رواية كاملة

لمحة نيوز


وكمان كتبنا شرط مهم جداً إن خالد وعيلته مش هينالوا ولا قرش واحد، ولا حتى يستفيدوا بأي شكل من الأشكال، وإن أي حاجة كانت مخصصة لهم بقت للخير العام، ووقعت على كل الأوراق، وبصيت للسماء وقلت: "يا رب أنت تعلم إن ما عملتوش ظلم، ده حق للناس اللي محتاجة، وده عقاپ للي نسى منين جاي، وأنت تعلم إن كرامتي غالية عندي."
بعد ما خلصنا، طلبت من أبو سليم يوصلني لبيتي، وطول الطريق كنت بفكر في الماضي، في السنين اللي مضت، واللي كنت بحاول أربي فيه خالد على الخير والوفاء، وكيف كنت بحرم نفسي من كل حاجة عشان هو يلاقي كل حاجة، من غير ما أشعر بۏجع ولا تعب، كنت أشتغل في المستشفى من الصبح لحد ما منتصف الليل، وأجري بين العمليات والمرضى، وكل ما أجيب فلوس كنت أحطها عشان مستقبله، واشتريت له الشقة وفرشتها بأغلى الأثاث، وساعدته في كل خطوة لحد ما بقى دكتور ناجح، وكنت فاكرة إن ده اللي الأمومة بتعنيه، إنك تضحي كل حاجة عشان ابنك، وتنتظر منه كلمة حب أو نظرة تقدير، بس للأسف ما لقيتش غير الجحود والاستخفاف.
وصلت البيت، ودخلت أوضتي، وخلعت ملابس السفر اللي كنت جهزتها بكل دقة، الملابس اللي اشتريتها خصيصاً عشان السفرية، كل قطعة اخترتها بحب عشان أكون أنيقة ومفرحة، والآن كل ده بقي بلا فائدة، بس ما حزنتش، لأن الحزن مش هيرجعلي حقي، والقوة هي اللي هتخليني أعدي من المحڼة دي.
مرت الأيام، وكل يوم كانوا بيتصلوا بي، أول يوم كانوا بيتصلوا عشان يطمنوا، وكان صوت سارة مليان خبث لما بتقول: "أهلاً يا طنط، إحنا وصلنا، والفندق حلو قوي، والعيال مبسوطين، وأم خالد مبسوطة جداً، شكراً قوي لإنك وافقت"، وكنت أرد عليها بكل هدوء: "العفو يا حبيبتي، بالهنا والشفا، ربنا يفرحكم."
وبعد أسبوع، بدأت المكالمات تتغير، صوت خالد كان متوتر وبيقول: "يا أمي، الفلوس اللي معانا بدأت تخلص، ومحتاجين مبلغ إضافي عشان نكمل السفرية، ممكن تبعتيه لنا؟"، وقلت له بهدوء تام: "يا ولدي، الفلوس اللي دفعتها كانت كل ما أملك لهذه السفرية، ومش معايا حاجة تانية، والله يسهل عليكم."
وبعدين بعتلي رسالة يقول فيها: "أمي، أنا عارف إنك زعلانة، بس مش كده طيب، ونرجوكِ تساعدنا، واحنا بنعدك إننا هعوضكِ كل خير لما نرجع"، ورديت عليه: "يا خالد، مش الفلوس اللي تفرق بينا، اللي فرق هو الكرامة، واللي حصل حصل، وكل واحد يتحمل قراراته."
ولما رجعوا من السفر، جوا البيت، وكنت قاعدة في الصالة، مستنياهم، أول ما شافوني جوا بابتسامة عريضة، وفاكري إنهم لسه يقدروا يسيطروني، قربت سارة وقالت: "شفتي يا طنط، السفرية كانت رائعة، وكل حاجة كانت تمام، والعيال بيحبوا الجو كتير، شكراً قوي من كل قلبنا"، وقلت لها ببرود: "العفو، كنت أتمنى إنها تكون لكم كلها خير."
وبعد ما جلسوا، جاب خالد الموضوع وقال: "يا أمي، عايزين نكلمك في حاجة مهمة، كنا فكرنا نعمل توسيع للشقة، ومحتاجين مبلغ كويس، وعارفين إنك تقدرين تساعدينا، وكمان كنا عايزين نعرف إن كنتي هتغيري أي حاجة في الوصية ولا لسه زي ما هي، عشان نطمن قلوبنا ونرتب أمورنا."
سكت شوية، وبعدين بصيت لهم كلهم، واحد واحد، وقلت بصوت واضح ومسموع: "يا خالد، يا سارة، كل حاجة تغيرت من يوم ما كنتوا في المطار، أنا غيرت الوصية بالكامل، وما بقاش لكم ولا قرش واحد من عندي، كل أملاكي وفلوسي هتروح للجمعيات الخيرية، للي بيستاهلها، وللي ما ينسوش الفضل ولا يقللوا من قيمة الناس اللي وقفت معاهم."
ساعتها اتجمدوا كلهم، لون وشهم اتغير، وبص خالد بعين مصډومة وقال: "إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟ مستحيل، أنتِ بتضحكي علينا صح؟ ده كل حاجة لينا، أنا ابنك الوحيد، ازاي تدي كل حاجة لغريب؟"، ورديت عليه بثبات: "أنت مش غريب، أنا ربيتك وصرفت عليك، بس الغريب هو اللي لما لقيت فرصة ينسى أمي وكرامتها، أنا ما عملتوش كده عشان أعاقبكم، عملتوه عشان تعرفوا إن الدنيا مش فلوس بس، وإن من يخسر كرامة غيره، يخسر كل حاجة عنده، واعتقدتوا إن سكوتي ضعف، وسكوتي كان عشان ما أفضحكم، بس دلوقتي كل واحد يعرف قيمته."
