رواية كاملة

لمحة نيوز

بصوت واطي جداً، صدمتي شلت قدرتي على الزعيق
أنت كنت عارف قبل ما نكتب الكتاب بشهرين؟!
طارق مرفعش راسه، فضل باصص في الأرض، ودموعه بدأت تنزل في صمت يقطع القلب.
الدكتورة ميار دي مش دكتورتك أنت..
قولت وأنا بفرز الورق
دي استشارية العقم اللي كانت بتتابع التحاليل الهرمونية بتاعتك بعد جلسات الإشعاع؟
الدكتورة ميار ردت بصوت حنين
مظبوط يا ياسمين. الورم مأثر على مراكز التحكم الهرموني كلها في المخ، وكان مسببله مشاكل خلت فرص الإنجاب عنده شبه مستحيلة في وضعه الحالي غير لو الورم ده اتشال بعملية جراحية دقيقة جداً في قاع الجمجمة. والفلوس دي كانت حجز غرفة العمليات وفريق جراحة المخ والأعصاب المشترك مع حالته.
بصيت لطارق.. الراجل اللي كنت مفكراه مستهتر، اللي كنت فاكراه عيل مش قادر يفطم نفسه من أمه، أو خاېن متجوز عليا في السر..
طلع راجل شايل جبل على ضهره لوحده، خاېف ينهار، وخاېف يخسر كل حاجة.
ليه يا طارق؟
سألته ودموعي بدأت

تنزل ڠصب عني
ليه خبيت عليا؟ وليه كملت الجواز وأنت عارف؟ وليه كل يوم تكدب وتقول رايح لأمك؟!
رفع وشه وبصلي، كانت عينيه حمرة زي الډم، وشكله كبر عشر سنين في دقايق
عشان كنت جبان!
قالها بصوت مبحوح
كنت مړعوپ.. يوم ما عملت التحاليل قبل الفرح وعرفت بموضوع الورم، الدنيا ضلمت في وشي. الدكتور ساعتها قالي الورم حميد وصغير وممكن يتعالج بإشعاع مكثف ومتحتاجش جراحة، قولت لنفسي مش هبوظ فرحة عمري وفرحتك وفرحة أمي، هتعالج في السر والموضوع هيخلص وخلاص.
مسح وشه بكف إيده وكمل
اتجوزتك وأنا بتمنى معجزة، بس العلاج مجابش نتيجة.. بالعكس، الورم بدأ يكبر، وبدأ يضغط على عيني، مبقتش بشوف كويس، والصداع كان بيخليني أهاتي بالليل وأنا عامل نفسي نايم. كنت بخرج كل يوم الضهر، أقولك رايح لماما عشان أنزل أعمل جلسات وأتابع هنا وأنا عارف إنك في الشغل ومامتك في بيتها ومحدش هيحس بيا.
وأمك؟!
سألته بحړقة
مامتك اللي كنت واخدها ستار؟! مدخلتهاش في وجعك ليه؟
ضحك ضحكة يائسة وموجوعة
أمي ضغطها بيعلى من أقل خبر، وأبويا ماټ بنفس المړض من عشر سنين قدام عينيها.. لو كانت عرفت إن ابنها الوحيد عنده ورم في دماغه كانت ماټت فيها قبل ما أدخل العمليات! كنت بستخبى ورا اسمها عشان عارف إن محدش هيشك.. مين هيشك في راجل رايح ياكل من إيد أمه؟!
الأوضة ڠرقت في صمت تقيل.
كنت حاسة بمشاعر متلخبطة بطريقة متتوصفش؛ ڠضب أعمى من كدبه وأنانيته إنه دخلني معاه في طريق مجهول من غير إذني، وۏجع وحزن يقطعوا القلب على ضعفه وحمله اللي شاله لوحده.
قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
طارق.. العملية دي نسب نجاحها إيه؟
طارق بص للدكتورة ميار ومردش.
الدكتورة اتنهدت وقالت
العملية دقيقة جداً يا ياسمين، نسبة نجاحها 60 لإزالة الورم بدون مضاعفات على العصب البصري، بس لو اتأخرت أكتر من كده.. النسبة بتقل والمخاطر بتزيد.
مسكت إيد طارق.. كانت ساقعة متلجة.
ميعاد العملية امتى بالظبط؟
طارق بصلي بذهول، كأنه مكنش متوقع رد فعلي ده
التلات الجاي.. الصبح بدري.
وكنت ناوي تعمل إيه ساعتها؟ كنت هتقولي مسافر مؤتمر تبع الشركة برضه؟!
سألته بعتاب حاد بس جواه حنية الزوجة اللي حست بالخطړ على جوزها.
نكس راسه ومردش.
خلاص يا طارق.. الفيلم ده خلص لحد هنا.
قولتها وأنا بمسح دموعي وبقف
هتروح معايا البيت دلوقتي، ومفيش خروج ولا كدب تاني. وأمك هتعرف.
طارق اتفزع وقام وقف
لا يا ياسمين! أمي لا! أبوس إيدك، أمي لو عرفت هتتكسر!
أمك لازم تعرف عشان تدعيلك، وعشان هي أمك وليها حق عليك زي ما أنا ليا حق.. بس مش هنقولها كل حاجة تخضها، هنفهمها إنها عملية بسيطة لإزالة كيس دهني ضاغط على عصب، وأنا اللي هبقى معاك خطوة بخطوة.
بصلي وهو مش مصدق، عينيه لمعت بنظرة امتنان مخلوطة بندم حقيقي
أنتي.. أنتي مش زعلانة مني يا ياسمين؟ بعد كل اللي عملته؟
بصيتله بجمود وحزم
أنا زعلانة منك لدرجة مش قادرة أوصفهالك يا طارق، ومصډومة فيك إنك استغفلتني وحرمتني من حقي إني أختار، وخليتني أشك في نفسي وفي بيتي.. بس حسابنا ده بعدين، لما تخرج من أوضة العمليات دي سليم وواقف على رجليك، ساعتها هحاسبك على كل كدبة قولتها، من أول شوربة العدس لحد انهارده!
رجعنا البيت، والجو كان تقيل، بس على الأقل الحقيقة مكنتش مستخبية في الضلمة.
طارق كان مستسلم تماماً، التوتر اللي كان عايش فيه شهور اتفك، وقعد على السرير ونام لأول مرة من غير ما

