رواية كاملة

لمحة نيوز

«البقرة  فضلت تبص لنفس عمود السور كل يوم… لحد ما الأب الأرمل حفر تحته واكتشف سر مدفون من سنين!»

أول مرة حسام عبدالرحمن لاحظ إن البقرة العجوز «سمرة» بتبعد عن القطيع، ما اهتمش.

البقرة كان عندها حوالي 19 سنة، يعني أكبر من ضعف عمر أغلب المواشي الموجودة في مزرعة الصفا، اللي كانت على أطراف الفيوم.

وكانت أصلًا ملك أبوه الله يرحمه.

بنت حسام، نور، كانت دايمًا بتهزر وتقول:

— يا بابا، سمرة دي عاشت هنا أكتر مننا… أكيد عارفة أسرار المزرعة كلها!

حسام كان بيضحك.

لكن في صباح من صباحات أغسطس، بعد ما الشمس طلعت بشوية، حصل شيء غريب.

سمرة خرجت من القطيع ومشيت ببطء ناحية الركن الشمالي الشرقي من الأرض.

وقفت قدام عمود خشب قديم من أعمدة السور.

العمود الرابع بعد شجرة توت كبيرة.

ووقفت.

لا أكلت.

ولا شربت.

ولا حتى بصت ناحية باقي البقر.

فضلت تبص للأرض تحت العمود.

نور كانت واقفة جنب أبوها وقالت:

— شكلها نسيت هي كانت رايحة فين.

حسام ضحك.

— ساعات أنا كمان بنسى أنا داخل المطبخ ليه.

لكن اليوم اللي بعده، سمرة عملت نفس الحاجة.

واليوم اللي بعده كمان.

وفي اليوم الخامس، حسام بطل يضحك.

لأن البقرة كانت كل صباح تروح لنفس المكان.

وتقف هناك من عشر لـ15 دقيقة.

وفي العصر ترجع تاني.

حتى لو باقي القطيع كله راح يدور على الضل، سمرة كانت تفضل واقفة قدام العمود.

وفي يوم المطر فيه نزل بغزارة، كل البقر جري ناحية الأشجار.

إلا سمرة.

فضلت مكانها.

حسام كان بيراقبها من تحت سقف الحظيرة.

وفجأة شافها ترفع رجلها الأمامية…

وتخبط الأرض خبطة واحدة.

وبعدين رجعت تبص لنفس النقطة.

هنا حسام بدأ يقلق.

خصوصًا إن مزرعة الصفا أصلًا كانت بتمر بأسوأ فترة في حياتها.

حسام كان عنده 39 سنة، وأرمل من ست سنين بعد وفاة مراته سلمى بمرض مفاجئ.

ومن يومها وهو بيربي نور لوحده.

ورث عن أبوه حوالي 55 فدان، و14 بقرة، وبيت ريفي قديم، وديون كفاية تخليه يفتكر مواعيد أقساط البنك من غير ما يبص في التقويم.

لكن أكبر مشكلة كانت في الجزء الشمالي الشرقي من الأرض.

من أربع سنين، المكان ده بقى بيجمع مية.

حتى في عز الصيف، التربة كانت بتفضل مبلولة.

العلف بيتعفن.

البقر رجله بتغوص في الطين.

وكل سنة مساحة الأرض اللي ما تنفعش للزراعة كانت بتزيد.

واحد مهندس من القاهرة عاين الأرض وقال له:

— محتاجين نظام صرف كامل.

— هيكلف كام؟

— حوالي 180 ألف جنيه.

حسام وقتها سكت.

لأنه ماكانش معاه حتى نص المبلغ.

والبنك كان بعت له إنذار أخير.

لو ما سدّدش قسطين متأخرين قبل ديسمبر، هيضطر يبيع جزء من الأرض.

وهنا كان جاره الحاج رجب العشماوي مستني الفرصة.

الحاج رجب كان عنده مزرعة أكبر من مزرعة حسام بكتير، وكل فترة يعرض عليه يشتري منه الجزء المبلول.

— بيع لي العشرين فدان اللي ورا دول يا حسام.

— مش عايز أبيع أرض أبويا.

— الأرض دي مش نافعة لك.

— حتى لو مش نافعة، مش هبيعها.

الحاج رجب ابتسم.

— الذكريات مش بتسد ديون يا حسام.

الجملة فضلت ترن في دماغه.

لكن اللي حسام ماكانش يعرفه إن جاره كان مهتم بالأرض دي أكتر مما بيقول.

وفي نفس الوقت، الحاج رجب لاحظ سمرة وهي واقفة قدام العمود.

ضحك وقال:

— البهايم لما تكبر بتخرف.

حسام رد:

— سمرة عمرها ما عملت حاجة غريبة.

— عندها 19 سنة يا راجل. يمكن افتكرت نفسها بتدور على بيتها القديم.

حسام حاول يقتنع.

لكن في يوم السبت، بعد ما نور راحت تزور صاحبتها، حسام مسك الجاروف ومشى ناحية العمود.

سمرة لحقته.

حسام بص لها وقال:

— طيب يا عجوزة… نشوف بقى إنتِ عايزة توريني إيه.

قعد جنب العمود.

الأرض حواليه كانت طرية جدًا.

لكن الغريب إن المكان ده بالذات كان مختلف.

التربة كانت ناشفة ومتماسكة.

وكأن حد دفن حاجة هنا من زمان.

حسام بدأ يحفر.

10 سنتي.

لحد ما الجاروف خبط في حاجة.

طَق!

حسام وقف.

بص تحت.

وحفر بإيده.

صوت المعدن كان واضح.

— إيه ده؟

شال شوية تراب زيادة.

ظهر قدامه ماسورة حديد قديمة، مغطاة بالصدأ.

حسام قرب منها.

كانت سميكة جدًا.

كمل حفر.

وبعد شوية ظهر جزء تاني متوصل بيها على شكل حرف T.

هنا اتسمر مكانه.

لأنه فجأة افتكر حاجة كان أبوه قالها له قبل ما يموت بسنين.

جملة وقتها ما فهمش معناها.

 

تم نسخ الرابط