رواية كاملة

لمحة نيوز

بصيت في الورقة...

واتجمد الدم في عروقي.

العنوان كان مكتوب باسمه...

أحمد منصور.

أخو جوزي...

اللي مختفي بقاله خمس سنين...

واللي كل الناس فاكرة إنه اختفى من غير رجعة.

في اللحظة دي...

عرفت إن الحقيقة اللي مستخبية أكبر بكتير من مجرد راجل خرج من السجن.

​دست على بنزين العربية، وأنا ساكتة تمامًا. صوت المحرك كان بيقطع صمت الطريق، لكن صوت الأفكار جوه دماغي كان أعلى بكتير.

​أحمد... الصغير اللي ضاع يوم القضية، واللي الكل حكى إنه هرب بفلوس المسروقات وغرق العيلة في الديون والعار... طلع عايش؟ وعمه ومراته وأخوه كريم عارفين إنه اختفى... ولا فيه سر أكبر مستخبانا؟

​بصيت لعمي الحاج عبد الرحيم جنبی، لقيته ساهم، عيونه بتبص قدامه بشرود، وكأن السنين الخمسة اللى فاتوا اتزرعوا خطوط عميقة في وشه. مد إيده الطاهرة، رتب على كتفي وقال بصوت دافئ:

​"متخافيش يا بنتي... اللي رايح أصعب بكتير من اللي باقي."

​المفاجأة وراء الباب القديم

​العنوان ودانا لحتة مقطوعة نسبياً في محافظة الإسكندرية، منطقة شعبية هادية. وقفنا قدام عمارة قديمة، وطلعت معاه لحد الشقة في الدور التاني.

​الحاج عبد الرحيم طلع مفتاح من جيبه وفتح الباب.

​دخلنا... والصدمة خرست لساني.

​الشقة كانت نضيفة جدًا، وعلى الترابيزة اللي في الصالة كان فيه كراسات رسم، ولعب أطفال... وفيه طفل صغير عنده حوالي 4 سنين، بملامح مألوفة جداً، بيجري ناحيتنا وبيصرخ بفرحة:

​"جدو! جيت يا جدو!"

​وقبل ما أستوعب، طلعت ست من المطبخ... بصيت لها، فوجم الدم في عيوني. دي مش أي ست... دي «ميرفت»، بنت محامي العيلة القديم اللي اختفت هي كمان فجأة من البلد قبل قضية الحاج عبد الرحيم بسنة!

​الحاج عبد الرحيم شال الطفل وباسه بحب، وبص لي وقال والدموع في عيونه:

​"اقعدي يا منى... هحكيلك الحكاية اللي كريم وعمي فؤاد مستموتين يطمسوها للأبد."

​القصة الكاملة: لم يكن اختلاسًا

​قعدت وأنا مش قادرة أجمع الكلام. بدأ الحاج عبد الرحيم يحكي، وكلماته نزلت عليا كالصاعقة:

​"الفلوس مكنتش مسروقة يا منى. أنا مأختلستش جنيه واحد. القضية دي كانت ملعوبة بامتياز من عمي فؤاد وكريم جوزك!"

​"ازاي؟!" خرجت الكلمة من زوري بصعوبة.

​"أنا كنت كشفت إن فؤاد وكريم بيلاعبوا في دفاتر الجمعية الزراعية وبيسرقوا أموال الفلاحين من ورايا، وكنت ناوي أبلغ النيابة وأكتب الأرض باسم أحفادي كلهم بالتساوي. ساعتها، فؤاد هددني، وكريم اتفق معاه عشان يضمنوا الميراث. عملوا تزوير في الأوراق ونسبوا التهمة ليا. وأحمد ابني... اكتشف اللعبة، وحاول يهرب بالمستندات الأصلية اللي بتثبت براءتي وبدانة كريم وفؤاد."

