رواية كاملة
اليوم. ضغط على زر الاتصال السريع، وبصوت هادئ وحازم قال بكلمة واحدة فقط
نفّذ.
بعد مرور أسبوعين كاملين، انقلبت حياة ملك تماماً، ولكن ليس بالشكل الذي تتخيله الروايات المعتادة.
في البداية، لاحظت أن مدير المطعم بدأ يعاملها باحترام غير مسبوق، بل ورقاها لتكون المشرفة المسؤولة عن الصباح، لكن المفاجأة الحقيقية حدثت في أحد الأيام عندما فوجئت بإدارة المطعم تخبرها أن هناك مستثمراً ضخماً ومجهولاً اشترى 70 من أسهم سلسلة المطاعم الفاخرة، وأن أول قرار اتخذه هذا المستثمر هو تعديل عقود جميع العاملين، مضاعفة رواتبهم، وتأمين طبي شامل لكل عمال الخدمات والمساعدين.
ولم يكتفِ بذلك.
في صباح يوم بارد يشبه اليوم الذي تقابلا فيه، كانت ملك تقف كعادتهالمتابعة تحضيرات الصباح، عندما توقفت أمام باب المطعم سيارة سوداء فارهة ومصفحة، لم ترَ مثلها من قبل سوى في التلفزيون. فتح الحرس الباب، وخرج منها رجل طويل القامة، يرتدي بدلة داكنة مصممة بعناية فائقة، وعينيه تحملان نفس النظرة الثاقبة والهيبة التي حفظتها جيداً رغم اختلاف الملابس والهيئة.
ساد الصمت في المكان كله. المدير والموظفون وقفوا بانتباه واحترام شديد.
اقترب سليم بخطوات ثابتة وواثقة حتى وقف أمام طاولة ملك مباشرة. عقد ذراعيه قليلاً، وابتسم ابتسامة هادئة وخفيفة أظهرت وقاراً طاغياً، وقال بصوته الرجولي العميق
صباح الخير يا ملك... هل ينفع تشربي معايا قهوة النهاردة، بس على حسابي أنا؟
رفعت ملك حاجبها بدهشة بالغة، وعرفت فوراً هذه النظرة. هبطت عيناها سريعاً إلى يديه، ولاحظت بوضوح غياب الحرق القديم لأنها تعرف تفاصيل وجهه، فقالت بصوت خافت يملؤه الذهول
إنت...؟!
نعم، أنا رد سليم بهدوء وهو ينظر في عينيها بعمق. أنا نفس الشخص اللي وقفتِ جنبه لما الكل كان ضده، وأنا كمان الشخص اللي قرر يغير قواعد اللعبة كلها في البلد دي.
تنحنح مدير المطعم واقترب بتوتر، لكن سليم أشار له بيده ليتراجع. ثم استأنف سليم كلامه وهو ينظر حوله باحترام لكل العاملين البسطاء، ثم وجه حديثه لملك
أنا طول عمري فاكر إن الفلوس والسلطة هما اللي بيدوني القيمة الحقيقية، وإن الناس كلها بتجري ورايا عشان اسمي. لكن في اليوم ده، عرفت إن الإنسان الحقيقي هو اللي بيبان معدنه وقت الشدة. إنتِ ماكنتيش تعرفي أنا مين، ومع ذلك دافعتي عني برغيف عيش وقفتي بيه قدام جبروت ناس ما تفهمش الإنسانية.
شعر الجميع بالرهبة من هيبة الرجل، لكن ملك لم تخفَ. ابتسمت بوضوح، وقالت بصوت ثابت
وأنا ماكنتش أعرف إن الراجل اللي اديته رغيف عيش هو سليم الدمنهوري... بس لو كنت أعرف، كنت هعمل نفس الحاجة، لأن الكرامة والإنسانية ما بيتعرضوش للبيع في مزاد.
أومأ سليم برأسه احتراماً لإجابتها، ثم أخرج من جيب بدلته علبة قطيفة صغيرة وأنيقة للغاية، فتحها بهدوء لتظهر فيها ساعة معدنية فريدة ومصممة خصيصاً، مرصعة بألماس نادر، لكن الأهم من ذلك، كان منقوشاً على خلفيتها عبارة بخط اليد القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يحمله قلبه.
مدّ يده بالعلبة وقال بنبرة دافئة وحاسمة
الساعة دي مش تمن للقهوة ولا للرغيف... دي تعهد مني قدام نفسي والبلد دي كلها، إن سليم الدمنهوري اللي كان تايه في وسط المليارات، لقى أخيراً الإنسانية اللي ضاعت منه... فهل تقبلي تشاركي الكيان اللي أنا بنيته، وتبدأي معايا بداية جديدة تماماً؟
نظرت ملك إلى الساعة، ثم رفعت عينيها إلى وجهه، ورأت الصدق الخالص في عينيه الذي لم تستطع كل أموال الدنيا تزييفه. أغلقت العلبة بابتسامة واسعة، وقالت
القهوة عليا النهاردة يا سليم بيه... بس الشراكة، محتاجة تفكير على فنجان تاني.
ضحك سليم بصوت عالي لأول مرة منذ سنوات طويلة، ضحكة هزت أركان المكان، وشاركه الجميع الابتسام، بينما وقفت البنات المتكبرات من بعيد ينظرن في ذهول تام وصدمة عارمة، غير مصدقين أن البنت البسيطة التي سخرن منها أصبحت الشريكة الأقرب لأهم رجل في الدولة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد سليم يخاف من الزيف مجدداً، لأنه وجد الحقيقة الكاملة في قلب امرأة لم تكن تملك سوى طيبتها، لكنها امتلكت قلبه للأبد.