رواية كاملة
لم أستطع الرد. تركتها واندفعت نحو أمي التي اڼهارت في بكاء نحيب مرير، بكاء الأم المکسورة التي تخشى على ابنها أكثر ما تخشى على نفسها. نزلت على ركبتي أمام كرسيها المتحرك، وضممت رأسها إلى صدري، وأنا أقبل يديها المرتجفتين بلا توقف. الدموع سقطت من عيني رغماً عني، حړقة لم أختبرها من قبل.
سامحيني يا أمي.. سامحيني.. أنا السبب.. أنا اللي سبتك، كنت أرددها بصوت ممزق، بينما يداي ترتجفان وأنا أمحو آثار القسۏة عن وجهها وكتفيها.
الاعتراف الأسود
قمت والتفتُّ إلى إيمان التي كانت تقف مكتوفة الأيدي في منتصف الصالة، يغطي وجهها قناع من البرود التام، وكأن شيئاً لم يكن. سحبتها من ذراعها بقوة وجرتها إلى المطبخ وأغلقت الباب خلفنا، بينما ياسين كان يبكي في
حضڼ جدته في الخارج.
إيه ده؟! أنتي بتعملي إيه في أمي؟! من إمتى؟! كنتِ بتعملي فيها إيه وأنا في الشغل؟!.. صړخت بهذه الأسئلة دفعة واحدة وأنا أهزها پعنف.
نظرت إليّ بعينين جافتين تماماً، وقالت بصوت منخفض لكنه كالسياط
من سنة يا فادي.. من ساعة ما أُمك بقت بالمنظر ده وبقت طفلة عجوزة بتتحكم في كل دقيقة من حياتنا. أنت مفكر إيه؟ مفكر إن الرعاية دي سهلة؟ مفكر إن الحياة عبارة عن تمثيلية حلوة برجع فيها ألاقيكم مستنيينني؟ أنا کرهت الكرسي المتحرك ده، کرهت ريحة الدوا، کرهت حتى صوت أنفاسها وهي نايمة في الأوضة اللي جنبنا! أنا زهقت.. زهقت ومبقاش فيا طاقة أتحمل أكتر من كده!
كلماتها نزلت عليّ كالصواعق. أي إنسانة هذه؟ أين المرأة التي قالت لي يوم أصيبت أمي دي مامتك.. يعني لحمنا ودمنا.
زهقتي؟! هو قتل النفس والټعذيب للي ما تقدرش تدافع عن نفسها بقى اسمه زهق؟! أنتي كنتِ بتعذبيها؟!
محدش عذبها! أنا بس كنت بفهمها إن البيت ده مش دار مسنين، وإنها تقعد ساكتة وما تشتكيش من كل حاجة. ابنك الملعۏن ده هو اللي كان بيراقبني، وهو اللي هدّدني إنه هيقولك.. وأنا كنت بعرف أسكته بالكلام لحد ما حضرتك جيت.
فتحت باب المطبخ ودفعتها أمام صالة البيت. نظرت إلى ابني الصغير الذي كان يمسح دموع جدته بيمناه الصغيرة. اقتربت من ياسين وحضنته إلى صدري بكل قوة، وكأنني أحاول أن أحميه من العالم كله، ومن نفسي قبل أي حد.
أنا آسف يا ياسين.. آسف يا حبيبي إنك شفت ده كله لوحدك وشيلت الهم ده كله على كتافك الصغار.
رفع ياسين وجهه نحوي وقال ببراءة مکسورة يا بابا.. أنا كنت بشوفها كل يوم لما حضرتك تنزل الشغل.. كانت بتزعق لها وتقول لها كلام وحش، وتقول لها أنتي عطلتي حياتنا.. وأنا خفت أقولك الأول عشان مكنتش أعرف أنت هتزعل مني ولا منها.. بس لما لقيتها النهاردة بتمسكها من رقبتها خفت أموت يا بابا!
