رواية كاملة
أبوه كان واقف في نفس الأرض، وأشار للركن ده وقال له:
— لو في يوم الأرض دي عطشت… ما تدورش على المية فوق الأرض.
حسام كان فاكرها مجرد نصيحة قديمة.
لكن دلوقتي…
وهو ماسك ماسورة مدفونة تحت الأرض من عشرات السنين…
بدأ يفهم.
مد إيده ونضف الصدأ عن جزء صغير.
كان فيه رقم محفور على الحديد.
نفس الرقم اللي كان موجود في كراسة قديمة لأبوه.
حسام رجع البيت وجري على صندوق أوراق والده.
فتح الكراسة.
قلب الصفحات بسرعة.
لحد ما لقى رسم قديم للأرض.
وفي الركن الشمالي الشرقي كان فيه خط مرسوم تحت الأرض.
وبجانبه كلمتين:
«مجرى العين القديمة».
حسام شهق.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصفحة اللي بعدها.
كان فيه توقيع والده…
وتاريخ يرجع لأكثر من 40 سنة.
وتحت التوقيع جملة قصيرة:
«لا تخبر رجب بما وجدناه.»
حسام رفع عينيه عن الورقة.
وفي نفس اللحظة، سمع صوت عربية بتقف عند باب المزرعة.
خرج بسرعة.
كانت عربية الحاج رجب.
نزل منها، وبص ناحية الحفرة المفتوحة.
وبمجرد ما شاف الماسورة…
اتغير لون وشه.
حسام قرب منه.
— إنت عارف الماسورة دي؟
الحاج رجب سكت.
— سألتك… عارفها؟
رجب بص له فترة طويلة.
وبعدين قال:
— اقفل الحفرة يا حسام.
— ليه؟
— لأن أبوك كان فاهم حاجة إنت لسه ما فهمتهاش.
حسام حس إن قلبه بدأ يدق أسرع.
— إيه هي؟
رجب بص ناحية سمرة.
ثم قال بصوت منخفض:
— المية اللي تحت أرضك مش مية عادية… ولو فتحت المجرى ده، مش هتحتاج تبيع الأرض. لكن في ناس كتير هتتمنى إنك ما تفتحهش أبدًا.
وفي اللحظة دي، سمرة ضربت الأرض بحافرها مرة تانية.
وتحت الحافر مباشرة… ظهر طرف صندوق حديدي قديم.
حسام انحنى نحوه.
أما الحاج رجب…
فأول ما شاف الصندوق، استدار ومشى ناحية عربيته من غير ما ينطق كلمة.
لأن الصندوق ده…
كان هو بالضبط الشيء اللي اتدفن تحت الأرض في اليوم اللي اختفى فيه والد حسام من المزرعة قبل 40 سنة.
حكايات بسمة
ساد الصمت المزرعة، وتوقفت قطرات الهواء في الفيوم. اتسعت عينا حسام وهو ينظر إلى الصندوق الحديدي الصغير المصدي، الذي ظهر نصفه من تحت التراب عند حافر البقرة العجوز "سمرة".
أسرع حسام وانحنى على ركبتيه، وبدأ يحفر بيده مجدداً، حتى استخرج الصندوق بالكامل. كان مغلقاً بقفل قديم أكل الصدأ أطرافه.
مسك حسام قطاعة حديد من المزرعة، وبضغطة واحدة قوية، انكسر القفل القاسي.
فتح الغطاء...
وداخله كانت المفاجأة التي أذهلته كلياً!
لم تكن هناك أموال، بل كانت هناك خريطة هيدرولوجية قديمة، ومعها عقد اتفاق أصلي يعود لأربعين سنة مضت، ومفتاح ناهية نحاسي ضخم.
الخريطة أثبتت أن الجزء الشمالي الشرقي من أرضه يحتوي على "عين مياه كبريتية وعذبة طبيعية" تتدفق تحت الأرض. وأقامت عائلة الحاج رجب العشماوي من سنين طويلة سداً ومحبساً سرياً مدفوناً للتحكم في هذا المجرى، لتحويل المياه العذبة لمزارع العشماوي الخاصة، وإغراق الجزء الخاص بحسام عمداً بالطين والمياه الراكدة حتى تفسد الأرض، ويضطر حسام لبيعها بثمن بخس!
أما الأهم... فكان الخطاب المكتوب بخط يد والده الراحل:
> "ابني حسام... إذا وصلت لهذه الأوراق، فاعلم أن رجب العشماوي حاول حرماننا من حقنا في العين، وأغلق محبس الصرف الطبيعي. المفتاح النحاسي في الصندوق هو المفتاح الرئيسي لمحبس العين المدفون تحت العمود الرابع... افتحه لتجري المياه في مجراها الصحيح، وتجف أرضك، وترتوي حقولك بالخير."
>
المواجهة الكبرى وانكشاف الحقيقة:
في صبيحة اليوم التالي...
جمع حسام مهندسي الري والزراعة من مركز الفيوم، ومعه جيرانه من المزارعين البسطاء الشرفاء.
وقف حسام عند العمود الرابع، وأدخل المفتاح النحاسي في الماسورة الحديدية الكبيرة. وبمساعدة اثنين من العمال، أدار المفتاح القاسي لعدة دورات عكس اتجاه العقارب.
وفجأة... اندلع صوت هادر من تحت الأرض!
تفتحت المجاري القديمة، وانسابت المياه الراكدة التي كانت تحبسها عائلة العشماوي، واندفعت المياه الكبريتية والعذبة النظيفة لتسري في المصرف الطبيعي المصمم لها بعناية منذ العقود الماضية.
خلال ساعات قليلة:
* تجففت التربة المبلولة بالكامل.
* تحولت المساحة الشمالية الشرقية إلى أرض خصبة مهيأة للزراعة.
* انفجرت المياه العذبة النظيفة لتروي الـ 55 فداناً بالكامل دون حاجة لإنفاق أية مصاريف على الري أو ممتلكات البنوك!
في نفس اللحظة، توقفت سيارات هيئة الري والشؤون القانونية التي استدعاها حسام بالوثائق والمستندات الموجودة في الصندوق.
حضر الحاج رجب العشماوي، وحوله رجاله، لكنه وجد نفسه أمام لجنة قضائية ورسمية أثبتت قيامه بسحب وتجميع مياه العين وسرقة خطوط الري العامة طوال عقود!
صدر حكم قضائي وإداري عاجل بإلزام رجب العشماوي بدفع تعويض مالي ضخم لحسام عن الأضرار والسنوات التي فسدت فيها أرضه، مع فرض غرامة جنائية على العشماوي بتهمة تعطيل مجاري المياه الجوفية الوطنية.
النهاية:
تغيرت حياة حسام ونور بالكامل من ذلك اليوم.
سدد حسام ديون البنك بالكامل من مبلغ التعويض والإنتاج الزراعي الصافي، وأصبحت مزرعة "الصفا" واحدة من أخصب وأجود المزارع المنتجة للفواكه والخضراوات في محافظة الفيوم.
أما البقرة العجوز "سمرة"... فقد عاشت بكرامة ورعاية خاصة حتى أواخر أيامها، بعد أن كانت السبيل والسر الذي أعاد الحق لأصحابه وفك أسر المزرعة.
عاش حسام وابنته نور في دفء وأمان واستقرار تام، ورأسهما مرفوعة للسماء... متسائلين كيف تساق الأسباب البسيطة والنوايا الصافية لتدور الأيام، وينكشف الحق والظلم مهما طال دفنه تحت التراب للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