول واحدة تشيل البيت في الأزمات.
شفت الرسالة بتنزل على الجروب، وشفت الردود بتبدأ تنهال بذهول واستغراب، بس محدش قدر ينطق بكلمة لإن صاحبة البيت هي اللي اتكلمت.
قومت وقفت، عدلت دريسي وطرحتي، وبصيت لها بابتسامة خفيفة وقولت
عن إذنك يا ماما.. ألف مبروك خطوبة سلفي، عقبال ما نرد الواجب في الفرح بالطريقة اللي تليق بينا.
خرجت من العمارة والهوا البارد كان بيخبط في
وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. روحت شقتي، دخلت وقفلت الباب، وكنت مستنية الجولة التانية.. جولة محمود.
على العصر، دخل محمود البيت، وشه كان مخطوف، والتليفون في إيده باصص فيه ومش مصدق الرسالة اللي أمه نزلتها على الجروب. دخل عليا الأوضة ولقاني قاعدة بكتابي، رايقة وهادية تماماً وكأن مفيش حاجة حصلت.
وقف مكانه، وبلع ريقه، وقال بصوت واطي ومتردد
انتي.. انتي عملتي إيه في أمي يا فوزية؟ أمي نزلت الرسالة دي إزاي؟ إنتي روحتيلها؟
قومت وقفت وقربت منه لحد ما بقت عيني في عينه، وقولتله بنبرة حازمة
عملت اللي المفروض كنت انت تعمله كرجل البيت.. رجعت كرامتي اللي بعتوها في سوق النخاسة برخيص. أنا مأذتش حد، أنا بس وريت كل واحد حجمه الحقيقي. وإنت يا محمود.. لو مش قادر تكون راجل يحميني ويصون غيبتي ويقف في وش الغلط حتى لو من أمه، يبقى كل واحد يروح لحاله بالمعروف، بيتك اهو وكرامتي معايا، اختار انت عايز تكمل حياتك مع ست ليها هيبة، ولا عايز ترجع لحضن أمك تسمع كلامها وتخرب بيتك بإيدك؟
محمود اتصدم، كان متعود مني على الخنوع والسكوت والعياط في الأركان، مكنش متخيل إن القطة المغمضة بقى عندها مخالب تقدر تقلب الموازين. حس بغلطته وشاف إن الموضوع كان ممكن يوصل لخراب كامل وفضيحة لأهله كلهم، قرب مني ونزل راسه وقال بصوت مكسور
حقك عليا يا فوزية.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، وأمي هي اللي سخنتني، بس أنتي مراتي وأم بيتي وكرامتك من كرامتي، أوعدك الكلام ده مش هيتكرر تاني أبداً، ولا مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمسك بكلمة بعد النهاردة.
بصيت له وعرفت إن الضربة كانت كافية تعلمه درس عمره ما هينساه. مكنتش عايزة أهدم بيتي، بس كنت عايزة أبنيه على أساس سليم، أساس مفيش فيه حد يدوس على التاني.
ومرت الأيام، وجت عزومة أهل العروسة الرسمية، اتعزمت في أفخم مطعم زي ما اتفقت مع حماتي، دخلت وأنا رافعة راسي، لابسة ومظبطة، وحماتي كانت بتقوم تقعد معايا وتبتسم في وشي ابتسامات كلها خوف واحترام، والعروسة وأهلها اتعاملوا معايا بكل تقدير لإنهم شافوا الست الكبيرة بنفسها بتعملي ألف حساب.
اتعلمت من التجربة دي درس مش هنساه عمري كله إن الطيبة والجدعنة نعم من عند ربنا، بس لو استعملتهم مع ناس قلوبهم مليانة غل وقلة أصل، هيبقوا هما الحبل اللي هيشنقوك بيه. الحق مبيجيش بالدموع ولا بالضعف والشكوى، الحق بيتاخد بالثبات والعقل، واللي يخاف على كرامته لازم يخلي الناس تعرف إن للصبر حدود، وإن اللي يزرع شر، لازم يدوق من نفس الكاس لحد آخر قطرة.