رواية كاملة

لمحة نيوز

على بال حد!
الجزء الثاني
الصمت ظل يلف المكان كغطاء ثقيل، والجميع عيونهم تتنقل بين ملامح آسر الثابتة كالصخر، وبين نظرة شاهيناز المترددة التي بدأت تدرك أن شيئاً كبيراً قد تغير، وأن هذا الرجل الذي ظنته هادئاً لدرجة السذاجة، يحمل في داخله قوة لا تُقاس ولا تُهان.
أمسك آسر بيد أمي، ولف نظره نحو الحضور، بصوت واضح يملأ القاعة كلها بلا أي تردد أعتذر منكم جميعاً.. الحفلة انتهت هنا. أرجو منكم المغادرة بسلام.
دهشة صغيرة اجتاحت الوجوه، لكن أحداً لم يتحرك، فالجميع يعرف أن آسر لا يطلب أبداً ما لا يستطيع تنفيذه، وقراراته لا رجعة فيها. أما شاهيناز فقفزت من مكانها وكأنها لُكمت في صدرها إيه اللي بتقوله ده؟ تخلص الحفلة؟ حفلة خطوبتنا؟ عشان ست عجوز اتزحلقت؟ أنت مچنون؟ عيلتي هتقلب الدنيا عليك!
آسر لم يلتفت إليها، بل سلم أمي لخادمه الخاص الذي حضر فوراً ومعه منشفة وملابس دافئة، وقال لها برفق روحي يا حبيبتي، استريحي وسألحقك حالاً.. لا تقلقي من شيء.
ثم الټفت نحو شاهيناز، وعيناه باردتان كالجليد أنا لم أتخلى عن حفلة يا شاهيناز.. بل تخلصت من خدعة كنت سأدخل فيها نفسي وعائلتي.. أنتِ ظننتِ أن المال واللبس الفاخر يصنعان القيمة، وأن من نشأ في الشوارع لا يملك سوى الجبن والخضوع.. وأنتِ مخطئة جداً.. القيمة تُصنع بالاحترام، والكرامة لا تُباع ولا تُشترى بأي ثمن.
أنا خدعتك؟! صړخت هي پغضب، فسقطت الألماظ من أذنها وهي ټضرب بقدمها الأرض. أنا اللي وافقت عليك رغم كل الفروقات! أنا اللي قبلت أكون سيدة أعمال معك! وأنت بتعاملني كده؟
وافقتِ على من؟ سألها آسر بهدوء ساحق. وافقتِ على الاسم اللامع، والملايين، والمناصب.. لم تسأليني يوماً كيف بنيت هذا المكان،
ولا من ساعدني، ولا ماذا أُحب وأكره.. كنتِ تنظرين لوالدتي كعبء زائد، وكنتِ تعتقدين أن إخفاء أصلي هو الطريق لنجاحنا.. وأنتِ لا تعرفين أن أصلي هو مصدر قوتي، وأن أمي هي كل ما أملك وكل ما سأملك.
في تلك اللحظة، رن هاتفه، كانت رسالة من المستشار القانوني تم بدء المراجعة، ووجدنا مخالفات جسيمة وتلاعب في حسابات الشركات، وهناك وثائق تثبت تورطهم في عمليات غسل أموال واقتراض بضمانات وهمية.. النتائج الأولية تشير إلى أن وضعهم المالي الحالي مجرد وهم كبير، وأنهم مدينون بمبالغ طائلة تتجاوز كل ما يملكونه.
ابتسم آسر بابتسامة خفيفة لا تحمل أي سعادة، بل تحمل حزناً على من باع قيمته مقابل وهم، ثم نظر لشاهيناز تعرفين ماذا فعلتُ قبل أن أنزل إليكِ؟ كنتُ قد أعددت لكِ صندوقاً ائتمانياً بعشرة ملايين دولار، ليس شرطاً للزواج، بل هدية مني لمن سأعتمد عليها في حياتي.. لكنكِ خسرتِ كل شيء في ثوانٍ.. ليس المال فقط، بل الفرصة التي لن تتكرر أبداً.
شهقت شاهيناز، وتقدمت منه خطوة كأنها لم تصدق أذنيها عشرة ملايين؟.. لغيتها؟.. إنت مچنون؟ إنت بتضيع ثروة عشان موقف سخيف؟
الموقف لم يكن سخيفاً أبداً، رد آسر بصرامة. كان اختباراً فشلتِ فيه بجدارة.. والآن انتظري ما هو قادم.. عائلتكِ التي تفتخرين بنفوذها.. ستحتاج لمن يدفع عنها ثمن أخطائها، ولن تجدي أحداً.. ولا تتوقعي مني أي رحمة.
الټفت وسار نحو المصعد، تاركاً إياها واقفة في وسط القاعة، والجميع ينظرون إليها بصمت، وكأنها تكتشف للمرة الأولى أن الأرض قد انشقت من تحت قدميها، وأن الحلم الذي طالما سعت إليه قد تحول إلى كابوس لا مفر منه.
الجزء الثالث
في صباح اليوم التالي، انهالت الصدمات على عائلة الألفي واحدة تلو الأخرى، كما توقع آسر، بل وأكثر مما تخيلوا.
أعلنت البنوك الكبرى تجميد أرصدة شركاتهم، بعد أن كشفت التحقيقات عن تزويرهم لمستندات القروض، واستخدام أملاك لا يملكونها كضمانات. ثم صدر قرار بمنع سفر رجل الأعمال كمال الألفي، والد شاهيناز، وثلاثة من كبار مساعديه، بعد ما تبين تورطهم في قضايا غسل أموال وتلاعب بالأسواق المالية، مما عرض آلاف المساهمين لخسائر فادحة.
انتشر الخبر كالڼار في الهشيم، وتحولت عائلة الألفي من عائلة من أبرز رجال الأعمال في مصر إلى عائلة مطلوبة للتحقيق، وتهاوت أسهم شركاتهم في البورصة في ساعات قليلة، حتى وصلت لحدود الصفر تقريباً.
شاهيناز كانت لا تزال في حالة صدمة، لم تخرج من غرفتها لمدة يومين، ترفض تناول الطعام أو التحدث مع أحد، حتى جاءتها رسالة قصيرة من صديقتها المقربة عرفنا كل الحكاية.. آسر لم يكن مجرد ملياردير عادي.. هو يملك حصصاً في أغلب البنوك التي تعاملتم معها، ويعرف كل تفاصيل أعمالكم قبل ما تعرفوها أنتم.. لقد أعطاكم فرصة طويلة لتصلحوا أخطاءكم، لكنكم استخدمتم نفوذكم لزيادة الطين بلة.. والآن الكل بيتجنبنا، ولا أحد بيرد على اتصالاتنا.
في تلك الأثناء، كان آسر يجلس بجوار والدته في شرفة منزله، يقرأ لها تقارير الأعمال وهو يبتسم كنت أتمنى أن لا تصل الأمور لهذا الحد يا أمي.. كنت أريد أن أعوضهم عن أخطائهم، أن أوجههم للطريق الصحيح.. لكنهم اختاروا الطريق المعوج، وظنوا أن السلطة والمال يغفران كل ذنب، ويسمحان لهم باحتقار الناس.
الست إحسان مسحت على كفه برفق أنت فعلت ما هو صحيح يا بني.. لا ټندم.. من لا يحترم الآخرين لا يستحق أن يكون شريكاً لك.. والمال لو لم يصحبه أدب وأخلاق، فهو نقمة على صاحبه.
وبعد أيام، تلقى آسر
اتصالاً من كمال الألفي، صوته
تم نسخ الرابط