رواية كاملة
15 سنة. جهاز صغير يراقب نبضات القلب وقصور الشرايين بدقة، واستشعر الأزمة قبل ما تحصل بربع ساعة ويبعت إشارة طوارئ للمستشفى. بس لما والدك مرض فجأة ودخل في غيبوبة... دخل في النص راجل أعمال خبيث اسمه فؤاد جاد، كان المدير التنفيذي للشركة وقتها.
طارق اتنفض من كرسيه
فؤاد جاد؟! ده رئيس مجلس إدارة شركاتنا الحالي والمستشار الأول!
الأم كملت بحزن وقسوة
أيوه... فؤاد ده زور أوراق التنازل عن الاختراع، وطرد جوزي من الشركة، واستغل إن والدك مش قادر يتكلم، وهدد جوزي إنه يدخله السجن بتهمة اختلاس لو فتح بؤه. جوزي ما استحملش القهر والظلم... أصيب بكسرة قلب ومرض، وساب القاهرة وجينا هنا على أطراف الصحراء عشان يبعد عن شرهم، شغل ورشة صغيرة يصلح فيها عربيات عشان يصرف علينا، لحد ما مات من سنتين وساب لي يوسف وأخته.
طارق بص ليوسف الصغير اللي كانت عيونه مليانة دهشة وهو بيبص للجهاز البدائي اللي عمله بأدوات بسيطة وسكراب الورش
يوسف... إنت جبت الفكرة والتصميم ده منين؟
يوسف أشار لكرتونة قديمة تحت السرير
بابا قبل ما يموت، ساب لي كشكول أزرق كله رسومات وأكواد. كان بيقعد معايا وأنا صغير ويشرح لي الجهاز ده بيشتغل إزاي زي الحدوتة. لما أمي تعبت والدكتور قال محتاجة جهاز غالي، افتكرت كلامه... وقررت أجمع قطع إلكترونية مكسورة وأسلاك من الورش عشان أعمل الجهاز لأمي.
طارق نزل على ركبه قدام يوسف الصغير، حط إيديه الاتنين على أكتافه، وعينيه دمعت بحرقة
إنت مش بس صلحتي عربيتي بجنيهين يا يوسف... إنت رجعت لي عقلي، ورجعت لأبويا حقه ونضفت اسمه في تربته!
طارق ما ضيعش دقيقة واحدة.
في نفس الليلة، طلب عربية إسعاف مجهزة ونقل أم يوسف لأكبر مستشفى خاص في القاهرة تحت إشراف كبار أطباء القلب، وتكفل بكل مصاريف علاجها، وأمن بيتهم وحياتهم بفرق حراسة كاملة.
وبعد أسبوع واحد... عقد طارق اجتماعًا طارئًا لمجلس إدارة مجموعة المنشاوي للطاقة والمقاولات.
في القاعة الكبيرة ذات الترابيزة الرخام، كان قاعد كبار المساهمين، وعلى رأسهم فؤاد جاد، الراجل الستيناتي المغرور اللي كان فاكر إن أمور الشركة كلها تحت ضرسه.
فؤاد بص لطارق وقال بسخرية
خير يا طارق بيه؟ داعي لمجلس إدارة طارئ ليه وفي وقت مفاجئ كده؟ فيه صفقة جديدة ولا إيه؟
طارق كان واقف بثبات على رأس الترابيزة، وفي إيده ملف أسود وكشكول أزرق قديم مبهوق.
ابتسم طارق ابتسامة جافة وقال
داعيكم عشان أقدم لكم الشريك الجديد والمالك الفعلي ل 50 من أصول براءة اختراع جهاز الحراسة الطبية اللي شركتنا هتبدأ تصنيعه وخط إنتاجه الشهر الجاي.
فؤاد وشُه اتغير، وقال بتوتر وغضب
شريك إيه؟ الاختراع ده ملك الشركة خالص من 15 سنة بعد ما تنازل عنه المهندس اللي كان شغال هنا قبل ما يمشي!
