رواية كاملة
وتوسل وقال بصوت واطي ومتقطع
تاج.. استني.. تعالِ نتفاهم بره المحكمة.. عيب اللي بينا ينتهي في المحاكم كده.. أمي ندمت، وأنا مستعد أصلح كل حاجة..
بصيت له بابتسامة ساخرة، وقلت بصوت هادئ وقاطع كالسيف
التفاهم كان مكانه البيت.. لما ضړبت، ولما بعت ورقة طلاقي مع محامي كأني واحدة غريبة مش مرتك أم ابنك.. أما أمك فقولها تزرع نعناع كتير، يمكن يفيدها في هدوء أعصابها بعد ما تيجي القرارات النهائية من المحكمة. سلام يا فلان.. الفصل ده انتهى، واستنى الفصل الجديد.
سبته واقف مكانه مندهش ومصډوم، وطلعت مع بابا من باب المحكمة، ورأسي مرفوع لفوق. رجعنا البيت، وحست إن الهواء بقى أطهر وأنضف. دخلت أوضتي، وفتحت كشكولي، ومسكت القلم وكتبت
الكرامة مش بتتشتري.. الكرامة بتتنتزع ڠصب عن الكل، واللي يفرط فيك مرة، استعوض ربنا فيه واقفل بابه للابد.
عدى الأسبوع، وجه يوم الجلسة النهائية، والقاضي أصدر حكمه العادل إلزام طليقي بدفع كامل المؤخر، ونفقة العدة والمتعة، وتعويض مادي عن الأضرار النفسية والجسدية اللي اتعرضت لها، وثبوت الطلاق بكامل الحقوق.
لما خرجت من المحكمة، حسيت إن فيه جبل كبير اتقلع من على صدري. تليفوني رن برقم غريب، رديت لقيتها واحدة من قرايبه القدامى بتقولي وهي مذهولة
تاج.. الحقي الللي حصل! جوزك طرد أمه من البيت بعد خناقة كبيرة بينهم، وقالها إنتي السبب في خړاب بيتي.. وأمه دلوقتي مريضة ومرقدة في البيت!
سمعت الخبر، ومحسيتش بأي شماتة، حسيت بس بصدق الحكمة القديمة الظالم يتاكل بندمه عاجلاً أم آجلاً. قفلت التليفون، وفتحت الشباك وبصيت للسماء الصافية، وأنا عارفة إن دي مش النهاية.. دي مجرد بداية حياة جديدة ومختلفة تماماً.
قعدت على مكتبي، وفتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أكتب أول رواية جديدة ليا على منصات النشر الرقمي، رواية بتحكي عن ست قوية قدرت تبني نفسها من ركام الۏجع. وكتبت في أول صفحة
إلى كل امرأة ظنت أن انكسارها هو النهاية.. تذكروا دائماً، القلم في إيدكم، وأنتِ من تقررين كيف تُكتب نهاية الحكاية.
الفصل الأخير
المرواح والمجي المحاكم خلصت، والأوراق الرسمية اللي بتثبت حقي وبتاكد رجوع كرامتي بقت كلها في إيدي، مطبوعة بخاتم النسر ومختومة بختم العدل الإلهي والقانوني. القضية اللي ابتديتها بدموع مقهورة وقهر سنين، انتهت بقرار حاسم بيرد ليا اعتباري كإنسانة قبل ما يكون كزوجة مظلومة. بابا كان واقف جنبي في كل خطوة، وماسك ملف القضايا وكأنه بيمتلك الدنيا وما فيها، وبص لي وهو بيبتسم ابتسامة صافية طالعة من القلب وقال
مبروك يا تاج.. رجعتِ حقك كامل، ومبقاش ليهم عليكي أي سكة.
بصيت لورقة الطلاق النهائية اللي في إيدي، حسيت ببرود عجيب مكان الڼار اللي كانت شاعلة في صدري من أيام. مكنش احساس بالشماتة، ولا فرحة صفراء بكسرة حد؛ كان احساس بالسلام.. إحساس الست اللي رمت حمل تكسير الظهر من على كتافها، ووقفت لأول مرة على أرض صلبة ومستقريّة.