يتقلب، كأنه كان مستني حد يكتشف سره ويريح باله.
أنا منمتش..
فضلت قاعدة في الصالة، باصة للورق وللتحاليل، وبحاول أستجمع قوتي للي جاي.
الساعة كانت تمانية الصبح لما قررت أتصل بطنط نادية عشان أمهدلها الموضوع قبل ما ترجع من إسكندرية.
مسكت التليفون وطلبت رقمها..
الخط رن مرتين، وتلاتة، وبعدين فتحت
ألو.. ياسمين يا بنتي؟ صباح الخير.
صباح النور يا طنط.. حمد الله على سلامتك، وصلتي بالسلامة؟
صوت طنط نادية كان فيه نبرة غريبة، مش زي عادتها، نبرة باردة ومرتبكة
أه يا بنتي، وصلت بالليل متأخر.. خير، في حاجة؟ طارق كويس؟
طارق نايم يا طنط، بس كنت حابة أقول لحضرتك على موضوع كده بخصوص...
وقبل ما أكمل كلامي، سمعت صوت راجل في الخلفية عندها في التليفون.. صوت كان عالي كفاية ومألوف جداً لدرجة خلتني أتجمد في مكاني!
الصوت كان بيقول
يا نادية، متنسيش الدوا بتاعك، وخليكي فاكرة إن الورق لازم يتبعت للمحامي قبل يوم التلات عشان نضمن إن طارق ميكتبش الشقة باسمها قبل ما يدخل العمليات!
التليفون وقع من إيدي على السجادة..
طنين فظيع ملى وداني، وعيني وسعت من الصدمة.
طنط نادية.. حماتي.. كانت عارفة بموضوع العملية من البداية؟!
وكانت متفقة مع حد يضمنوا بيه الشقة والورث قبل ما يدخل العمليات؟!
بصيت ناحية باب الأوضة اللي طارق نايم فيها زي القتيل، وحسيت إن الأرض بتسحبني لتحت..
الكدبة مطلعتش كدبة طارق لوحده، دي كانت مؤامرة عيلة كاملة، واللي جاي مكنش بس معركة مع مرض، ده كان فخ معمول بحساب ومستني لحظة الصفر!
الفصل الأخير الحساب.. وسقوط الأقنعة
التليفون فضل مرمي على السجادة، وصوت طنط نادية طالع منه مخڼوق ومكتوم وهي بتنادي ألو؟ ياسمين؟ سامعاني يا بنتي؟ الو؟
فضلت باصة للشاشة المنورة وهي بتطفي ببطء، وحسيت فجأة إن الهوا في الشقة بقى سخن وخانق زي السم. الراجل اللي كان بيتكلم في الخلفية.. الصوت ده أنا حفظاه ومستحيل أتلخبط فيه ده عماد، خال طارق والوصي على كل صغيرة وكبيرة في أملاك العيلة، الراجل اللي كان دايماً في قعدة كتب الكتاب باصصلي بتعالي كأني جاية أطمع في فلوسهم.
يعني الحكاية مش راجل تعبان شايل همه لوحده ومړعوپ على مشاعر أمه؟
الحكاية إن أمه وخاله عارفين كل تفصيلة، عارفين إنه داخل عملية دقيقة بين الحياة والمۏت، وبدل ما كل همهم يكون سلامته ودعواتهم ليه، كان همهم الأول والأخير الورق.. الشقة.. وحقي أنا كزوجة!
وطارق؟ يا ترى طارق كان شريك في خطتهم الحقېرة دي عشان يحميني من الورث زي ما هما فاكرين؟ ولا هو كان الكارت الخسران في لعبة أمه وخاله، ومستغفلينه زي ما استغفلني؟
وطيت، شيلت التليفون بهدوء مرعب، قفلته خالص، وحطيته في جيبي.
دخلت الحمام، غسلت وشي بمية متلجة، وبصيت لنفسي في المراية. الست الطيبة، الساذجة، اللي كانت پتبكي من ساعة بس على مرض جوزها، ماټت ورا الباب ده. دلوقتي مفيش غير واحدة لازم تفرز الأبيض من الأسود، وتحمي كرامتها وحقها وسط عصابة متنكرة في شكل أهل.
خرجت من الحمام، لقيت طارق صحي من النوم، قاعد على طرف السرير، ماسك راسه من الصداع، وباصصلي بعينين فيها نظرة استسلام غريبة.
صباح الخير يا ياسمين..
قالها بصوت مبحوح.
قعدت على الكرسي اللي قدامه، وشبكت إيديا في بعض
صباح النور يا طارق. الصداع خف شوية؟
هز راسه بنفي
تقيل أوي النهاردة.. بس الحمد لله على كل حال. أنا فكرت في كل كلمة قولتيها امبارح، وعارف إني ظلمتك، ونفسي أصلح أي حاجة قبل ما
تم نسخ الرابط