رواية كاملة

لمحة نيوز


باللي بتعمليه فيا، وابويا كان بيحبني وما كانش رضى بكل ده.
فتحت الباب شوية بس، ومدت يدها وضربتني بالقلم على وشي بقوة لدرجة إن راسي داب، والدموع نزلت غصب عني، وقالت بصوت قاسي ومليان غل السكوت هيبقى أحسن ليكي، وكل ما ترفعي صوتك كل ما هتلاقي مني أشد من كده.
وقفلت الباب تاني بقوة، وسمعت صوت المفتاح وهو بيدور في القفل، ووقعت على الأرض وأنا أبكي بصوت مكتوم، وحسيت إني وحيدة في الدنيا، ما عندش أحد ألجأ له، ولا صديقة ولا قريب، كلهم كانوا بعيدين، ولا يعرفوش باللي بيحصل لي.
لكن في اللحظة دي، قررت إن ما أستسلمش أبدًا، إن أبويا لسه شايفني من فوق، وإن ما حدش يقدر يملكني أو يبيعني كأنني قطعة أثاث. لما شفت الحاج فؤاد لف ضهره عشان ينظر للشباك، قمت بسرعة وجريت ناحية الحمام اللي في زاوية الأوضة، ودفعت الباب ودخلت وقفلته من جوا بسرعة.
كان الشباك صغير ومغلق بقفل صدئ، فضلت أزق فيه بكل قوتي، أضرب فيه بالحيطان، لحد ما فتح بالعافية، وطلعت منه بصعوبة، ونطيت للأسفل، كان المطر نزل بغزارة، والشجر والشوك كان بيخربش في وجهي وجسمي، وفستاني اتقطع من كل جهة، ورجليا غرست في الطين وأنا بجري بأقصى سرعة ممكنة، ما كنتش عارفة أنا رايحة فين، كل اللي كنت عارفاه إني لازم أبتعد عن البيت ده، وعن منى، وعن كل من كان عايز يأذيني.
سمعت من بعيد صوت منى وهي بتصرخ باسمي مرات ومرات، ومعاها صوت رجال، واضح إنها طلبت من الحراس يلحقوني، وشفت كشافات المصابيح بتتحرك بين الأشجار والزرع، وكل ما كانت تقرب مني كنت أجري أسرع، لحد ما وصلت للطريق العمومي، وكنت خلاص هقع من التعب والخوف والبرد.
وفي نفس اللحظة ظهرت عربية سودا فخمة جاية بسرعة كبيرة، ما فكرتش ولا ترددت، رفعت إيدي الاتنين ووقفت في منتصف الطريق، والفرامل صرخت بصوت مزعج قبل ما تخبطني بثواني قليلة جدا، وكنت حاسة إن الموت كان قريب مني في تلك اللحظات.
جريت ناحية الشباك اللي نزل شوية، وقلت بصوت متقطع ومليان بكاء بالله عليك ساعدني، هما ورايا، وعايزين يأذوني، ما تسيبنيش لهم.
شفت الراجل اللي قاعد في الكنبة الخلفية، كان لابس بدلة سودا أنيقة جدا، ووجهه هادي بشكل غريب، ما كانش فيه أي علامة استغراب أو خوف، لكن عينيه لما شافت الكدمة اللي على خدي، وبعدين بص للكشافات اللي كانت بتقرب من ورايا، لاحظت إن ملامحه اتغيرت شوية، وقال للسواق بصوت هادي لكنه قوي افتح لها الباب.
فتح السواق الباب، وركبت بسرعة وقفلت ورايا، وفضلت أترعش من البرد والخوف، وكل جسمي كان بيتراقص، قلع الراجل الجاكيت الثقيل اللي كان عليه وحطه على كتفي، وريحة عطره الفاخر غطت على ريحة الطين والدم اللي كانت فيا، وقال لي بصوت هادي ومحايد اهدئي، ما حدش هيقدر يصل لكي هنا، مين اللي بيجري وراكي؟ وايه اللي حصل معاكي؟
حاولت أتكلم لكن الكلمات كانت بتتقطع، قلت له بعد محاولة مرات أبويا... اسمها منى السيوفي، كانت عايزة تسلمني لواحد كبير في السن عشان يدفع لها فلوس وينقذ شركتها اللي هتقع، وحبستني عنده، ونجحت أهرب من الشباك، وهم دلوقتي بيدوروا عليا في كل مكان.
لما سمع اسمها، ملامح وجهه اتشدت فجأة، وعقد حاجبيه، وسألني بتركيز منى السيوفي؟ متأكدة إن ده اسمها بالكامل؟
هزيت راسي وأنا لسه خايفة أيوه، منى السيوفي، زوجة أبويا الراحل كمال الدين عبدالعزيز، وشركتها اسمها مؤسسة السيوفي للاستيراد والتصدير.
كان عايز يقول حاجة، لكن ظهرت عربية دفع رباعي سودا من الطريق الترابي اللي جيت منه، وكانت بتقرب بسرعة جنونية، وعرفت إن دول منى ورجالها، همست بصوت مسموع بالكاد دول هم، دول اللي كانوا ورايا.
مال الراجل قليلا على السواق وقال له بصوت حازم ادخل يمين في الطريق الضيق اللي بين الأشجار، ومهما حصل ما تخلهمش يلحقونا، واشغل كل الطرق الممكنة.
وبعدين رجع لي وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية وطي راسك تحت المقعد، واغطي نفسك بالجاكيت، ولا ترفعيها مهما سمعتي أصوات، حتى لو وقفنا، اتفقنا؟
نزلت بسرعة وغطيت نفسي، وكنت ماسكة الجاكيت بقوة، وقلبي كان بيخفق بسرعة كبيرة جدا، لدرجة كنت أسمع دقاته في وشي، وفي تلك اللحظة، لمحت شاشة الموبايل اللي كان جنبه على المقعد، كانت منورة، والاسم اللي مكتوب عليها خلّى الدم يتجمد في عروقي، وكل شعور بالأمان اللي حسيته دقيقة واحدة، اختفى في لحظة.
الاسم كان منى السيوفي مكالمة جارية
يعني هو كان متصل بيها في نفس اللحظة اللي كان بيتكلم معايا وبيقول لي إنه هيساعدني! يعني ده كلو خداع؟ يعني أنا هربت من فخ منى عشان أقع في فخ أكتر قسوة منه؟
رفعت راسي ببطء وبصيت له، ولاحظ هو نظراتي، وبص للموبايل، وبكل هدوء قلبه على وشه، وكأن شيئا لم يكن، وكأنه ما كانش خايف أكتشف الحقيقة، صرخت فيه بصوت عالي مليان صدمة وغضب إنت مين؟ وإنت كنت متصل بيها ليه؟ يعني أنا وقعت في أيديكم كلهم؟
العربية كانت بتتحرك بسرعة، وسمعت صوت العربيات اللي ورانا بتقرب، لكنه ما كانش قلقان أبدا، بص لي بعينيه الثابتتين، وقال بصوت واثق جدا أنا معتز الكيلاني... وكل اللي سمعتيه أو شفتيه لسه مش الحقيقة الكاملة، وقبل ما تقرري تكرهيني أو تثقي فيا، لازم تعرفي ليه منى السيوفي اتصلت بي أصلا، وايه اللي بيني وبينها، وايه سر الصفقة دي كلها.

