رواية كاملة
صاحب الأرض والمزارع جه يطردها عشان الإيجار المتأخر، لقاها قاعدة بتخيط بقالها 3 ليالي من غير نوم وإيديها غرقانة ډم.. لحد ما صورة مستخبية كشفت كدبة بشعة ډمرت حياة أمها وزلزلت القصر كله!
الليلة اللي صاحب الأراضي والمزارع جه فيها عشان يرميها في الشارع، كانت مريم صوابعها پتنزف فوق مكنة خياطة قديمة ومتهالكة، وجدتها يدوب بتتنفس ب العافية على سرير حديد مكسور.
البيت المبني من الطوب اللبن، الضايع في أطراف قرية في الفيوم حيت التراب بيدخل في كل حتة، كان مليان ريحة قماش رطب، قهوة مغلية كذا مرة، ومرهم رخيص من الصيدلية. برة، الهوا كان بيحرك صاج السقف كأنه عاوز يخلعه من جذوره. وجوة، إبرة مكنة السنجر القديمة كانت بتطلع وتنزل ب خبطات سريعة ومړعوپة.
مريم كان عندها 20 سنة، بس الفقر والهم رموا على كتافها تعب ست عجوزة شالت الدنيا. بقالها 3 ليالي م داقنش طعم النوم، بتخيط في جلاليب وفساتين قماش مطرز عشان تسلمهم في سوق الجمعة قبل الظهر. كل غرزة خياطة كانت بتعملها كانت كأنها بتراهن بيها ضد الجوع، ضد السخونية والڼار اللي بتاكل في جسم جدتها، الست عائشة، وضد وصل الإيجار اللي فات على ميعاده أسبوعين كاملين.
على السرير اللي في الركن، الست عائشة كحت كحة ناشفة ومكتومة، زي صوت ورق بيتقطع
يا بنتي.. سيبي اللي في إيدكِ وارتاحي شوية.
مريم م رفعتش عينها من على المكنة
مش هينفع يا جدتي. لو م خلصتش ال 12 فستان دول، بكرة مش هعرف أدفع جزء من الإيجار ولا هعرف أشتري لكِ المضاد الحيوي.
ربنا م بيسيبش حد يا بنتي.
بس الحاج كامل م بيرحمش.
الاِسم نزل في الأوضة كأنه ټهديد وخړاب. كامل بيه زهران، وريث أكبر عائلات وأراضي البلد، كان صاحب نص الأراضي والمزارع، الزرع، والمواشي، وحتى البيت الصغير اللي مريم اِتولدت وعاشت فيه. الناس في البلد كانوا بيقولوا إن كامل بيه م بيسامحش في قرش واحد عليه ديون. وإن لو حد اِتأخر عليه، الرجالة بتوعه بيرموا المراتب، الدولاب، الحلل، والعيال في الشارع من غير ما يتهز فيهم شعرة. بالنسبة له، الفقير دايماً كداب، دايماً مديون، ودايماً بيتمسكن ويتدلع.
مريم م كنيش عاوزه شفقة من حد. عمرها م طلبتها من مخلوق. أمها سابت لها مكنة الخياطة دي قبل ما ټموت، ومعاها اِتعلمت تفصل وتصلح لبس المدارس، فساتين الأفراح، ستاير الدكاكين، وحتى جلاليب صغيرة للأطفال. بس العيا والمړض بتوع جدتها أكلوا الأخضر واليابس التحويشة، الأكل، العلاج، وحتى الأمل.
الساعة 10 الصبح تالت يوم، والشمس خلاص كانت حامية وبتحرق حجر الطريق، صوت موتور عربية نص نقل سوداء وفخمة بدأ يقرب من البيت. م كنيش أي عربية. دي كانت العربية الكبيرة بتاعة قصر كامل بيه زهران.
مريم حست إن دواسة المكنة اِتثبتت تحت رجلها وم بقتش قادرة تحركها من الړعب.
الست عائشة فتحت عينيها ب خوف وقلق
هو.. جه.
العربية وقفت قدام السور الخشب المكسور. كامل بيه نزل منها ب قميص أبيض نضيف جداً، عباية شيك، وجزمة بتلمع، وتحت باطه ملف جلد كبير. م كنش لوحده. وراه كان ماشي عبد الستار، الناظر وباشكاتب الأراضي، راجل عريض القفا وعينيه كلها لؤم وشړ، ومعاه اثنين من الفلاحين الأشداء اللي باين على وشهم إنهم جايين يشيلوا عفش ويرموه برة.
كامل خبط على الباب ب صوابعه 3 مرات ب قوة
مريم منصور.. اِفتحي الباب.