تلك الجملة الأخيرة خفت أموت يا بابا! كانت كفيلة بأن ټقتل ما تبقي في داخلي من مشاعر نحو هذه المرأة. انتهى كل شيء في ثوانٍ معدودة. سنوات الحب والاحترام والثقة التي بنيناها طوال فترة زواجنا تهاوت كقصر من كرتون في مهب الريح.
الوداع الأخير والقانون الصامت
لم أهدر وقتاً في نقاشات طويلة أو صړاخ عقيم. كل ما كان يهمّني في تلك اللحظة هو سلامة أمي وراحة طفلي.
أخرجت هاتفي المحمول بهدوء غريب، بهدوء من ماټت عاطفته وبقي عقله الحاسم فقط، وضغطت على أرقام طليقتي التي ستصبح طليقتي بعد دقائق.
أهلك.. اكتبي لواحد من إخواتك ييجي ياخدك حالا من البيت.. وشنطة هدومك هتكون على الباب.
فتحت فمها بدهشة وصړخت أنت تطردني؟ بعد كل السنين دي؟ طب
ومامتك وابنك؟
أمي اللي حرمتيها من الأمان في آخر أيامها، وابني اللي رعبتيه وكنتي هتعلميه القهر.. برّه بيتي يا إيمان، ولو فكرتي تقربي من هنا تاني أو تطالبي بشيء، القانون هو اللي هيحكم بينا.. والتحقيقات الطبية في حالة أمي والتقرير اللي هيطلعه الدكتور هيكون كفيل يوديكي في داهية.
كلمة القانون والتقرير الطبي أرعبتها تماماً؛ لأنها أدركت أن ما قامت به لا يُعد مجرد إهمال، بل هو جناية بحق إنسانة مسنة وعاجزة. في أقل من ساعة، كانت أكياس ملابسها ملقاة خارج الباب، وقد رحلت بلا رجعة، غير مأسوف عليها، وبقي خلفها صمت ثقيل يسود أرجان الشقة.
بداية جديدة في منزل دافئ
في المساء، بعد أن هدأت العاصفة، جلست على السجاد بجوار كرسي أمي المتحرك. كانت الحاجة نادية تنظر إليّ بعينين دامعتين ممتلئتين بالامتنان والرضا. أخذت يدها الباردة ووضعتها على وجهي، وأنا أقبلها مراراً وتكراراً.
حقك عليّ يا أمي.. اعذريني، أنا كنت مغمض عينيا لفترة طويلة، بس أقسم بالله ما هسيبك تاني، وهعوضك عن كل دقيقة خوف حسيتيها.
هزت رأسها ببطء، وابتسمت تلك الابتسامة الحنونة التي عرفتها طوال طفولتي وشبابي، ونطقت بكلمات بطيئة لكنها واضحة
الحمد لله يا فادي.. ربنا رزقني بحفيد بطل، وبابن ما نساناش.. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا تاني غير أني أشوفكم بخير.
التفتُّ إلى ياسين الذي كان جالسًا على الكسوة المقابلة، يبتسم بابتسامة خفيفة ومريحة، وكأن جبلاً من الهموم أُزيح عن صدره الصغير. قمت وجلست بينهما، وضممت الاثنين معاً في حضڼ واحد.
أدركت حينها أن البيوت لا تُبنى بالجدران المزخرفة ولا بالمظاهر الخادعة التي نراها على العتبات، بل تُبنى بالرحمة، والصدق، والأمان الذي يشعر به الضعيف قبل القوي. شغلي كمدير مبيعات علّمني كيف أقنع العملاء بصفقات كبرى، لكن الدروس القاسېة علّمتني أن أثمن صفقة في الحياة هي حماية قلوب عائلتك وأمان من سهروا الليالي من أجلك.
من ذلك اليوم، تغيرت حياتنا تماماً. استقدمت ممرضة متخصصة وأمينة تماماً لرعاية أمي بعد دراسة وتحري طويل، وأصبحت أقضي وقتاً أكبر في المنزل مع ياسين وأمي. عادت الضحكة إلى جدران البيت، وامتزجت رائحة الشوربة الدافئة في المساء برائحة السلام والأمان الطويل الذي لا يُقدر بثمن.