رواية كاملة
من شنطتها القماشية القديمة محفظة جلدية متهالكة، وسحبت منها ورقة مطوية مطوية عشرات المرات حتى كادت تتقرأ من الأطراف.
فتحتها ومدتها إليّ.
كانت إيصال سداد بنكي... باسمي واسمها.
بتاريخ اليوم التالي لطردي لها من البيت.
وقالت جملتها الصادمة الثانية
المبلغ اللي كان في الحساب... ال ٢٥ ألف دولار يا فيكتور... مكنتش أنا اللي أخدتهم. أمك هي اللي سحبتهم بالتوكيل اللي كان معاها من حسابنا المشترك يوم ما طردتني.
الفصل الثاني الظرف المغلق والسر المنسي
شعرت وكأن الأرض تتحرك تحت قدمي.
أمي؟! أمي هي اللي سحبت الفلوس؟!
أومأت ماريان برأسها
يوم ما طردتني بالليل من غير مليم في جبيبي، وأنا حامل في الشهر الثاني، ورحت قعدت في ملجأ للستات، صحيت الصبح ورحت البنك عشان أسحب نص المبلغ المشترك عشان ألاقي مكان أعيش فيه وأتابّع مع دكتور. البنك قالي إن الحساب اتصفر بالكامل من ساعة واحدة... بتوقيع والدتك.
الدم بدأ يغلي في عروقي. تذكرت اليوم الذي جاءت فيه أمي إلى شقتي وأخبرتني فيه ببكاء مزيف القتالة هربت وسحبت الفلوس كلها من البنك وسابتلك الحساب فاضي!
ولأني كنت أعمى بالغل والكبرياء، لم أذهب للبنك، لم أطلب كشف حساب، ولم أفكر حتى في مراجعة التوقيعات!
سألتها بصوت يرتجف
والظرف يا ماريان؟ الظرف اللي سبتيهولي قبل ما تمشي وقلتِ لي اقراه؟ كان فيه إيه؟
نظرت ماريان إلى السماء، ثم التقت عينها بعيني، وقالت بصوت مليء بالحزن
الظرف كان فيه تقرير المحامي اللي شفتني واقفة معاه في الصورة... المحامي ده كان من مركز حماية الأسرة، وكان التقرير بيثبت إن أمك كانت بتيجي ورانا في الشركة وتشتكي لرؤسائي في الشغل إني ست غير مضبوطة عشان يطردوني! وكان فيه كمان التحليل الطبي الأول للجنين، وتقرير البصمة الوراثية المبكر اللي بيأكد إن الحمل ده منك أنت بس.
ثم أضافت بنبرة أحرقت ما تبقى من كرامتي
لكن أنت ما فتحتش الظرف يا فيكتور. أنت أديته لأمك... وأمك حرقته قدام عينك وقالتلك دي ورقة تنازل مزورة.
تذكرت ذلك الموقف! نعم! أمي أخذت الظرف مني وهي تقول سيبلي الورق ده يا بني أنا هحفظهولك عشان المحامين! وفي نفس الليلة، أحرقت الأوراق في المدفأة وزعمت أنها كانت مجرد كذبة أخرى من ماريان!
سقطتُ على الأرض مرة أخرى. كيف كنت بهذا الغباء؟ كيف أغمضت عيني وسلّمت عقلي وقلبي لأمي لتصيغ لي واقعاً مزيفاً دمر حياة ز زوجتي وابنتي؟!
قربت من ماريان، صرخت بتوسل
سامحيني يا ماريان... أنا كنت غبي! كنت مخدوع! أرجوكِ تديني فرصة أصلح كل حاجة! أنا معايا فلوس، شغلي اتحسن، هعوضك أنتِ وصوفيا عن كل يوم برد وعذاب!
ابتعدت ماريان خطوة للخلف، ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسى وقالت
الفلوس مش هتصلح حاجة يا فيكتور... الفلوس مش هترجع الأيام اللي صوفيا كانت بتعيط فيها من السخونية وما معيش ثمن دوا الحرارة. الفلوس مش هتمحي ليالي الخوف اللي قضيتها في الملاجئ وأنا خايفة أمك تتوصل مكاننا وتاخد البنت مني!
سكتت لحظة، ثم التفتت نحو باب الكنيسة وأكملت بصوت خافض
والأهم من ده كله... السر الأخير اللي أنت ما تعرفوش.
توقفت أنفاسي.
سر إيه يا ماريان؟
قالت بجمود
صوفيا... عندها ثقب ممتد في الشريان الأورطي في القلب يا فيكتور. محتاجة عملية جراحية عاجلة خلال أسبوعين، أو قلبها الصغير مش هيتحمل.
الفصل الثالث مواجهة الشياطين
كانت الشوارع مظلمة وأنا أقود سيارتي بسرعة جنونية متجهاً إلى بيت أمي.
المطر كان يضرب الزجاج الأمامي، لكن النار التي كانت تتأكل صدري كانت أشد حرارة من أي لهب.
خلال الأربع سنوات الماضية، كانت أمي تعيش معي في شقة كبيرة، تتصرف وكأنها الضحية التي ضحت بحياتها من أجلي، تذلني بين الحين والآخر بذكر الخائنة ماريان، وتزنّ على أذني لأتزوج من ابنة إحدى صديقاتها الغنيات.
فتحت باب البيت بعنف جعل الجدران تهتز.
كانت أمي تجلس في الصالة، تشرب الشاي وتتابع التلفزيون بدفء وراحة.
رفعت رأسها بخوف من صوت الباب
فيكتور؟! في إيه يا بني دخلتك دي؟ مال هدومك مبلولة كده ليه؟!
تقدمت نحوها بخطوات ثقيلة، أخرجت هاتفي ورميته على الطاولة أمامه.
كانت على الشاشة صورة صوفيا... بملامحي، بعينيّ، بابتسامتها المكسورة.
سألتها بصوت خفيض ومرعب
مين دي يا أمي؟
أمي نظرت للشاشة، ثم ارتبكت لثانية، ولكن سرعان ما عادت لملامح الجمود والإنكار
دي... دي بنت مين دي؟ أنا أعرف منين؟
صرخت بكل ما أوتيت من قوة حتى اهتزت الثريا في السقف
دي صوفيا!! بنتي من ماريان! البنت اللي قلتِ لي إن ماريان نزلتها! البنت اللي سبتوها تأكل من طوابير الإطعام في البرد وأنتِ قاعدة هنا قدام الدفاية!!
قامت أمي من مكانها وبدأت تصرخ هي الأخرى
أنت رجعت تتكلم مع القتالة دي تاني؟! البت دي مش بنتك! دي جايباها من الشارع عشان تبتزك وتاخد فلوسك!
سحبت من جيبي إيصال البنك القديم، والنسخة المطبوعة من حركة الحساب التي أخرجتها من البنك بالهاتف قبل صعودي للشقة.
رميتها في وجهها
ال ٢٥ ألف دولار يا أمي! ال ٢٥ ألف دولار بتوع بيتنا وتحويشة عمرنا اللي سحبتيهم بتوقيعك من البنك يوم ما طردتي ماريان وشهدتي عليها زور إنها سرقتهم!!
تجمّدت أمي في مكانها.
سقطت كوب الشاي من يدها وتناثرت القطع على السجاد.
شحب وجهها تماماً، ولم تجد كلمة واحدة تقولها. الإنكار لم يعد ممكناً.
جلست على الكرسي وهي ترتعد، وقالت بنبرة ملؤها الأنانية القاتلة
أنا... أنا