رواية كاملة
بل عن نشرة أخبار تخص دولة أخرى.
السبب لم يكن برود أعصاب ولا استسلامًا للامر الواقع، بل لأنني قبلها بساعتين فقط، كنت قد عثرت على المفتاح الذي سيحرق هذه المسرحية من أساسها. كنت أعرف سرًا، لو خرج للعلن، فلن يقلب حياة داليا رأسًا على عقب فحسب، بل سيحولها إلى چحيم مستعر، ويهدم الأقنعة التي ارتدتها لشهور طويلة لتخدع بها حماتي الساذجة.
الفصل الثاني نجمة البيت المزيفة
منذ ۏفاة سلفي ماهر، الحاډث الأليم الذي هز العائلة وألقى بظلاله الحزينة على جدران المنزل، تحولت داليا بين ليلة وضحاها إلى أيقونة للوفاء والټضحية. كانت النجمة المطلقة للبيت بلا منازع.
الست المكلومة، الشابة التي فقدت زوجها في مقتبل العمر، والتي لطالما لعبت على وتر العاطفة ببراعة منقطع النظير. كلما فاتحها أحد أفراد العائلة بموضوع العودة إلى بيت أهلها لتأخذ نصيبها من الراحة أو تبدأ حياة جديدة، كانت تجهش بالبكاء الشديد وتصرخ بصوت ممزوج بالشهقات
أبني! أبني لازم يتربى وسط أهل أبوه، عشان يفضل حاسس إن أبوه لسه عايش حواليه! أنا مستحيل أرمي طفل البرئ ده للغربة!
كان هذا الكلام يلامس أوتار قلب حماتي الحساسة مباشرة، وينفذ إلى عقول الجميع كأنه آيات مقدسة. لدرجة أن حماتي كانت تردد في كل مناسبة وغير مناسبة أمام الجيران والأقارب
ربنا عوضني في مرات ابني داليا.. الزمن ده مبقاش فيه ستات بالجدعنة والوفاء ده، دي قاعدة على ريحة ابنها ومش عاوزة الدنيا.
في المقابل، كنت أنا، التي قضيت سبع سنوات كاملة في هذا البيت أخدم، أطبخ، أنظف، أحمل هموم الكبير والصغير، وأتحرك كالخلية لا أهدأ، فجأة هبطت أسهمي لأصبح مجرد تفصيلة هامشية في ديكور المنزل، كقطعة أثاث قديمة لا يلتفت إليها أحد.
كنت أستيقظ قبل الفجر وأنام بعد الجميع، ومع ذلك، لم أكن سوى الزوجة التقليدية التي تفعل واجبها المفروض، بينما داليا هي القديسة التي تستحق التماجيل.
في البداية، والله العظيم، كنت مصدقة لكل ما تفعله. كنت أتعاطف معها بعمق، وربما كنت في بعض الأحيان أدافع عنها بستماتة عندما يلمح أحد الأقارب بضرورة زواجها مستقبلاً لصغر سنها. كنت أقول لهم إنها مكلومة وأن الچرح لم يلتئم بعد. كنت أرجع إلى غرفتي مساءً وأحدث نفسي قائلة
يا بنتي حرام، البنت مکسورة ومخلصة لجوزها، وربنا هيعوض صبرها خير.
لكن السمات الصغيرة لا تخفى على عين الأنثى الفطنة. مع مرور الوقت، بدأت تلك التفاصيل الدقيقة تتراكم وتثير الريبة في صدري.
الفصل الثالث خيوط العنكبوت والستارة المهتزة
الشكوك لم تأتِ دفعة واحدة، بل تسللت إلى روحي ببطء عبر مواقف بدت تافهة لمن يراها من الخارج، لكنها بالنسبة لي كانت تدق جرس الإنذار
1. توقيت النزول العجيب كلما عاد كريم زوجي من العمل ودخل من باب العكان، كانت داليا تنزل من غرفتها العلوية في نفس اللحظة تقريبًا. مرة كنت واقفة في البلكونة أتأهب لاستقباله، فرأيتها تزيح الستارة ببطء وتراقب الباب قبل وصوله بعشر دقائق كاملة. وما إن سمعت صوت المفتاح في الباب حتى هرولت نازلة، ووقفت عند الممر تقول ببراءة مصنوعة إنها كانت تنزل لتشرب ماءً، رغم أن زجاجة الماء كانت تملأ غرفتها طوال اليوم.
2. اختراق المساحات الخاصة لو كنت أعد الأكلة المفضلة لكريم، كانت تظهر فجأة وتتطوع للمساعدة بلهفة مبالغ فيها. لو كنت أجهز الشاي، تقول فورًا إنها ستصنعه بنفسها لتريحه. وإذا جلست معه أتحدث في أمر يخص بيتنا، تظهر من العدم وتسحب أطراف الحديث وتوجهه نحوها وكأنها صاحبة البيت وربته. الغريب العجيب أنها لم تعرض قط أن تساعدني في مسح، أو غسيل، أو ترتيب فوضى المنزل، كأن اهتمامها كله موجه نحو محور واحد فقط زوجي كريم.
3. مفاجأة المراية الصغيرة في ليلة متأخرة، دخلت المطبخ لأشرب ماءً، فوجدتها واقفة أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب الثلاجة، تضع روجًا خفيفًا للغاية على شفتيها. وحين رأتني، ارتبكت ارتباكًا شديدًا، ومسحته پعنف بظهر يدها، وقالت بصوت متقطع إنها كانت تجرب علبة مكياج قديمة وجدتها في قاع حقيبتها. يومها، صدقتها أو رغبت في تصديقها هربًا من فتح باب للمشاكل لا طاقة لي به.
لكن تلك الليلة المشؤومة التي جمعتنا حماتي على العشاء، كانت هي نقطة التحول الكبرى، الليلة التي سقطت فيها كل الأقنعة دفعة واحدة.
الفصل الرابع الرسالة الخاطئة والسر المدفون
قبل العشاء بساعتين، كنت في غرفتي أراجع بعض الحسابات المنزلية على هاتفي، وإذا بإشعار رسالة يصلني على تطبيق التراص الفوري. فتحت الهاتف لأجد رسالة نصية مطولة، مرسلة من رقم داليا، لكنها لم تكن موجهة لي، بل كانت مرسلة بالخطأ.
نص الرسالة كان كفيلًا بأن يزلزل الأرض تحت أقدامي، ويحول دمي إلى جليد في عروقي
يا عمري، خلاص حماتي قربت تقتنع تمامًا بموضوع جوازي من كريم. هي اللي فتحت الموضوع النهاردة على العشا عشان تضمن إن الولد يفضل في البيت. كريم خاېف ومش قادر ينطق، وأول ما تتم الفاتحة، البيت كله هيبقى في ايدينا، وهنطرد الباردة دي برة. استعد كلها أيام وتبقى ملكي يا شادي.
شادي!
اسم ترددت صداه في عقلي كدوي الرعد. شادي، الشاب الذي كان يعمل مع الراحل ماهر، والذي كان يتردد على البيت أحياناً تحت غطاء مساعدة العائلة ومواساة الأرملة!
لقد قرأت الرسالة مرتين وثلاث مرات لأتأكد أنني
لا أحلم. المرأة التي تبكي ليل نهار على