​"وعشان يمنعوا أحمد من الكلام..." كملت ميرفت وهي شايلة صينية شاي ودموعها على خدودها: "لفظوا عليه تهمة هروب وسرقة، وهددوه بالقتل هو وأنا. اتجوزنا في السر عشان أحميه، وعاش مستخبي في الشقة دي، وابننا «رحيم» اتولد هنا بعيد عن عيلة طاغية زي عيلة منصور."

​الحاج عبد الرحيم كمل: "أنا دخلت السجن وأنا صاغّر، عشان أحمد يهرب بالمستندات ويفضل عايش، وكنت مستني اليوم اللي أخرج فيه وأجيب المستندات دي عشان أرجع حقي واسمي، وأفضحهم قدام البلد كلها... وبالذات قبل فرح شريف، اليوم اللي هما فاكرين إنهم بينضفوا فيه سمعتهم، وهو اليوم اللي هينتهي فيه جبروتهم."

​ليلة الفرح: الحساب العسير

​رجعنا الزقازيق بالليل. كريم استقبلني في البيت وهو في قمة الغضب:

​"إنتي جننتي يا منى؟! سيبتي البيت كله ورايحة تجيبي الراجل ده؟ وكمان اتأخرتوا! أهل العروسة جايين بكرة عشان نقرا الفاتحة النهائية والترتيبات!"

​بصيت له بكل برود، وطلعت شنطة صغيرة من العربية، وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني بالشكل ده:

​"أبوك جه يا كريم... ومش هينام في أوضة السطوح. صاحب البيت هينام في أوضته الأساسية، وكلنا هنقعد نستنى مفاجأة بكرة."

​تاني يوم، القاعة كانت مزينة، وعمي فؤاد كان واقف يضحك بتبجح مع العريس شريف، ونسرين بتوزع الابتسامات المزيفة على عزاب العيلة وأهل العروسة.

​وفجأة... باب القاعة اتفتح.

​دخل الحاج عبد الرحيم، لابس بدلة جديدة كلياً، وورايا أنا وأحمد وميرفت ومعانا الطفل الصغير، ومعانا مستشار قانوني من محكمة الزقازيق الكلية.

​الكل جمد في مكانه. الموسيقى وقفت. عيون العريس والعروسة وأهلها اتفتحت على آخرها.

​عمي فؤاد صرخ باسترعاء:

​"إنت... إنت إيه اللي خرجك؟ وإزاي تجيب المجرم ده هنا والفرح قايم؟!"

​الحاج عبد الرحيم تقدم بخطوات ثابتة وواثقة، وقال بصوت قوي ملا القاعة كلها:

​"المجرم الحقيقي هو اللي سرق تعب الفلاحين وزور توقيعات أخوه. والمستندات اللي تثبت ده كله مع النيابة دلوقتي، وأمر القبض على فؤاد وكريم صدر من ساعة واحدة."

​كريم انهار، وجري ناحية أبوه بيحاول يمسك في هدومه، لكن أحمد دخل ووقف قدام أخوه بكل شجاعة ومنعه بكلمة واحدة:

​"لعبتكم خلصت يا كريم."

​النهاية

​الشرطة دخلت القاعة في ثواني، وانتهى الفرح المزعوم بفضائح مدوية لكريم وعمي فؤاد، واتفككت خيوط الظلم اللي كانت مكلبشة العيلة سنين طويلة.

​بعد أسابيع، رجعت الضحكة الحقيقية لبيت الحاج عبد الرحيم. ميرفت وأحمد رجعوا للبيت الكبير وسط ترحيب الناس اللي عرفت الحقيقة كاملة وإن الراجل ده كان ضحية طمع ولاده. أما أنا، فبقيت الدراع الأيمن لعمي، وزوجي السابق كريم... بيقضي عقوبته اللي استحقها عن جدارة.

​وفهمت ساعتها إن الحق مهما طال ليله، بكرة تطلع شمسه وتكشف الكل على أصله.

تم نسخ الرابط