رواية كاملة
جنبه، وابتسامتها المزيفة راحت، وبدلها وشها عابس وزعلانة ايوه يا بنتي، إيه الوقاحة دي؟ كل ده عشان رقاق؟ ياما كليتي رقاق في بيتي، وبعدين ياسين غلط من الأول، كان لازم يعرف قيمته ومكانته.
منة كانت قاعدة ومش بتتكلم، بس عينيها كانت بتشوفني بنظرة الشمتة اللي كنت بحس بيها من سنين، وولادها كانوا بيبصوا لنا ومش فاهمين إيه اللي بيحصل.
أنا سكتة شوية، عشان أجمع كل الكلام اللي كان محبوس جوايا من سنين طويلة، كل المرات اللي كنت أتحمل فيها وأكتم عشان اللمة تفضل قائمة، وعشان مش نكسر خاطر بابا وماما، وعشان الناس تتكلمش. واليوم، قررت إن الكلام ده يطلع كلو، وإن كلمة الحق تطلع من فمي مهما كان الثمن.
قلت بصوت واضح، قوي، مفيهاش أي تردد مش هخرب فرحة حد يا بابا.. لأن الفرحة دي كانت من أولها مش فرحتي، ولا فرحة ابني. أنا جيت هنا كل سنة، وأتحمل كل كلمة، وكل نظرة، وكل ظلم، عشان كنت فاكرة إن الحب اللي بين الأهل بيفضل فوق كل حاجة. بس النهاردة اتأكدت إن الحب ده مش متبادل.. إن الحب هنا بيتقاس بالحظوة، والقرب من العين، وإن العدالة ملهاش مكان في قلوبكم.
بصت لماما وقلت لها بصوت ناعم لكنه قوي يا ماما.. أنا بحبك من كل قلبي، وكنت مستعدة أضحي بحياتي عشان ترضيني. بس ليه بتعاملي ياسين كده؟ هو ذنبه إيه؟ هو جالك بهدومه النظيف، وجابلك التتبيلة اللي تعب وعملها بإيده الصغيرة، وكل أمله إنك تفرحي بيها. وإنتي رميتيها في الزاوية كأنها حاجة عديمة القيمة، وعملتيه يشوف إنه أقل من غيره، وإن مجهوداته ما تعنيلكش حاجة. وآخر حاجة حرمتيله الرقاق؟ الرقاق اللي هو كان مستنيه من الساعة الصبح، وبيحاول يخدم ويقول كلام طيب عشان يرضيكم؟ وده كله قدام الكل، عشان تكسري كرامته قدام ولاد منة؟
ماما كانت عايزة تتكلم، بس كملت قبلها لا يا ماما، اسمعيني للآخر. عمر وملك غاليين عليا زي ياسين، ولا فرق بينهم عندي. بس الفرق الكبير ده من عندكم انتو. أنا مش بطلب إنكم تكرهوا حد، بس بطلب إنكم تكونوا عادلين. الطفل ده قلبه أبيض ومش شايل شر لحد، وانتو بتبنوا في قلبه جروح مش هتتداوى بسهولة. كل نظرة استهانة، وكل كلمة جارحة، بتعلمه إنه مالهش قيمة، وإن مهما عمل، عمره ما يوصل لمستوى غيره. وده مش صح، وده مش تربية، وده مش أهلية.
بعدين بصت لبابا وقلت له يا بابا.. انت طول عمرك بتقول لنا كلام عن العدل والكرامة، وإن الراجل لازم يخلي كلمته فوق كل اعتبار. وانت اللي قلت لياسين إنكم هتشووا مع بعض، وانت اللي وعدته. ليه خليته يحس إن وعودك مجرد كلام؟ ليه سمحت إن الكلام يتقال له بالطريقة دي؟ انت عارف إن ياسين بيحبك ومش بيتمنى غير رضاك، وانت بتكسر خاطره كل مرة بتفضل غيره عليه.
صوتي بدأ يعلو شوية من تأثر، بس حافظت على هدوئي قدر المستطاع أنا مش عايزة أفرق بينكم، ولا عايزة أكسر بيتكم. بس أنا أم، وكرامة ابني غالية عليا أكتر من أي حاجة في الدنيا، أكتر من رضاكم، أكتر من اللمة، أكتر من كل حاجة. لو كنت أنا اللي بتتألم، كنت أتحمل وأكتم. بس لما بيصل الألم لابني، فهنا الخط الأحمر اللي مينفعش أحد يتعداه. مهما كانوا الأهل، ومهما كانت الأسباب.
منة قالت لي بصوت عالي وبعدين يا انجي؟ كل ده عشان علبة تتبيلة وقطعة رقاق؟ إنتي بتكبرين الحاجات ومش عارفة قيمتها، وبتخلي الولد يكبر على النكد والكره لأهله.
رديت عليها بكل هدوء ده مش تكبير يا منة، ده أصل الأصول. الكرامة مش بتتقاس بحاجة غالية أو رخيصة، الكرامة في المعاملة، وفي القلب اللي بيعطي وياخد بالعدل. أنا مش بعلم ياسين الكره، أنا بعلمه إن يصون كرامته، وإن ما يقبلش الظلم مهما كان صغير. وإن كان أهله ظلموه، فده مش عيب فيه، العيب في اللي ظلمه. وصدقيني، لو كنتي مكاني، كنتي عملتي أكتر من كده عشان كرامة ابنك.
بابا كان واقف ساكت، وملامح وشه اتغيرت، والغضب اللي كان عليه بدأ يختفي ويحل محله حاجة تانية.. ربما ندم، ربما تفكير، مكنتش عارفة بالظبط. ماما كانت عينها مليانة دموع، وبدأت ترتجف إيديها، وكأن الكلام ده وصل لقلبها بعد ما كان مغلق سنين.
قلت لهم في الآخر أنا مش عايزة مشاكل، ولا عايزة أحد يزعل. النهاردة خدت قرار صعب، بس هو القرار الصح. من النهاردة، أنا مش هجي هنا إلا لو اتغيرت المعاملة، ولو عرفتم إن كل واحد منا له قيمته، وإن العيلة بتتجمع على الحب والعدل مش على التفضيل والظلم. ياسين حفيدكم، وله مكان في قلوبكم زي ما لغيره. وإن محبتوش تعاملوه كده، فأنا هحافظ عليه وأعطيه كل الحب والعدل اللي محتاجه، بعيد عن أي مكان يكسروا فيه خاطره.
سحبت ياسين اللي كان واقف جنبي بيلمس إيدي ويشجعني، وقلت له يلا يا حبيبي، نمشي. ولفت ومشيت ناحية الباب، ومحدش منعني ولا كلمني. وصلت للباب، وفتحته، وكنت على وشك أطلع، لما سمعت صوت ماما بينادي بصوت مهزوز انجي.. استني شوية.
وقفت ومش لفت، قلت نعم يا ماما؟
قالت وهي بتكاد تبكي الرقاق.. كان غلط مني.. والكلام