طليقي.. أو اللي كان جوزي، حاول يبعت لي ناس كتير عشان نتفاهم ودي، أو عشان أتنازل عن جزء من مستحقاتي، خصوصاً بعد ما الدنيا اتقلبت فوق راسه، وأمه اللي كانت سبب الخړاب كله بقت قاعدة لوحدها في شقة تانية بعد المشاكل الكبيرة اللي ولعتها بين ابنها وبين قرايبه كلهم، لإن الكل عرف إنها هي اللي خربت بيته بلسانها وطريقتها السم. بس أنا كنت قافلة باب المواربة نهائي. الحياة مش مسرحية عبثية نعيد فيها المشاهد البايخة عشان خاطر عيون ناس مابتفهمش قيمة العِشرة. اللي يفرط فيكي مرة، ويبيعك عشان خاطر كلام فتن، ويطردك في عز الليل من غير حتى فرصة تفتحي بوقك.. ده مبيستاهلش فرصة تانية، ده يستاهل بس يتساب في عوايسه لوحده يتعلم الدرس.
بدأت ألم شتات نفسي، وأركز في الحاجة الوحيدة اللي عمرها ما خذلتني ولا باعتني.. الكلمة، الحرف، الروايات، والعالم بتاعي على منصات النشر الرقمي. صفحة روايات كاتبة تاج اللي بدأت بحلم بسيط، بقت دلوقتي من أكبر المنصات اللي الملايين بيتابعوها بشغف واهتمام. الناس اللي كانت بتقرأ كتاباتي مكنوش مجرد متابعين، كانوا عائلة تانية بتدعموني في كل خطوة، وبتستنى كل فصل جديد بنشره بشغف كأنهم عايشين معايا جوه السطور.
في يوم، وكنت قاعدة على مكتبي الهادئ، بكتب الفصل الأخير من روايتي الجديدة اللي حكت فيها قصة مشابهة لقصتي بس بنهاية تليق بۏجع الستات القوية، لقيت جرس باب بيتنا يخبط بهدوء. ماما فتحت الباب، وبعد دقايق دخلت أختي وبصتلي وقالت بتردد
تاج.. بابا مستنيكي في الصالون، وفيه حد بره.. واحد من أعمام طليقك.. جاي لوحده، وطالب يقابلنا عشان ينهي كل حاجة بطريقة محترمة، وكمان جاي يعتذل لكي عن كل اللي حصل.
وقفت من على الكرسي، ظبطت عبايتي، وقلت بصوت هادي وثابت
خليه يدخل يا أختي.. مش ههرب، وخليني أشوف عايز يقول إيه.
دخل عم طليقي، راجل كبير في العيلة ومعروف بحكمته،
وشكله كان مكسور ومحرج من اللي عمله ابن أخوه وأمه. قعد قصاد بابا، وبص لي بحزن وقال بصوت واطي
يا بنتي.. أنا جايب لك حزن العيلة كلها وجاي أعتذر لك. اللي حصل ده عيب في حقنا كلنا، وفلان ابننا غلط غلطة عمره لما سمع كلام أمه وباع مراته وكرامته بالطريقة دي. هو دلوقتي ندمان أشد الندم، وقاعد لوحده.. أمه تعبت من كتر المشاكل والمړض، وهو تايه ومش عارفين نلم الشمل.. أنا عارف إنك مش ناوية ترجعي، بس أنا جاي أشهدك قدام ربنا إنك كنتِ أصيلة، وهو اللي خسر صدفة عمره.
بصيت للراجل الكبير بكل احترام، وقعدت قصاده وقلت بصوت صارم بس فيه إنسانية
يا عمي.. أنا لا بكرهه ولا بشمت فيه. ربنا عالم أنا استحملت قد إيه، وفتحت بيتي وقلبي قد إيه عشان خاطر العيش والملح والستارة اللي كانت مبنيّة بينا. بس الهدم لما بيحصل في الأساس، البيت مبيتعمرش تاني. هو اختار يصدق أمه وينسى الحقيقة، واختار يمد إيده عليّا ويمشيني من بيتي زي الغريبة.. في اللحظة دي، هو اللي كتب النهاية، مش أنا. وأنا كل اللي عملته إني كتبت السطر الأخير بشرف.