صوت المكنة فضل شغال وم وقفش. مش لأنها بتطير كلامه ولا بتطنشه، لأ، ده الخۏف والړعب هما اللي ثبتوها على
الكرسي وم بقيتش قادرة تتحرك. لو وقفت، هتعيط وتتكسر. ولو اِتكسرت، هتركع وتترجاه. وهي كانت حالفة وعاهدت نفسها عمرها م تركع ل مخلوق.
عبد الستار زق الباب ب رجله ودخل من غير إذن
يا بيه، أهو هما جوة أهو. أنا قلت لجنابك إن الستات دول بيعملوا نفسهم عيانين ويمثلوا عشان م يدفعوش القرشين اللي عليهم.
مريم وقفت ب سرعة لدرجة إن الكرسي اِتطوح ووقع لورا. شعرها الأسود كان ملموم ب إهمال، جلابيتها قديمة ودايبة، وصوابع إيديها متبهدلة ډم ناشف. على التربيزة كان فيه فساتين متطبقة ب نظام ونضافة، جاهزة للبيع. وفي الركن، الست عائشة حاولت تقعد وتسند طولها، بس السخونية والضعف غلبوها وووقعوها تاني.
كامل دخل الأوضة والكلمتين بتوعه جاهزين في زوره، ناشفين وحادقين، زي كل الأوامر والقرارات اللي بيطلعها ب قسۏة.
بس م نطقش ب كلمة.
عينه اِتثبتت على صوابع مريم اللي پتنزف. وبعدين على المكنة. وبعدين على الست العجوزة الرمية على السرير. وفي الآخر على كوم الفساتين اللي متقفلة ب نظافة وشطارة م تركبش خالص مع فقر ومأساة المكان ده.
أنا جاي عشان الإيجار المتأخر، قالها في الآخر، بس صوته م كنش فيه القسۏة اللي كان ناوي يدخل بيها.
مريم ضمت القماش الأزرق في حضنها وعلى صدرها ب قوة
عارفة. ومش هكدب على جنابك ولا هتمسكن. أنا فعلاً متأخرة. جدتي تعبت أوي وكل القرشين اللي معانا راحوا على الدكاترة والعلاج. لو تديني فرصة لحد بكرة بعد الظهر، هبيع الفساتين دي في السوق وأجيب لكِ الإيجار أو جزء كبير منه. بس بلاش ترمي جدتي في الشمس برة.. دي م تستحملش ومتموتش في إيدنا.
عبد الستار الناظر طلع ضحكة صفراء وناشفة
ما هي نفس الاسطوانة والتمثيلية بتاعة كل مرة. يا كامل بيه، مع احترامي ليك، لو سامحتهم النهاردة، بكرة البلد كلها مش هتدفع مليم واحد وتقول لكِ تعبانين.
كامل لف وبص له ب نظرة حادة خرسته
اِقفل بؤك واِخرس خالص.
السكوت حل في الأوضة وكان ثقيل لدرجة إن صوت المكنة كان كأنه لسة شغال ويرن في دماغ الكل.
مريم وطت راسها في الأرض، وفي نفس اللحظة، نقطة ډم طازة نزلت من صباعها المجروح على الفستان الأزرق الفاتح. حاولت تداريها ب كف إيدها ب كسوف وإحراج، بس كامل شافها. شاف كمان الهالات السوداء اللي تحت عينيها، كرامتها وعزة نفسها الواقفة بيهم ب العافية، السرير اللي م لوش ملاية عدلة، قزازة المضاد الحيوي الفاضية، والطبق اللي فيه لقمة عيش ناشفة يدوب تبل الريق.
وهنا.. عبد الستار الناظر عمل حركة ولعت الڼار في البيت كله.
مد إيده وخد فستان من الفساتين المتخيطة الجاهزة، رفعه ب قرف وتريقة وقال
هو القماش والمصخرة دي تسوى الإيجار اصلاً؟ وسعوا كدة خلينا نطلع العفش ده برة ونخلص.
مريم حدفت نفسها عليه عشان ټخطف الفستان من إيده
سيب الفستان وم تلمسش شغلي وتعب عمري!
الناظر زقها ب دراعه ب قسۏة؛ اِتكعبلت في التربيزة والفساتين كلها وقعت واترمت على الأرض التراب.
كامل اِتقدم خطوة لِقدام، وعضلات فكه اِتشنجت من كتر الڠضب
عبد الستار!
وقبل ما ينطق ب كلمة ثانية ولا يتصرف، الست عائشة، وهي بتترعش من على السرير، اتكلمت ب صوت ضعيف وشرخ بس طالع من وسط سنين طويلة من القهر
الراجل ده مش جاي ياخد إيجار يا كامل بيه... ده عاوز يدفننا ويخلص مننا عشان عارف ومخبّي السر والسړقة الكبيرة اللي سرقها من أبوك الله يرحمه زمان!......
يا ترى إيه السر البشع اللي عبد الستار الناظر مخبيه وسرقه من أبو كامل بيه زمان وعاوز
يدفن مريم