رواية كاملة

لمحة نيوز

 

رجالته بصوا لي كأني لسه موقعة على حكم إعدامي بإيدي.

لكن في نفس اللحظة، ابنه صرخ تاني.

والغريب إن وش مراد، لأول مرة، فقد كل غضبه.

بقى مجرد أب مرعوب.

قال:

—اعملي اللي تقدري عليه.

شيلت البيبي بحرص.

وأول ما وزنه استقر بين إيديا، قلبي اتقبض.

لثانية واحدة، حسيت إني رجعت لأربع سنين فاتوا.

رجعت حاسة بآدم وهو بين إيديا.

نفس الدفا…

نفس الحجم الصغير…

ونفس الخوف اللي كان بيقتلني.

غمضت عيني لحظة، ودفنت الذكرى جوايا.

وبعدين همست للبيبي:

—خلاص يا حبيبي… أنا معاكي.

حطيته على دراعي، وبطنه لتحت، وبدأت أربّت على ضهره بهدوء.

وبعد شوية قلت:

—بطنه مشدودة جدًا.

مراد سأل بسرعة:

—يعني إيه؟

—ممكن يكون عنده مغص شديد أو غازات. كل ما يعيط أكتر، بيبلع هوا أكتر، وده بيزود الألم ويخليه يعيط أكتر.

بص لي باستغراب.

—مغص؟

—أيوه.

فجأة، عينيه ضاقت.

وقال بجدية مخيفة:

—مين اللي عمل فيه كده؟

فضلت باصة له ثواني.

أخطر راجل في البلد…

الراجل اللي الناس بتخاف حتى تنطق اسمه…

كان فاكر إن المغص ده أكيد وراه حد يستاهل يتعاقب.

وقبل ما أقدر أرد…

البيبي سكت.

تمامًا.

مراد قام من مكانه بسرعة.

أنا بصيت للطفل.

لكن قلبي وقع في رجلي.

لأن البيبي ما بقاش بيتحرك زي ما كان من ثواني.

إيديا تلجت.

وبصيت على وشه…

وفي اللحظة دي فهمت إن العياط اللي خوّفنا كلنا ما كانش أصلًا أكتر حاجة مرعبة.

لأن اللي جاي كان أخطر بكتير…

شفتاه الصغيرتان ازرقتا قليلًا، وجفناه انطبقتا على بعضهما بوهن شديد، كأنما هجرته آخر ذرة من طاقته بعد ساعات العياط المنهكة.

شابك دموي غريب سرى في عروقي، ونبرة الخوف المستترة التي لمعت في عين مراد الدمنهوري جعلته يبدو في تلك اللحظة أبًا حقيقيًا مكسورًا، وليس ذلك الوحش المخيف الذي ترتعد له فرائص القاهرة.

صرخت بلهفة وتوتر غطى على أي ذرة خوف: — هات شنطة إيده بسرعة! الولد بياخد نفسه بصعوبة بالغة... دي أزمة حساسية حادة أو اختناق من كتر البكاء واللبن اللي شربه غلط!

اقترب مراد بخطوات مرتعشة، وفتح الحقيبة التي كانت ملقاة بعيدًا بيديْن لا تهادنان الخوف. ناولتني بخبرة التمريض السابقة حقنة طوارئ مخصصة للأطفال، وقلبي يدق كالمطرقة.

— امسك راسه كويس، من غير ما تحرك رقبته ملّي واحد، قلتها له بصوت صارم وحاسم أمر فيه أخطر رجل في البلد دون أن أشعر.

نفذ مراد ما طلبته فورًا، وعيناه مسمرتان على وجه ابنه شريف الباهت. في تلك اللحظة، كنت أرى انعكاس ابني الراحل «آدم» في كل نبضة ضعيفة لهذا الصغير. وبأصابع مرتعشة لكنها دقيقة، غرست الإبرة في المكان الصحيح، وضغطت المحقق ببطء بينما الوقت يتوقف حولنا في المطعم الصامت تمامًا.

ثوانٍ معدودات مرت كأنها الدهر.

صدر الصغير ارتفع فجأة بعنف، وكأن الهواء أُعيد إلى صدره القسري، ليطلق بعدها سعلة خفيفة تلتها شهقة عميقة مليئة بالحياة.

عاد النور إلى وجهه الوردي تدريجيًا.

أما مراد، فوقع على ركبة واحدة بجانب السرير الصغير، ودفن وجهه في كفيه لفترة قصيرة، لأول مرة في حياته ربما يرى الجميع ضعفه الإنساني العارم. وعندما رفع رأسه، كانت عيناه محمرتين، ومد يده ببطء ليلمس خصلات شعر ابنه الرقيقة بأصابع ترجف.

وقف مراد، وعدل بدلته الفاخرة، وعاد الجليد يكسو ملامحه الحادة، لكنه نظر إليّ نظرة تحمل معاني أعمق بكثير من التهديد أو الامتنان.

قال بصوته الأجش الهادئ: — اسمك إيه؟ — فريدة. — يا فريدة... المطعم ده بكل اللي فيه، ابتداءً من الليلة، بقى ملكك. وأي حد هيقف في طريقك في البلد دي، اعتبريه مش موجود.

هززت رأسى بهدوء، وأعدت الطفل إلى حضنه بحنان، وقلت بثبات: — أنا مش عايزة ملك، يا أستاذ مراد. أنا بس رجعت أفتكر إني لسه أعرف أداوي الوجع. ابني مات عشان ما لحقتش أعمل ده... لكن شريف عاش.

هز مراد رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة باهتة حاملًا ابنه على أذرعه، وخرج من المطعم وسط حراسة مشددة، تاركًا خلفه صالة كاملة من المذهولين.

في تلك الليلة، أدركت أن الحياة قد تأخذ منا أغلى ما نملك في لحظة قاسية، لكنها قد تعيد لنا جزءًا من أرواحنا المكسورة في أكثر الأماكن غير المتوقعة... تمامًا حيث يلتقي أشرس رجال العالم بدمعة طفل صغير وبريئة.

تم نسخ الرابط