رواية كاملة

لمحة نيوز


الذي كان يفتح الأبواب
أغلقها.
كلها.
لكن المفاجأة الحقيقية
لم تكن في سقوطهم.
بل في ما اكتشفوه بعدها.
في غرفة تحقيق معزولة
جلس كريم أمام طاولة معدنية.
صامت.
مرهق.
لكنه ما زال يحاول التماسك.
دخل ضابط يحمل ملفًا سميكًا.
وضعه أمامه.
وقال بهدوء
اقرأ.
فتح كريم الملف.
الصفحة الأولى
كانت تحمل اسمي.
ليلى الشافعي.
لكن تحت الاسم
لم تكن مكتوبة كلمة مدنية.
بل سلسلة من الألقاب.
والمناصب.
والمهام السرية.
كل سطر
كان ينسف الحقيقة التي عاش عليها سنوات.
قرأ بصوت منخفض
مدير عمليات
توقف.
بلع ريقه.
ثم أكمل
برنامج الأمن الاستراتيجي الدولي
رفع عينيه ببطء.
ده مش ممكن
الضابط لم يبتسم.
قال فقط
طليقتك كانت مسؤولة عن التصاريح اللي إنت كنت بتستخدمها من غير ما تعرف.
سقط الملف من يد كريم.
ولأول مرة
انهار صوته
يعني أنا كنت
قاطعه الضابط
تحت حمايتها.
صمت قاتل ملأ الغرفة.
ثم همس كريم
وهي سحبت الحماية.
في نفس اللحظة
كنتُ أقف أمام النافذة.
الشمس بدأت تشرق فوق القاهرة.
مدينة كاملة تستيقظ
ولا تعرف أن ميزان القوة فيها تغيّر.
دخل أحد الرجال بهدوء.
قال
تم تنفيذ كل الإجراءات.
أومأتُ برأسي.
ثم سأل
هل هناك أوامر إضافية؟
نظرتُ إلى الأفق للحظة
ثم قلت بهدوء
لا.
كده كفاية.
توقف قليلًا ثم سأل
وعائلة منصور؟
أخذت نفسًا عميقًا.
وأجبته
سيواجهوا النتائج زي أي حد.
من غير تدخل.
خرج الرجل.
وبقيتُ وحدي.
لأول مرة منذ سنوات
لا حرب.
لا تمثيل.
لا صمت مفروض.
فقط أنا.
أنا الحقيقية.
وفي مكان آخر
داخل زنزانة باردة
جلس كريم.
ينظر إلى الفراغ.
يعيد كل لحظة.
كل كلمة قالها.
كل مرة قلّل فيها مني.
ثم أغلق عينيه
وهمس بجملة واحدة فقط
أنا كنت أجهل مين كانت
لكن الوقت
كان قد انتهى.
أما أنا
فابتسمتُ أخيرًا.
ليس شماتة.
بل راحة.
لأن الحقيقة
وصلت في النهاية.
حتى لو جاءت متأخرة.
مرّت أيام قليلة
وكان كل شيء قد استقر ظاهريًا.
العناوين في الأخبار هدأت.
التحقيقات أصبحت روتينًا يوميًا.
وعائلة منصور اختفت تقريبًا من أي دائرة نفوذ.
لكن الحقيقة؟
كانت أعمق من مجرد سقوط.
في صباح هادئ
جلستُ في نفس مكاني أمام النافذة.
فنجان القهوة بين يدي.
والمدينة أمامي تبدو كما لو أنها لم تتغير.
لكنني كنت أعرف
أن كل شيء تغيّر.
رنّ الهاتف الداخلي.
في شخص مُصر يقابلك.
رفعت حاجبيّ قليلًا
مين؟
جاء الرد
القائد كريم منصور.
ساد صمت قصير
ثم قلت
خليه يطلع.
دخل بعد دقائق.
لم يكن نفس الرجل.
البدلة العسكرية اختفت.
الهيبة التي كان يتكئ عليها تلاشت.
حتى صوته كان أهدأ.
ليلى
لم أرد.
تركته يقف للحظات كأنه يبحث عن الكلمات.
ثم قال
أنا مش جاي أهدد ولا أطلب حاجة.
أنا جاي أفهم.
نظرتُ إليه بهدوء
متأخر شوية على الفهم.
خفض عينيه.
يمكن بس لازم أعرف.
إنتِ كنتِ عايشة معايا كل السنين دي ليه؟
سؤال بسيط
لكن إجابته لم تكن كذلك.
وضعتُ فنجان القهوة ببطء.
ثم قلت
لأن شغلي كان محتاج كده.
رفع رأسه فجأة
يعني كل حاجة كانت تمثيل؟
هززت رأسي بهدوء
لا.
المشكلة إن اللي كان حقيقي إنت ما شفتوش.
صمت.
هذه المرة صمت مختلف.
ليس صمت غضب.
بل صمت إدراك.
اقترب خطوة صغيرة
وقال بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
لم أجادل.
لأن الحقيقة لا تحتاج نقاش.
فقط قلت
أيوه.
أغلق عينيه لثانية
ثم سأل السؤال الأخير
لو رجع بي الزمن
كان ممكن كل ده يبقى مختلف؟
نظرتُ إليه طويلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة خالية من أي ألم.
وأجبت
كان ممكن لو كنت شفتني بجد.
وقف للحظة
كأنه يريد أن يقول شيئًا آخر.
لكنه لم يفعل.
استدار.
واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج
توقف.
وقال بدون أن يلتفت
أنا خسرت كل حاجة
ثم أضاف بهدوء
بس أكتر حاجة خسرتها إنتِ.
لم أرد.
لأن بعض الجمل
لا تحتاج رد.
خرج.
وأُغلق الباب خلفه.
بهدوء تام.
عدتُ إلى مكاني.
نظرتُ إلى المدينة مرة أخرى.
لكن هذه المرة
لم أشعر بثقل الماضي.
ولا بظل أحد.
فقط شعور واحد
حرية.
حرية حقيقية.
ليست هروبًا.
ولا انتقامًا.
بل اختيار.
اختياري أنا.
فتحتُ الجهاز مرة أخيرة.
ظهرت رسالة قصيرة
هل ترغبين في إعادة تفعيل أي من الصلاحيات السابقة؟
نظرتُ إليها لثوانٍ
ثم ضغطت
لا.
وأغلقت كل شيء.
هذه المرة
بإرادتي الكاملة.
النهاية.
حكايات محمد عبده

 

تم نسخ الرابط