رواية كاملة

لمحة نيوز


لكن كريم كان حازم
كل حاجة في الفيلا دي بتتسجل. وكل حركة بتحصل بيتشافها. وإن شاء الله الحقيقة تطلع مهما كانت صعبة.
مرّ نص ساعة وهي أطول نص ساعة عاشت أمل في حياتها. ليلى كانت نامت من العياط والخوف، ومخدة راسها على حضن أمها، وكل شوية أمل تمسح على شعرها وتدعى ربنا ينجيها من المحنة دي. نجوى كانت قاعدة في الصالة الرئيسية، وكل شوية تبص على الموبايل وتتكلم مع حد بلهجة متضايقة، وكأنها بتتأكد من حاجة.
لما جاء الموظف المسؤول عن الأجهزة، وقف قدام كريم وقال
كل التسجيلات موجودة يا باشا. بداية من أول النهار لحد ما الحادثة حصلت.
شغلها. قال كريم، وكل الحاضرين وقفوا بتركيز.
أول فيديو ظهر كان من كاميرا قريبة من باب غرفة الخدمة. ظهرت أمل وهي داخلة الشنطة بتاعتها، وكل محتوياتها كانت ملابس ليلى، وشوية أغراض بسيطة، ولا أثر لأي إسورة. بعدها بساعة، ظهرت سكرتيرة نجوى، وهي بتدخل الغرفة وهي بتبص يمين وشمال عشان تتأكد إن مفيش حد شايفها، وبسرعة خفت الإسورة جيبها وحطتها تحت ملابس ليلى في الشنطة، وخرجت وهي بتتأكد إن حد مش شافها.
بعدها تسجيل صوتي كان كريم طلبه من اللي كان بيتكلم مع نجوى في التليفون قبل الحادثة بدقائق
...أنا قلتلك لازم تخلصي الحكاية دي اليوم. حطي الإسورة في شنطتها، وادّي الأمن إشارة يفتشوها، وخلّي كل الناس تشوفها. كده نقطع الطريق عليها وعلى ابنها، ويعرف إن ده مش مكان لحد يطمع فينا. وإن سألتك حد قولي إنك شفتيها بتاخدها من غرفة المجوهرات بالغلط... ولا يهمك، أنا اللي هرتب كل حاجة.
لما خلص التسجيل، سكت المكان كله لدرجة تسمع صوت الهوا بيمر على الشجر. نجوى كانت واقفة ومش عارفة ترد، ووشها تحول لونها لون الدم، وعيونها بتتحرك بقلق ما بين كريم وبين الناس كلهم اللي كانوا بيثقوا في كلامها قبل شوية.
كريم بص لامه، وقال بصوت خافت كل الغضب والوجع
كنت فاكر إنك أمي... وإنك لو شفتني مرتاح لحد، هتكوني أول واحدة تسعد لي. لكن ما عرفتش إنك عايشة في عالم المظاهر بس، وإن أي إنسان مهما كان وضعه، عنده كرامة ومش مسموح نحطمه عشان نحقق أهدافنا.
بص على السكرتيرة، وقال
أنتِ طالبة شغلك من دلوقتي. وكل ما عندك من مستحقات هتاخديها، بس ما تظهريش في مكان تاني أبدًا.
وبعدها لف على أمل، ومد إيده وقال
أنا آسف جدًا على اللي حصل. آسف إن سمحت لأحد يهينك أو يخوفك في بيتي. من دلوقتي، ده بيتك زي ما هو بيتي. وحد مش هيتجرأ يتكلم عنك أو عن بنتك بكلمة سواء.
أمل حاولت تتكلم، لكن الكلمات ما طلعتش من حلقها، ودموعها نزلت غصب عنها، بس دي المرة الأولى اللي دموعها تنزل من الراحة والامتنان مش من الخوف والذل.
