رواية كاملة

لمحة نيوز

بينهم، حاسة إنني في حلم كوابيسي، مش عارفة أصدق ولا أصدق. كل اللي كنت أعرفه عن الحاډثة إن حد خبطني وهرب، وإن الشرطة ما لقوش أثر له. كنت فاكرة إن أبويا سلم بقضية ربنا، لكنه كان طول الوقت بيدور، بيتابع، وبيخطط لشيء ما كنت أتخيله أبداً.
وأنا؟.. قلت بصوت مرتجف وأنا كنت مجرد أداة في خطتك يا أبويا؟ زوجتني منه عشان إنت ټنتقم؟ ما سألتنيش أبداً أنا موافقة ولا لأ؟ ما فكرتش في حياتي اللي هتكون مع إنسان كده؟
أبويا بص لي بنظرة لين غريبة، لين ما شفتهوش في عينه من زمان، ومد إيده يمسح على راسي كنت صغيرة.
يا حبيبة قلبي.. لو كان في طريقة تانية كنت عملتها. لما وصلت ليه وعرفت كل حاجة، فكرت أوديه للسجن.. بس رجعت قلت لنفسي السچن هيسجنه كام سنة؟ وبعدين يخرج ويعيش حياته، وأنتِ تفضلي تتألمي طول عمرك؟ العدالة لازم تكون كاملة. هو حرمكِ من سنين جميلة من حياتك، من ثقتك في الناس، من راحتك.. فكان لازم يدفع التمن باللي يقدر عليه. وكنت عارف إنه من يوم ما يعرف إنكِ أنتِ اللي اتجوزها، حياته هتتغير لچحيم ما يخلص أبداً.
بصيت للراجل اللي واقف قدامي، لابس بدلة أنيقة وشكله غني، بس عينيه مليانة دموع وندم حقيقي. قلت له ببطء
اسمك كريم.. صح؟ كريم عبدالله؟ كنت قريت اسمك في الورق اللي جابه أبويا قبل كده، بس ما كنتش أعرف إنت مين بالحقيقة. كنت فاكرة إنك إنسان غريب طالب إيدي للجواز، ما كنتش أعرف إن حياتي كلها مرتبطة بيك من قبل ما أشوفك.
كريم هز راسه ببطء، ودمعه نزل على خده تاني.
أيوه.. أنا كريم. وما كانش ينبغي لي أبداً أكون في المكان ده. لما عمك هنا بص لأبويا بدهشة لما هو جالي وعرض عليا الجواز منكِ، قلت له أنا موافق من غير ما أسأل عنكِ ولا أشوفكِ. كنت فاكر إن ده طريقة أقدر أعوض بيها عن ذنبي.. أخدمكِ طول عمري وأكون لكِ خير زوج، وربما بعد سنين أنسى إني أنا السبب في چرحك. بس القدر كان أذكى مني.. وجمعنا على الحقيقة دي.
أبويا راح قعد على الكنبة القريبة، ومد إيده يشرب كوباية ماء كانت هناك، كأنه تعب كتير.
أنا ما كذبتش عليه في حاجة.. قلت له في بنت طيبة ومحتاجة لزوج يصونها، وقلت له الشرط إنه ما يشوفهاش غير بعد كتب الكتاب، ووافق من غير تردد. كان قلبه حاسس إنه مديون، وده اللي خلاني أضمن إنه ما هربش. كنت عاوزه له يختار ده بكل إرادته، عشان الحساب يكون صحيح.
ساد الصمت في الأوضة، صمت تقيل مليان بالندم والخۏف والدهشة. كنت حاسة إنني محتاجة وقت
عشان أستوعب كل ده. سبع سنين وأنا أعيش وأحاول أتخطى الألم، وأكتشف إن الإنسان اللي غير مجرى حياتي واقف قدامي، وإن أبويا اللي خطط لكل ده من ورايا. بصيت لكريم
كنت تعيش في إيه الحال دي كلها؟ تحبني؟ ولا كنت بس تحاول تطفي ڼار اللي في قلبك؟
كريم رفع عينه لي، وبص لي بصدق وۏجع
من يوم ما وافقت على الجواز وأنا بحاول أتخيلك.. كنت أقول لنفسي دي البنت اللي أذيتها، دي اللي لازم أكون ليها كل حاجة. وكل ما كنت أجهز الشقة وأشتري اللي محتاجاه، كنت بحس بفرحة غريبة ممزوجة بالخۏف. ما كنتش أعرفكِ، بس كنت حاسس إن قلبي اتعلق بيكِ من غير ما أشوفكِ.. وكل ده عشان كنت عارف إني مديون لكِ بحياتي. ولما رفعت الطرحة وشفتكِ.. شفت الچرح ده.. حسيت إن الدنيا كلها ضاقت عليا. شفت نتيجة غلطتي قدامي عياناً بياناً.
