رواية كاملة

لمحة نيوز


وأخوك هيفضلوا تحت رحمته. لازم نكسر خاشمه... لازم نعرفه إنه مهما كبر وفلوسه كثرت، هو لسه الولد الصغير اللي بنحركه زي ما احنا عايزين. يوم عيد ميلاد ابنه هيكون الدرس الأقوى... عشان يعرف إن فرحته مش ملكه، وإنه ملوش ظهر غيرنا.
صوت كريم رد عليه بنبرة كلها طمع ودناءة
بس يا بابا... تورتة بصاروخ فضائي ويوسف صعبان عليّ شوية.
أبويا زعق بصوته الخشن المعتاد
يوسف ده طفل، بكرة ينسى! الأهم دلوقتي هو أخوك الكبير. لو ما جاش استسلم لينا وكتب نص أسهمه في الشركة باسمك يا كريم، هنكمل في اللي بعده... وانت فاهم، إحنا معناش يوسف واحد.
الكلمة الأخيرة نزلت على وداني زي الصاعقة.
إحنا معناش يوسف واحد.
هل يقصدوا بنتي الكبيرة؟ ولا سارة مراتي؟ ولا كان فيه ضحايا تانيين قبل كده في عيلتنا اندفنوا تحت اسم التربية وسلطة الأب؟
حسيت ببرودة سرت في جسمي كله، لكنها مكنتش برودة خوف... دي كانت برودة الغضب الهادئ، الغضب اللي بيخلي الواحد يشوف بوضوح تام لأول مرة في حياته. هم مفكرين إنهم ماسكيني من إيدي اللي بتوجعني، وإن تهديدهم بيوسف هيخليني أركع وأكتب تعب سنيني وسهر لياليّ لشخص زي كريم اللي ميعرفش قيمة الجنيه، ولأب اعتبرنا طول عمرنا أصول مملوكة له!
دارت العربية، وبدل ما أروح بيت أبويا عشان أعاتبهم، رجعت على البيت.
دخلت، لقيت سارة قاعدة مع يوسف في الصالون، كان بيلعب بلعبة إلكترونية، ووشه هادئ، لكن عينيه كان لسه فيها آثار الكسرة.
بصيت لسارة، وقبل ما أنطق بكلمة، هي شافت النظرة في عيني وقالت بحزم
عملت إيه؟
قلت بصوت ثابت
الإيميلات اتبعتت. ومصريات الأكاديمية والرحلة اتقفلت للأبد. ودلوقتي... معركة الفلوس خلصت، وبدأت معركة الحقيقة.
بعدها بساعتين بالضبط، بدأ التليفون يضرب جنونًا.
أول مكالمة كانت من كريم، صوته كان مرعوب ومنفعل لدرجة إنه كان بيتلخبط في الكلام
إنت... إنت عملت إيه يا مجنون؟! إدارة الأكاديمية بعتوا إيميل بيقولوا إن منحة ملك اتلغت عشان المصرايف ما تدفعتش! وملوك بتعيط من الصبح، والفندق في الغردقة بيكلمونا بيقولوا الحجز اتلغى! إيه اللي حصل؟!
رديت عليه بصوت بارد جداً، هادئ لدرجة مرعبة
سألنا إدارة الأكاديمية وطلع مفيش حاجة اسمها منحة مجانية يا كريم... المنحة دي كانت مكافأة لذكاء شخص مجهول. والشخص ده قرر إن فلوسه أولى تروح لطفلة تانية محتاجة الفرصة دي فعلاً. وبالنسبة للغردقة؟ اعتبرها رحلة استجمام أُلغيت بسبب سوء الطقس... طقس النفوس.
وقبل ما يرد، قفلت السكة في وشه.
المكالمة التانية جت بعد دقايق معدودة... وكان رقم أبويا.
فتحت الخط، وسمعت صوت أنفاسه الحادة وهو بيقول بغضب لم يشهده منى قط
إنت اتجننت يا وليد؟! إنت اتجرأت تقطع عيش بنت أخوك وتكسر فرحة العيلة عشان تورتة ابنك؟ إنت عقلك صغر للدرجادي؟ تعالى حالا على البيت حالا عشان أربيك من جديد!
ضحكت بهدوء، ضحكة خالية تمامًا من أي احترام قديم، وقلتله الجملة اللي غيرت ملامح العيلة دي للأبد
يا بابا... أنا مبقيتش الولد الصغير اللي بيخاف من عصايتك. والتسجيلات اللي بينكم وبين بعض... عن إزاي بتخططوا تدمروا عيالنا عشان تطمعوا في فلوسي... كلها اتنسخت وبقت في مكان آمن، مع محامي الشركة، ومع جهة ثانية لو حصل لي أنا أو ابني أي حاجة، هتفضحكم قدام العيلة والبلد كلها.
سكت تمامًا على الناحية التانية... سكت لدرجة حسيت إنه بيبلع ريقه بصعوبة.
عيد الميلاد خلص يا بابا... والتورتة الطين دي، أنتوا اللي أكلتوها وهتفضلو طعمها في بقكم لحد آخر يوم في عمركم. مع السلامة.
وقلبت التليفون صامت.
بعد مرور أسبوعين
كريم جه لحد عندي الشغل، كان منهار، مراته دينا هددته بالطلاق لو مرجعتش بنتهم للأكاديمية، وهو مكنش معاهم مليم يدفعوه لأن مستواه المادي الحقيقي على قد حاله من غير دعمي الخفي اللي كنت بمدّده لهم سنين من غير ما يحسسهم بالمنّ. وقف قدامي بيترجاني، وعينه في الأرض، لأول مرة في حياته يحس يعني ايه عجز.
أما أبويا؟ فحاول يتدخل بكل كبار العيلة، بس الكل فوجئ بالملفات اللي اتفتحت، وبحقيقة مين كان بيمول رفاهيتهم السنين اللي فاتت دي كلها. هيبة الأب الآمر الناهي انهارت، وبقى جالس لوحده في بيته الكبير، محاط بكرسي مكسور وتاريخ طويل من الأنانية.
وفي يوم الجمعة اللي بعدهم، كنت واقف في جنينة بيتي الجديد، في مدينة تانية
هادئة بعيد عن سمّ العيلة.
يوسف كان واقف قدام ترابيزة تانية خالص... تورتة جديدة، مش على شكل صاروخ، بل على شكل سفينة فضاء كبيرة، والشمع منور بوضوح.
وملك... بنت أخويا، كانت واقفة بعيد شوية، باصة لينا بعيون كلها ندم وكسرة، وماسكة في إيد أبوها المهزوم، كأنها بتتعلم أول درس حقيقي في الحياة
إن الآيفون الرخيص بيطير مع أول صدمة، لكن الكرامة... هي الحاجة الوحيدة اللي لو انكسرت، مفيش فلوس العالم تقدر تصلحها.
رفعت إيدي ليوسف عشان يولع الشمع، وبصيت لسارة اللي كانت مبتسمة ودموع الفرحة في عينيها.
القصة خلصت هنا... بس حياتنا الحقيقية، بدأت لأول مرة.

 

تم نسخ الرابط