نجوى رجعت لغرفتها من غير كلمة، وقفلت الباب وراها. لأول مرة تحس إنها خسرت كل حاجة كانت بتعتقد إنها تمتلكها السلطة، احترام ابنها، وثقة الناس اللي حواليها. جلست على السرير، وبدأت تتذكر الأيام اللي كانت هي وزوجها بيحاربوا عشان يبنوا العيلة دي، وكيف كانت وعدته إنها تحافظ على ابنهم مهما كان، وإنها ما تضيعش إنسانيته وراء الفلوس والمكانة. وبدأت تدرك إنها اللي ضاعت الطريق، وإن كريم مش هو اللي غلط، ولا أمل، ولا حتى ليلى الصغيرة... هي وحدها اللي غلطت.
بعد يومين، طلبت نجوى تقابل كريم. كانت وشها شاحب، وملامحها هدأت، وبدت كأنها رجعت لسنها الحقيقي بعد ما كانت السنين بتخفي وراء الكبرياء والسلطة. قالتله بصوت هادئ مليان بالندم
أنا آسفة يا بني. كنت غبية، وكنت خايفة عليك من الدنيا، بس خوفي جابلك الأذى. كنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هم الحماية، ونسيت إن الحماية الحقيقية هي العدالة، وإنك ما تضلمش أحد مهما كان. وأنا آسفة منك يا أمل كمان... وأتمنى تسامحيني.
أمل ابتسمت، وقالت بكل طيبة قلب
الله يسامحك يا سيدتي. كلنا بنخطئ، واللي بيعترف بذنبه غفر له.
من اليوم ده، تغيرت حاجات كتير في الفيلا. نجوى كانت بتقعد مع ليلى وتلعبها، وبتسأل أمل عن حاجاتها، وبتساعدها في كل ما تحتاج. كريم بقى أكتر هدوء واطمئنان، وابتسمته رجعت تظهر أكتر من زمان. أوضة الألعاب اللي فتحها بقت أجمل مكان في الفيلا، وكل يوم بتسمع فيها ضحكات ليلى ونجوى وأمل وكريم مع بعض.
وبعد فترة، جاءت ياسمين بنت العيلة الغنية، وسألت عن الحكاية كلها. لما عرفت الحقيقة، قالت لكريم
كنت عايزة أتجوزك عشان كنت فاكراك رجل أعمال ناجح بس. لكن دلوقتي عرفت إنك إنسان قبل كل حاجة، وإن ده أحسن وأغلى ما فيك. ولو ما كنتش شايف الحق واقف مع المظلوم، ما كنتش عايزة أكون مراتك أبدًا.
وبدأت علاقتهم تتطور ببطء وصدق، مبنية على الاحترام والثقة، مش على الفلوس أو المكانة. وكل ما كان بيجي أي شخص يحاول يفرق بينهم أو يتكلم بكلمة سواء على أمل، كان كريم يقول لهم بكل ثقة
دي إنسانة شريفة، وبنتها طفلة بريئة. ومن يحترمهم يحترمني، ومن يعاملهم بسوء فهو يعاملني بسوء.
والشجرة الكبيرة اللي كان بيستخبى تحتها كريم، بقت مكانهم المفضل كلهم. تحتها كان بيجلسوا، وكريم بيحكي لليلى قصص عن أبوه، ونجوى بتتذكر أيام زمان، وأمل بتشكر ربنا على ما رزقها من نعمة ما كانت تتوقعها أبدًا.
وعرف الجميع في المنطقة إن عيلة المنشاوي مش عيلة غنية بس، ولا عيلة ليها نفوذ وسلطة... إنما عيلة بتعرف معنى الكرامة، والعدالة، وإن الفلوس ما تقدرش تشتري إنسانية الإنسان، ولا تقدر تغير الحقيقة مهما حاولوا يخفوها أو يزوروها.
وظلت ليلى كل ما تشوف كريم تجري عليه وتقعد فوق حضنه، وكل ما أمها تمنعها تقول ببراءة
ده مكاني المفضل... هو آمن مكان في الدنيا.
وكريم كان يضحك ويقول
وأنا كمان آمن لما تكوني معايا.
وهكذا انتهت المحنة، وظهر الحق، وعرف كل واحد جزاء فعله الظالم نال ندمه، والمظلوم نال راحته، والخير بقي هو اللي ساد في النهاية، زي ما وعد الله في كتابه الكريم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

تم نسخ الرابط