قامت سارة وصوتها عليت وقالت: "ده ظلم قوي، أنتِ بتعاقبينا عشان سفرة بسيطة، ده حقه هو الابن الوحيد، والقانون هيقف معاه، ومش هتقدري تغيري الوصية كده"، وقلت لها بكل هدوء: "القانون مع الحق، والحق هنا معايا، أنا صاحبة الفلوس والمال، حرّة أتصرف فيهم زي ما أنا عايزة، واللي عملتوه مش سفرة بسيطة، ده إهانة لشخصي، واستخفاف بكل عمري وتضحياتي، وكرامتي أغلى من كل كنوز الدنيا."
حاول خالد يتوسل لي، يقول كلام حلو، ويعتذر، ويقول إنه كان مضغوط، وإن سارة هي اللي أثرت عليه، وإن اللي حصل غلط ومش هيتكرر، بس كنت وافقت معاه: "يا ولدي، الندم والاعتذار جميل، بس ما بيرجعش اللي اتكسر، أنا سامحتكم في قلبي، بس مش هغير قراري، عشان تعرفوا إن لكل فعل رد فعل، وإن من يزرع الجحود يحصد الخيبة، وإن شاء الله تتعلموا من الدرس ده، وتعاملوا الناس باحترام، ولو رجع بالزمن تاني، كنت عملت كل حاجة زي ما عملتها، بس كنت أتمنى إنكم تكونوا أهل للثقة."
ومن يومها، تغيرت حياتهم بالكامل، كانوا معتمدين على إن الفلوس هتجيهم، وإنهم يعيشوا حياة فخمة بلا مجهود، بس دلوقتي اضطروا يشتغلوا بجد، ويعتمدوا على نفسهم، وبدأت سارة تقلل من كلامها، وتعرف إن مش كل حاجة بفلوس، وإن الاحترام أهم من كل حاجة، وكل فترة بيجي خالد يزورني، مش عشان يطلب فلوس، بس عشان يقعد معايا شوية، ويعتذر، وبيدرك قد إيه كان غلط، وإن الأمومة كنز ما يتعوضش، وإن اللي بيفقدها بيفقد أغلى حاجة عنده.
وأنا كمان حياتي اتغيرت للأحسن، كنت أتخلى عن الفلوس بس اكتسبت راحة بال، وكنت أروح للجمعيات الخيرية، وشوف الأطفال والمرضى، وشوف الفرحة في عيونهم لما أقدم لهم مساعدة، وكنت أحس إن كل تعب عمري ما ضاع هباء، وإن الفلوس لما تروح للي بيستاهلها بتبقى لها قيمة كبيرة، وكنت عايشة بسلام نفسي، ومش نادمة على أي قرار اتخذته، لأن عرفت إن الحقيقة بتظهر في المواقف الصعبة، وإن اللي بيحبك حقاً بيحترمك مهما كان، ومش هيخلي حد يقلل منك ولا يهينك.
وبعد سنين، كنت قاعدة في حديقة الجمعية، وبيدي رسالة من خالد، بيقول فيها: "يا أمي الغالية، أنا دلوقتي فهمت كل حاجة، وفهمت قد إيه كنت غلط، وإنك كنت بتعلميني درس عمري ما هنساه، وأنا بدأت أعامل الناس باحترام، وعلاقتي بسارة اتحسنت، وعرفنا إن الفلوس مش كل حاجة، وإن كرامة الناس واجب احترامها، شكراً يا أمي عشان كنتي معايا طول السنين، وشكراً عشان الدرس القوي ده، وإن شاء الله أكون قد الثقة اللي كنتي حاطاها فيا من جديد، وأعوضكِ كل خير."
دمعة نزلت من عيني، بس دمعة فرح واطمئنان، عرفت إن القرار ده كان صحيح، وإن الخير بيفضل واصل مهما طال الزمن، وإن الدنيا بتعلم الناس من غير ما تكلمنا، وإن الصبر والكرامة هما اللي بيخلوا الإنسان قوي مهما واجه من صعوبات، وقلت لنفسي: "الحمد لله، اللي حصل كان خير، والله يعوض كل واحد على نيته، وكرامة الإنسان هي أغلى ما يملك، ولا شيء في الدنيا يستاهل إن الإنسان يضيعها."
وحتى اليوم، لما بيجي أي حد يقولي إني كنت قاسېة، أرد عليه بكل ثبات: "أنا ما كنتش قاسېة، أنا كنت بحافظ على كرامتي، ولو كنت وافقت وسامحت من غير ما أغير شيء، كانوا بيعتقدوا إن ده سكوت ضعف، وكانوا بيعيدوا الغلط مرات ومرات، الدرس ده لازم يتعلم، والحق لازم ياخد مجراه، وكل واحد يعرف حدود معاه، والدنيا ما بتقام على حد، وإن شاء الله كل واحد ياخد اللي يستاهله."
وهكذا، كانت مكالمة واحدة، بس كانت بداية تغيير كبير، غيرت حياتهم، وغيرت حياتي، وخلت الكل يعرف إن مهما كان الإنسان غني أو فقير، احترام الكرامة هو الأساس، وإن من ينسى الفضل ويعتقد إن الفلوس تشتري كل شيء، هيلاقي نفسه في النهاية وحيد، بلا قيمة ولا احترام، واللي بيحافظ على مبادئه وكرامته، هو اللي بيعيش عزيز النفس، مرتاح البال، ومطمئن القلب طول العمر.
 

 

تم نسخ الرابط