الراجل سكت، ومقدرش ينطق حرف واحد، لإن كلامي كان عين العقل والحقيقة. وقف، وقال بصوت حزين
عندك حق يا بنتي.. اللي ضيع الدهر بإيده، ميستاهلش يلاقيه تاني. ربنا يفتحها في وشك ويعوضك باللي يفهم قيمتك.
مشى عم طليقي، والبيت رجع لهدوه وطمأنينته. بصيت لبابا وماما اللي كانوا بيحضنوني وعيونهم بدمع من الفرحة والاطمئنان عليّا. حسيت إن كل هموم الدنيا اتمسحت من على قلبي، وبقت قدام طريق مفتوح على مصراعيه للشمس والنجاح.
بعد الشهر ده، حصلت نقلة تانية في حياتي المهنية. دار نشر كبيرة تواصلت معايا عشان تنشر أول رواية ورقية ليا باسم الكاتبة تاج، وتتحول لمسلسل درامي قصير على إحدى المنصات الرقمية الكبرى. الخبر ده نزل عليا كأنه تعويض إلهي عن كل دمعة نزلت من عيني في الأيام السودا دي. لقيت اسمي بينور على أغلفة الكتب، ولقيت قصتي اللي طلعت من رحم القهر والۏجع، بتلهم آلاف البنات والستات إنهم ما يرضوش بالظلم، وإن الكرامة خط أحمر مسموحش لأي حد يتجاوزه.
في
يوم توقيع العقد الأول للرواية الورقية، كنت واقفة في قاعة الاحتفال الكبرى، لابسة دريس أنيق وراقي، وعليّا ابتسامة واثقة من نفسها. الكاميرات بتصورني، والصحفيين بيسألوني عن سر النجاح المفاجئ والقوي ده، وعن إزاي قدرت أكتب رواية حسيتها حية لدرجة إن كل ست شافت نفسها فيها.
ابتسمت للكاميرا، وبصيت للجمهور الكبير اللي كان حاضر القاعة، وقلت بصوت ثابت ومؤثر
السر مش في القلم.. السر في الۏجع اللي بيتعلم منه الإنسان. كل ست فينا بتمر بمحڼة بتفتكر إنها نهاية العالم، وإن انكسارها معناه خلاصها.. بس الحقيقة إن الانكسار
هو بداية التكوين. أنا مكنتش بكتب قصة خيالية، أنا كنت بكتب واقع عشته، وطلعت منه أقوى، وعرفت إن الست اللي بتعرف تدافع عن حقها بكرامة، هي الست اللي بتقدر تكتب نهاية أي حكاية على مزاجها.
التصفيق ملأ القاعة، ودموع الفرحة نزلت من عيون ماما وبابا اللي كانوا قاعدين في الصف الأول بيعيطوا من الفخر. حسيت إن كل تعب السنين، وكل كلمة قهر، وكل دمعة نزلت في الأوضة المظلمة عند أهلي.. كان ليها حكمة إلهية كبيرة عشان تقودني للمكان ده، للمنصة دي، للنجاح ده اللي محدش كان يتوقعه.
رجعت البيت بالليل، بعد ما اليوم الطويل خلص. دخلت أهاوي الشباك بتاع أوضتي، والهواء النظيف والبارد دخل يداعب وجهي. بصيت للسماء الواسعة، وشفت النجوم بتلمع بوضوح كأنها بتبارك لي طريقي الجديد. فتحت كشكولي القديم، الصفحة الأخيرة اللي كانت فاضية، مسكت القلم وكتبت بخط عريض وواضح
الحكاية مابتخلصش لما حد يقرر يقفل الباب في وشك.. الحكاية الحقيقية بتبدأ لما تفتحي باب جديد بنفسك، وتكتبي بيدكِ عنوان فصل النور والحرية.
قفلت الكشكول بالراحة، وحطيته على المكتب جنب فنجان القهوة الدافئ، وحسيت براحة غامرة بتملي روحي. مكنتش محتاجة أقول حاجة تانية، ولا أبص ورايا تاني. البوصلة كانت واضحة، والطريق كان مرسوم، وأنا.. أنا كنت البطلة المطلقة للحكاية، من أول سطر.. لحد الفصل الأخير.