طارق خبط على الترابيزة بكل قوته بصوت هز القاعة
التنازل ده كان مزور يا فؤاد! والتزوير ده أنت اللي عملته واستغليت مرض أبويا وقهرت راجل شريف لحد ما مات في ورشة فقيرة بسبب جشعك!
طارق فتح الشاشة الكبيرة في القاعة، وعرض تقرير البحث الجنائي للخبراء اللي أثبتوا تزوير توقيع المهندس يوسف السيد، وعرض تسجيل صوتي ومستندات الأكواد الأصلية المكتوبة بخط يد يوسف الأب في الكشكول الأزرق والمؤرخة بتاريخ سابق لكل عقود فؤاد المزورة.
فؤاد اتجمد في كرسيه، وشه بقى أزرق زي الميت، والمساهمين بدأوا يتهامسوا بصدمة وذهول.
في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح، ودخلت الشرطة بناءً على بلاغ رسمي ودلائل دامغة قدمها طارق للنيابة العامة بتهم التزوير، والاستيلاء على حقوق الملكية الفكرية، والتربح غير المشروع.
الشرطة كلبشت فؤاد جاد وهو بيصرخ وبيحاول ينكر، وطارق واقف بيبص له ببرود وشموخ
حق الناس ما بيموتش يا فؤاد... والجنيهين اللي يوسف ابن المهندس يوسف أخذهم مني في السخنة، كانوا الثمن اللي ربنا بعته عشان يعريك ويكشفك قدام الدنيا كلها!
بعد مرور سنة كاملة...
في واحدة من أكبر قاعات المؤتمرات بالقاهرة، كان فيه مؤتمر صحفي عالمي لإطلاق أحدث جهاز طبي مصري للإنقاذ المبكر لمرضى القلب، جهاز اتسمى رسمياً جهاز السيد والمنشاوي.
الفلاشات والكاميرات كانت شغالة من كل مكان في العالم.
على المنصة، كان واقف طارق المنشاوي، وجنبه أم يوسف اللي ظهر عليها الشفاء والصحة التامة بعد ما تعافت من العملية.
وفي النص... كان واقف يوسف، عنده دلوقتي 14 سنة، لابسة بدلة أنيقة جداً، بس عينيه لسه فيها نفس البساطة والذكاء.
طارق مسك الميكروفون وقال قدام كل الكاميرات
الجهاز اللي حضراتكم بتشوفوه النهارده مش مجرد منتج طبي هيحمي ملايين القلوب في العالم... الجهاز ده قصته بدأت بوفاء مهندس مظلوم، وبولد صغير عنده 13 سنة، قدر يجمع قطع إلكترونية مكسورة من الورش عشان ينقذ حياة أمه. يوسف السيد مش بس شريكي بنسبة نص أرباح الاختراع ده... يوسف هو المالك والشريك الأصغر معنا، والشركة متكفلة بالكامل برعايته وتأسيس أكبر مركز أبحاث وتطوير تحت إدارته لما يخلص دراسته.
القاعة كلها اتزلزلت بالتصفيق الحاد!
يوسف قرب من الميكروفون، وطلع من جيبه الميدالية اللي حاطط فيها الجنيهين اللي أخذهم من طارق على الطريق الصحراوي.
ابتسم يوسف وقال بأسلوب بسيط وواثق
بابا علمني إن العلم والكرامة هما الشرف الحقيقي. والجنيهين دول ما كانوش ثمن تصليح وصلة سلك... دول كانوا أول خطوة في طريق إني أحقق حلم بابا، وأحمي قلب أمي وكل مريض في الدنيا.
طارق حط إيده على كتف يوسف وابتسم بفخر، وعاش يوسف وعيلته في عز وكرامة ورأس مرفوعة، بينما استمرت شركة المنشاوي تكبر وتنجح، مش بس بالفلوس... لكن بالحق والعدل والأمانة اللي اتردت لأصحابها.
تمت