الجزء الثاني الأسرار القديمة والحقائق المخفية
سكتت للحظة، ما عرفتش أصدق ولا أكذب، عينيه كانت مليانة حاجة ما فهمتها، كان فيها صدق لكن معاه حذر، قلت له بصوت مهزوز أنا ما أصدقش حد دلوقتي، ولا أصدق كلامك ولا كلامها، كل اللي أعرفه إنها كانت عايزة تبيعني، وإنك كنت بتكلمها في نفس الوقت اللي أنا طلبت منك المساعدة.
قال معتز وهو بينظر للطريق من الشباك أنا عارف إن الموقف مش في صالحي أبدا، وإنك عندك كل الحق تكوني خايفة ومش مصدقة، بس اسمعيني للآخر، وإن شاء الله هتقدري تحكمي بنفسك بعد كده.
سكتت وقلبي لسه بيخفق بسرعة، وبدأ يحكي لي أنا معتز الكيلاني، والدي كان شريك لابوكي كمال عبدالعزيز من عشرين سنة، كانوا أصدقاء عمر وشركاء في نفس الشركة، لحد ما حصل خلاف غريب قبل ما يموت ابوكي بسنتين، وابوكي باع كل حصته وخرج من الشركة، وقال لي في ذلك الوقت إنه خايف على حياته وحياتك، وطلب مني إن لو حصل له أي حاجة، أحميك مهما كان الثمن.
توقف شوية وبلع ريقه، وكأن الذكريات بتؤلمه بعد فترة قصيرة، مات ابوكي في حادثة سيارة، والشركة كلها صارت لمنى، وكل أملاك ابوكي وكل ما كان يملك صارت باسمها، وادعت إن ابوكي سلمها كل حاجة قبل ما يموت، وإنها كانت الوحيدة اللي يعتمد عليها، لكني كنت شايف الحقيقة، كنت عارف إن ابوكي ما كانش يثق فيها أبدا، وإن الحادثة دي ما كانتش حادثة عادية.
فتحت عيني بصدمة، قلت له يعني إيه؟ تعتقد إنها قتلته؟
هز راسه
 

تم نسخ الرابط