أبويا اتكلم تاني بصوت هادي
أنا ما جيتش هنا عشان أفرق بينكم ولا عشان آمركم بحاجة تانية. جيت عشان أقول لكم الحقيقة كاملة، وسيبكم تختاروا مصيركم بنفسكم. يا بنتي بص لي تقدر تطلقيه النهاردة وتسيبيه وتعيشي حياتك، وأنا معاكي في أي قرار تاخديه. وأنت يا كريم بص له تقدر تسيبها وتسافر وتكمل حياتك زي ما كنت عاوز، ومحدش هيجبرك على حاجة. بس عارف إنك لو سبتها، هتعيش بذنبها لآخر يوم في عمرك.
سكت شوية ثم كمل
أنا اڼتقامي الحقيقي مش إني أجبركم على حاجة.. اڼتقامي الحقيقي إني خلّيتك تعرف الحقيقة، وسيبت الضمير يأكل فيك لوحدك. أما البنت دي فهي بنتي، وإن شاء الله مهما حصل هعيش معاها في عزة وكرامة.
خرج أبويا من الأوضة وساب الباب موارب شوية، وسابنا لوحدنا أنا وكريم. قعدنا جنب بعض على السرير، ما حدش فينا بيتكلم. كنت حاسة بالارتباك الشديد، وفي نفس الوقت كنت شايفة الندم الحقيقي في عينيه. بعد فترة طويلة قلت له
أنا مش عاوزة أعيش مع إنسان شايفني عبء عليه أو ذنب لازم يتحمله. لو فضلنا مع بعض، لازم يكون بينا حاجة تانية غير الخۏف والندم.
كريم مسك إيدي برفق كأنه خاېف أتألم من مسه، وقال
أنا مش شايفك عبء أبداً. أنا شايفك أمانة في رقبتي، وأغلى أمانة. مش هعدك إني هنسى اللي حصل، لأن ده مستحيل.. بس هعدك إني هحاول كل يوم أكون إنسان يستحق الثقة تاني. هعدك إني هصونك وأكرمك وأكون لكِ زوج صالح بكل ما أملك. والقرار في إيدكِ بالكامل.. لو قلتي لي امشي، هامشي من غير كلمة. ولو قلتي لي اكمل معاكِ، هكمل طول عمري.
بصيت ليه طويلاً، وفكرت في السنين اللي فاتت، وفي أبويا اللي عمل المستحيل عشان يصلح الغلط، وفي القدر اللي جمعنا بالطريقة دي. لمست علامة الچرح
في جبهتي، اللي كانت تذكرني دايماً بيوم حزين.. بس ممكن تكون بداية لشيء جديد؟
هنكمل.. قلت ببطء بس هنبدأ من
الصفر. مش هنعيش على الماضي، ولازم نحاول نبنى مستقبل مع بعض بصدق.
كريم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة، وملامحه اتغيرت شوية، وكأن حمل تقيل اتنزل عن صدره.
شكراً.. شكراً من كل قلبي. وهعيش عمري كله عشان أثبت لكِ إن قرارك ده كان صحيح.
مرت الأيام والشهور، واتغيرت حياتنا كتير. كريم كان بجد يبذل كل جهده عشان يرضيني ويصونني. كان حنون، كريم، ېخاف عليا كتير، وكل ما أشوف في عينيه نظرة الندم، أحاول أطفيها بكلام طيب وحنان. أخبرنا أبويا بقرارنا، وابتسم باطمئنان وقال العدالة اكتملت، والباقي على ربنا.
بعد سنة، كنا جالسين مع بعض في شرفتنا نكوب شاي ونشوف الغروب، وقال لي كريم وهو بيمسك إيدي
تعرفي.. كنت فاكر إن الحياة انتهت يوم الحاډثة. بس لما جمعني ربنا بيكِ، عرفت إن الحياة لسه بادئة. والذنب اللي كان في قلبي بدأ يخف شوية شوية بالحب والخير اللي بعتيه لي.
أنا بصيت له وابتسمت بكل قلبي
وأنا كنت فاكرة إن الچرح ده هيفضل يألمني طول عمري. بس معاكِ، بدأ ينسى.
وبقينا مع بعض، نكمل رحلتنا، نداوي چروح الماضي بالحب والصدق، وعرفنا إن الغلط ممكن يصير، لكن التوبة الصادقة والخير ممكنوا يغيروا مجرى الحياة.. وإن أعظم عدالة هي اللي تيجي بالحب مش بالكراهية.
والچرح اللي كان علامة ألم وذكرى حزينة، بقى علامة على بداية حياة جديدة، ورحمة من رب العالمين جمعت قلبين كانو محتاجين لبعض.

تم نسخ الرابط