رواية كاملة

لمحة نيوز

مراتي اتبرعتلي بكُليتها بعد 22 سنة جواز… وبعد 3 أيام سمعتني بقول لمراتي التانيه: البيت هيبقى بتاعك. لكن اللي عملته بعدها خلاني مش عارف أنطق

— والله العظيم يا ريتا، أول ما أخرج من هنا، البيت ده هيبقى بتاعك. سلوى ملهاش لازمة… دي بعد 22 سنة جواز بقت زي قطعة الأثاث، تحطها في حتة تفضل زي ما هي.

سلوى عبد الرحمن كانت واقفة ورا الستارة الخضرا اللي في أوضة زوجها الخاصة في مستشفى كبير في القاهرة، وسمعت كل كلمة.

حست إن حاجة جواها اتكسرت… بس المرة دي الوجع كان أقوى من وجع العملية نفسها.

من تلات أيام بس، كانت داخلة غرفة العمليات عشان تتبرع بكُليتها لجوزها، حاتم منصور، راجل عنده 60 سنة، صاحب شركة مقاولات، ومن حوالي سنة تقريبًا وهو رايح جاي على جلسات الغسيل الكلوي.

سلوى كانت عندها 58 سنة، واشتغلت مدرسة ابتدائي أكتر من تلاتين سنة.

وأول ما الدكاترة قالوا لهم إن التحاليل أثبتت إنهم متوافقين، ما اترددتش لحظة.

كانت شايفة إن ده جوزها… عشرة عمرها… والراجل اللي عاشت معاه 22 سنة.

لكن حاتم كان متردد.

مش عشان خايف عليها.

لسبب تاني خالص.

— يا ريتا، افهميني بقى… البيت بتاع مدينة نصر مكتوب باسم سلوى، بس أنا هتصرف. المحامي بتاعي يظبط موضوع التنازل وخلاص.

سلوى كانت سامعة من ورا الستارة، وقلبها بيدق بهدوء غريب.

— البيت تلات أدوار، وجنينته كبيرة، وجراج يسع عربيتين… ده أقل حاجة تستاهليها بعد السنتين اللي استحملتيهم معايا.

سلوى بصت لإيدها الشمال.

الدبلة كانت واسعة عليها بسبب إنها خسّت كتير الفترة الأخيرة.

خلعتها بمنتهى الهدوء وحطتها فوق ترابيزة الأدوية.

ومن الناحية التانية، سمعت جوزها بيضحك، وبعدها ضحكته اتحولت لتأوه من الألم.

— ضميري؟ أعمل إيه يعني؟ هي اللي اختارت تديني الكُلية. سلوى طول عمرها عايشة عشان تخدمني وتراعيني. دي أصلًا مبتعرفش تعمل حاجة غير كده.

سلوى ما عيطتش.

ولا حتى شهقت.

كأن عقلها فجأة فصل مشاعرها كلها.

الساعة كانت عشرة الصبح لما دخلت الممرضة نجلاء تقيس لها الضغط.

— حمد لله على سلامتك يا مدام سلوى. حاسة بإيه دلوقتي؟

سلوى بصتلها وقالت بهدوء:

— عايزة هدومي… وقلم وورقة لو سمحتي.

الممرضة استغربت، لكنها جابت لها اللي طلبته.

بعدها سلوى طلبت تكلم الدكتور اللي كان متابع حالتها، الدكتور كريم.

— أنا عايزة أكتب خروج على مسؤوليتي.

الدكتور اتفاجئ.

— خروج؟! دلوقتي؟ ده لسه تالت يوم بعد العملية!

حاول يقنعها إنها تستنى. شرح لها إن جسمها لسه بيتعافى، وإن لازم يتابعوا وظائف الكُلى، ونسبة الكرياتينين، والضغط، والجرح، وأي حرارة أو مضاعفات ممكن تحصل.

سلوى سمعته للآخر من غير ما تقاطعه.

وبعدين قالت:

— كُلية حاتم اشتغلت؟

الدكتور هز راسه.

— من أول ساعة بعد العملية، والحمد لله المؤشرات كويسة جدًا.

سلوى أخدت نفس طويل وقالت:

— خلاص… أنا عملت اللي عليا.

قبل ما تخرج، دخلت أوضة حاتم.

كان نايم، وتليفونه محطوط على صدره.

وقفت تبص له ثواني.

22 سنة من عمرها كانوا قدام عينيها.

أيام حلوة… وأيام صعبة… خناقات… مرض… وقفة جنب بعض… وكل حاجة كانت فاكرة إنها اسمها "جواز".

مدت إيدها بهدوء، وطلعت الدبلة اللي كانت حاطاها في جيبها.

وحطتها فوق ساعته.

ما سابتش ورقة.

ما كتبتش كلمة.

وخرجت.

في نفس اليوم، رجعت لوحدها على بيتها في مدينة نصر.

كانت لسه بتتحرك بصعوبة، وإيدها أوقات كانت بتروح تلقائيًا ناحية جنبها مكان الجرح.

فتحت الدولاب.

طلعت صور أبوها وأمها.

لمّت شوية ورق مهم.

خدت علبة فيها جوابين قدام كانت محتفظة بيهم من سنين.

وبعدين حطت في شنطتها ظرف أبيض من عيادة خاصة، كانت مخبياه من شهر ديسمبر.

ما لمستش هدوم حاتم.

ولا عفشته.

ولا حتى حاجاته الشخصية.

كأنها كانت بتقول لنفسها:

"أنا مش هاخد منك حاجة… بس كمان مش هسيب لك حاجة تخصني."

الساعة كانت حوالي تمانية ونص بالليل لما قفلت باب الشقة وراها.

نزلت السلم على مهَل، ووقفت شوية قدام العمارة.

رفعت عينيها ناحية الشبابيك.

البيت اللي عاشت فيه 22 سنة.

البيت اللي كانت فاكرة إنه أمانها.

واللي جوزها كان ناوي يديه لضرتها.

 

تم نسخ الرابط