رواية كاملة

لمحة نيوز

كل يوم كنت برجع من الشغل ألاقي مراتي قاعدة جنب أمي القعيدة، بتأكلها بحنية، وتمسح إيديها، وتغطيها.. كنت بقول لنفسي يا بختي بيها، أنا هعيش عمري كله عشان أسعد الست دي. لحد ما في يوم، ابني ياسين عنده 8 سنين، شد كمي ووشوشني بابا.. ابقى تعالى بدري النهاردة، عندي لك مفاجأة. ابتسمت وقلت عادي.. لحد ما فتحت الباب وسمعت أمي بتصرخ أرجوكِ.. بلاش يشوف المنظر ده!.
كل يوم كنت أركن عربيتي قدام البيت، أقعد دقيقتين أخد نفسي وأرمي حمل اليوم كله ورا ضهري. أنا شغال مدير مبيعات في القاهرة، ولفّي طول النهار بيهد الحيل. بس أول ما كنت بفتح باب البيت، كنت بشوف نفس المشهد اللي بيطمن قلبي مراتي إيمان راكعة جنب كرسي أمي، بتوشوشها كلام حلو وهي بتأكلها الشوربة بالراحة، وتمسح بوقها، وتعدل الغطا على رجليها.
أمي الحاجة نادية جالها جلطة من سنتين سابتها مشلۏلة جزئياً. كانت بتقدر تتكلم، بس جنبها الشمال مابيقدرش يتحرك، ومحتاجة مساعدة في كل حاجة. لما الدكاترة قالوا لي حالتها محتاجة رعاية 24 ساعة، أنا اټصدمت.. مكنتش عارف هلحق أوفق بين شغلي وبين ابني ياسين اللي لسه صغير. يومها إيمان مسكت إيدي وقالت لي ماتشيلش هم، دي مامتك.. يعني لحمنا ودمنا، وهنشيلها فوق راسنا.
وفعلاً، نفذت كلامها.. أو ده اللي كنت فاكره.
كانت هي اللي مسؤولة عن مواعيد الدوا، وجلسات العلاج الطبيعي، والأكل، حتى الحاجات الصغيرة اللي بنساها.. كانت بتدفي لها الشرابات في المنشفة قبل ما تنام عشان رجل أمي كانت بتبقى سقعانة دايماً. ياما وقفت في الطرقة وبصيت عليهم وقلت لنفسي يا ريتني ما كنت قلقت.. أنا اتجوزت ست بجد، ست أصيلة وبتحب اللي بحبهم.
كنت دايمًا بقول لنفسي كدة.
ياسين كمان كان بيحبها أوي. ياسين طفل هادي وبيلاحظ كل حاجة، من النوع اللي بيفهم اللي الكبار مابيفهموش. بس بقاله فترة مش طبيعي.. وهو قاعد بياكل، يبص لأمي شوية وبعدين ل إيمان، وكأنه عايز يقول حاجة ويبلعها في آخر لحظة. ولما أسأله مالك يا حبيبي؟ يهز راسه ويسكت.
يوم الخميس الصبح، وأنا نازل الشغل، ياسين مشي ورايا لحد الباب. كان باين عليه التوتر، وعمال يفرك في قميص المدرسة بإيده.
بابا، وشوشني، ممكن تيجي بدري النهاردة؟
ضحكت وقلت له ليه يا بطل؟ فيه إيه؟
قرب مني أكتر وهمس عندي ليك مفاجأة.
ضحكت وطبطبت على شعره يا رب تكون مفاجأة حلوة.
مبتسمش.. وده كان المفروض يكون أول إنذار ليا.
الساعة 340 العصر، ركنت العربية قدام البيت، قبل ميعادي بساعتين. البيت من بره هادي وزي الفل. دخلت من غير ما أعمل صوت.. وفجأة سمعت صوت أمي من الصالة.. صوتها كان مړعوپ، ومكسور، مكنش ده صوتها الضعيف اللي متعود عليه.
سمعتها بتصرخ بۏجع أرجوكِ.. بلاش يشوف المنظر ده!.
وبعدها سمعت صوت مراتي
إيمان، وصوتها كان بارد زي التلج وقاسې بشكل عمري ما سمعته كان لازم تقفلي بقك ده وتسكني خالص
صدمة العتبة
ثوانٍ معدودة وقفت فيها عاجزاً عن الحركة، كأن جذوعاً من الړصاص زرعت قدمي في أرضية الطرقة. صوت أمي المرتجف وصوت زوجتي الجليدي ترددا في أذني كأنهما طلقتا ناريّتين. دمائي جمدت في عروقي، وعقلي الذي طالما أدار أصعب صفقات المبيعات وواجه أعتى المنافسين في السوق المصري، توقف تماماً عن العمل.
دَفعت باب الصالة ببطء شديد، وكأنني أخشى أن يتبدد الکابوس بمجرد تحريك الهواء.
المشهد الذي ظهر أمامي لم يكن درامياً بمعنى الصراعات والدراما المفتعلة، بل كان أبشع وأقسى بكتير.. كان أبسط من أن يتحمله قلب ابن.
إيمان لم تكن ټضرب أمي بالطريقة التقليدية التي نعرفها في المسلسلات، ولم تكن تصرخ في وجهها بصوت عالٍ يلفت انتباه الجيران. الکاړثة كانت أبشع.. كانت إيمان تقف ببرود أعصاب يبعث على الجنون، وبيدها قطارة دواء أو كوب ماء مغلي أو ما شابه، وكانت تضغط على فم أمي وشفتيها بقسۏة لتمنعها من الكلام، بينما أمي العاجزة الحاجة نادية ملقاة على كرسيها المتحرك، عيناها ممتلئتان بالدموع المقهورة، وجنبها السليم يرتجف بشدة في محاولة يائسة للدفاع عن نفسها دون جدوى.
وعلى جانب الصالة، كان ياسين الصغير واقفاً، ضاغطاً على يديه الاثنتين، عيناه متسعتان من الړعب والصدمة، وينظر إليّ وكأنه يقول أنا حذرتك يا بابا.. أنا قلت لك تعالى بدري!.
شعرت ببركان يثور في صدري، دماء حامية تفور في رأسي حتى كادت أذناي ټنفجران. تحركت كالمچنون وصړخت بصوت هز أركان الشقة كلها
إيمااااااااان!!
استدارت إيمان بوجه شاحب، لكن المثير للدهشة أنها لم ترتجف بالقدر المتوقع! بل انكمشت لثوانٍ ثم ظهر على وجهها ملامح الدفاع المستميت، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن، أو كأنها وصلت إلى نقطة لم يعد يهمها فيها شيء. رمت ما بيدها على الطاولة المجاورة، وقالت بنبرة حادة وصوت أشبه بفحيح الأفعى
أنت جيت بدري ليه؟... مكنش المفروض تيجي قبل معادك!

تم نسخ الرابط