رواية كاملة

لمحة نيوز


غضب.
وفجأة...
دخلت أمي.
لابسة شيك.
وماسكة كاس عصير.
أول ما شافتني...
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
وساد صمت مرعب.
وأختي حاولت تبرر بسرعة
يا كريم... الموضوع مش زي ما أنت فاهم.
رفعت عمر بين إيديا.
وبصيت لها.
وقلت بهدوء
بجد؟
وقفت كلمة بجد؟ معلقة في الهوا، كل حرف منها وزنه طن من الغضب اللي كان بيتخزن خمس سنين، وكل ثانية صمت كانت بتزيد النار جوايا. أمينة وقفت مكانها، لون وشها تحول من الأحمر الفاتح اللي كان من الفرح المزيف لبياض شاحب، ويدها اللي كانت ماسكة الكاس بقت بتترعش لدرجة إنها مش قادرة ترفعها. هبة كانت بتلف وتدور بعينها، بتدور على أي مخرج، أي كذبة تانية تستر اللي انكشف، بس عيونها كانت بتقول إنها عارفة إن الكلام ده مش هيمشي عليا تاني.
شلت عمر أكتر بين إيديا، وحسيت جسمه الصغير بيترعش، وريحته كانت ريحة صابون بسيط وجهد، وكل شوية بيلمس وجهي بيده الصغيرة كأنه بيتأكد إني مش هروح تاني. قربت من ندى اللي كانت لسه قاعدة على الأرض، عيونها مليانة دموع مفيش صوت بيعيط منها، ومديت إيدي أساعدها تقوم. لما مسكت إيدها حسيت بعظامها بارزة، وبحرارة جسمها اللي كانت منخفضة أوي، وكل لمسة كانت بتذكرني بكل لحظة إني كنت بعيد ومش عارف.
قولت لها بصوت هادي بس قوي قومي يا ندى. ولا تقلقي من حاجة تانية. أنا جيت، ومش هسمح لحد يضيكم تاني أبدًا.
قامت ببطء، ومسحت دموعها بكم هدومها القديم، وبصت لامي وهبة بنظرة مش خايفة، بس نظرة إنسانة استحملت كل حاجة ومش فارق معاها أي حاجة تضيفها. في اللحظة دي بدأت تسمع أصوات من جوه الفيلا، ضيوف اللي سمعوا الصوت والصمت، وبدأت تطلع رؤوسهم من الباب، بعضهم مستغرب، وبعضهم عارف ومستحي، وبعضهم كان واقف بيشوف كأنه مسلسل على التلفزيون.
امي حاولت تستر نفسها، رفعت راسها وقالت بصوت حاولت ترفعه عشان يبقى مسموع يا ولدي.. أنا كنت عايزة أقولك، بس.. بس كنت خايفة تقلق وتتعب في شغلك.. الموضوع مش زي ما بتبدو عليه.. الفلوس كانت.. كانت بحفظها ليك، والبيت كان بيحتاج مصاريف، وهبة كانت بتدرس، و..
قاطعتها من غير ما أرفع صوتي، لأن الغضب اللي بيعلو صوته غضب ضعيف، والغضب اللي هادي ده اللي بيخلي الحق يطلع كله أمي.. خمس سنين. كل شهر 1800 دولار. حسبها معايا كده. خمس سنين بيعادل ستين شهر. ستين ضرب 1800 يساوي مائة وثمانية وعشرين ألف دولار. غير الفلوس اللي كنت ببعتها في الأعياد، واللي قلتلك خصصها للمدرسة والهدوم والدكتور. مجموعهم أكتر من مائة وخمسين ألف دولار. ده غير تمن الفيلا نفسها اللي دفعته قبل ما أسافر، وتمن الفرش والتكييف والعربية اللي جبتها من بره.
سكت شوية، وبصت حولي على الفيلا اللي كانت مليانة أكل وناس وفرح، وبعدين بصيت ورا على المكان اللي كانوا عايشين فيه، وقالت وين الفلوس دي؟ ده مش بيت محتاج مصاريف، ده قصر مبني على جوع ابني ومراتي. هبة بتدرس؟ بتدرس إيه يخليها تلبس دهب وفستان بألف جنيه وابني بياكل بواقي من الزبالة؟ قوليلي وين راحت كل قرش دفعته بعرق جبيني ودموع عيوني وأنا نايم على أرضية شقة مشتركة وباكل رز بارد عشان أوفر لكم كل قرش؟
هبة تدخلت بسرعة، وصوتها كان عالي ومش عارفة ترد أنت بتتهمنا يا كريم؟ إحنا خدنا بالنا من البيت! لو مكناش عملنا كده كان البيت ضاع! وندى هي اللي كانت فاشلة، مش عارفة تدير حاجة، مش عارفة تطلب منك، كانت بتقولك كل حاجة تمام عشان ما تقلقش! إحنا اللي كنا نصرف عليها من جيبنا أحيانًا!
ضحكت بصوت خفيف، ضحكة مليانة مرارة وقلة حيلة، وقالت تصرفوا عليها من جيبكم؟ وين كان تصرفكم ده؟ في إنكم تحبسوها ورا الفيلا؟ في إنكم تمنعوها تكلمني؟ في إنكم تقولوا لابني إن أبوه مش هيرجع؟ يا هبة.. أنا كنت كل شهر ببعت الفلوس وأقول لك وأقول لأمي خلي بالكم من عمر، خلي بالكم من ندى، ومرة واحدة سألتني أنا محتاجة حاجة؟ ولا مرة قلتلي كويسين؟ كل مرة كانت الأعذار جاهزة، كل مرة كانت بتقولوا لي اطمن، وأنا كنت أطمن وأنا ميت من القلق.
بصيت لامي اللي كانت بدأت تعيط عشان تحاول تغير المسار، وقالت أمي.. أنا وثقت فيك. وثقت إنك أمي، وإنك أم أبني، وإنك هتحافظ على أهل بيتي زي ما بتحافظي عليا. وثقت وكنت فاكر إن الدم أغلى من أي حاجة، بس طلعت الفلوس كانت أغلى من كل حاجة عندكم. قوليلي الحقيقة دلوقتي.. وين راحت الفلوس؟ ومش هقول لحد حاجة قدام الضيوف، بس قوليلي الحقيقة بيني وبينك.
سكتت أمي، ومش عارفة ترد، وبدأت الضيوف يتكلموا بين بعض، وبعضهم بدأ يعتذر ويخرج، لما شافوا إن الحقيقة بتطلع ومش عايزين يتدخلوا في مشاكل عيلة تانية. لما شافت أمي إن مفيش فايدة من الكذب، نزلت دموعها بجد هذه المرة، وقالت بصوت مكسور يا ولدي.. أنا.. أنا كنت خايفة عليك من الحياة.. كنت فاكر إن الفلوس دي هتضيع لو خليتها مع ندى.. و.. وهبة كانت عايزة تعمل مشروع، واشترينا شقة تانية، والفيلا كنا بنكمل فرشها عشان لما ترجع تفرح، و.. وندى كانت.. كانت مش عايزة تخدم، ومش عايزة تتعامل مع الناس، فقولنا نخليها في المكان
 

تم نسخ الرابط