رواية كاملة

لمحة نيوز

سألني:

— النجوم دي معناها إيه؟

قلتله:

— ماما كتبت الساعات... وأنا اللي رسمت النجوم.

وفي نفس اللحظة، كان الأستاذ شريف واقف عند الكاشير بيضحك بصوت عالي، وبيقلّب مفتاح عربيته الـBMW الجديدة على صباعه.

الحاج منصور بص ناحيته.

وبعدين رجع بصلي.

وسألني:

— وإيه حكاية النجوم يا آدم؟

بلعت ريقي، وشورت على أول نجمة.

وقلت بصوت واطي:

— دي الليالي اللي نمنا فيها من غير عشا.

وفجأة...

المطعم كله سكت.

الحاج منصور قام من مكانه بالراحة.

وفي نفس اللحظة...

الأستاذ شريف لف وشه ناحيتنا لأول مرة.

وأول ما عينه جت في عين الحاج منصور...

مفتاح العربية وقع من إيده على الأرض..... 

مفتاح العربية وقع من إيده على الأرض، وصوته وهو بيتمرجح بين الكراسي عمل رنين حاد خرس الكل.
شريف بلع ريقه، ولونه خطف، والضحكة البلهاء اللي كانت على وشك تكمل طارت في ثانية. كان عارف كويس أوي مين الراجل اللي واقف في أخر الصالة، وعارف إن النظرة اللي في عين الحاج منصور دلوقتي مش مجرد نظرة ضيق، دي نظرة حكم بالإعدام المعنوي.
الحاج منصور ما بصش لشريف أكتر من ثانية.
رجع بصلي، ومد إيده الكبيرة بخشونتها وقسوتها، بس بحنان غريب أول مرة أشوفه في راجل ضخم زيه، خد مني ورقة الساعات والنجوم البنفسجي، وحطها في جيب جاكيته الداخلي وكأنه بيحط فيها وثيقة أمن قومي.
وبصوت هادئ، هادئ لدرجة مرعبة، قال لواحد من رجاله الواقفين وراه:
— هاتلي الأستاذ شريف لحد هنا... من غير خناق، ومن غير صوت... بالذوق كده.
في ثواني معدودة، كان شريف واقف قدام الترابيزة، رجليه مش شايلته، وعرقه بينزل بغزارة من جبينه رغم التكييف البارد.
— أ... أهلا يا حاج منصور! نورت المطعم... أمرك؟ فيه حاجة مش عاجباك في الأكل؟ شريف بدأ يتكلم بتبرير متقطع ومرتعش.
الحاج منصور قعد مكانه تاني،شبك إيديه الاتنين قدامه على الترابيزة، وبص لشريف من فوق لتحت وقال بصوت واطي:
— الأكل زي الفل يا شريف... بس يبدو إن الحسابات هي اللي مش مظبوطة.
— حسابات إيه يا باشا؟ دي موظفة عندنا عادي و...
— موظفة اشتغلت سبت وحضرت حد، وقعدت 77 يوم من غير ما تاخد مليم واحد، وفي الآخر تقولها "احمدي ربنا إنك لسه شغالة عندنا"؟ وقبلها بتستحمليها أسبوع ورا أسبوع عشان تركب الـBMW الجديدة بتاعتك؟
شريف بصلي نظرة مرعبة فيها وعيد وتهديد، وكأن عايز يقولي: "إنت اتكلمت؟"، بس الحاج منصور مد إيده فجأة ومسك دراع شريف وعصره بقوة خلت شريف يصرخ بصوت خافت:
— عُينك تروح في أي حتة غير في الأرض، وأنا بتكلم معاك، تبصلي أنا!
شريف نزل عينه في التراب بسرعة.
الحاج منصور كمل بكلام هادئ:
— اسمعني كويس يا شريف. الشيك ده هيتكتب دلوقتي حالا.. مش بالـ268 ألف جنيه بتوع 11 أسبوع بس.. دول هيبقوا 400 ألف جنيه، الـ132 ألف الباقيين تمن الرعب اللي عيشته لولا الدكتورة أم آدم، وتمن النجوم البنفسجي اللي آدم رسمها عشان كان جعان بالليل.
— بس يا حاج.. دي مبالغ كبيرة والمطعم مفيش فيه السيولة دي طالع منها كاش... شريف حاول يتذاكى.
— السيولة عندك أنت، في حسابك الشخصي اللي بره، قدامك دقيقتين تفتح موبايلك وتحول الفلوس، ولا أقولك؟ تبيع الـBMW بكرة الصبح وتدفع للبنت حقها تالت ومثلث، ولو ملقتش حد يشريها، أنا هشتريها منك بنص تمنها وأرميها في أي خردة.
شريف ما استستمش دقيقة واحدة. طلع موبايله وإيديه بتترعش زي العصاية في الهوا، وفتح تطبيق البنك، وخلال لحظات كان موبايل ماما اللي سايباه في المكتب جرس برسالة تأكيد تحويل المبلغ كاملاً.
في اللحظة دي، ماما دخلت من باب الحمام وهي بتنادي عليا بقلق:
— آدم! إنت فين يا حبيبي...
وقفت مكانها بصدمة. شافت المطعم كله ساكت، شافت الحاج منصور اللي كل القاهرة بتعمله ألف حساب قاعد قدامي، وشافت شريف اللي شبه الميت واقف وشه في الأرض، وموبايلها في إيدها بينور برسالة البنك برقم فلكي.
الحاج منصور قام بالراحة، ابتسم لماما ابتسامة هادئة وقال بح احترام شديد:
— حقك رجع لك يا ست الكل.. وابنك ده راجل بجد، عديتي من وسط سبعت رجالة عشان تجيبي حقك، وطلعتِ راجل صلب بيعرف يختار ضهره صح.
مama مكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، دموعها نزلت بصمت، بس المرة دي مش من القهر... دي كانت دموع الفرح والارتياح.
مسكت إيدي جامد، وقالت وهي بتبص للحاج منصور بعيون مليانة شكر:
— متشكرة يا حاج... شكراً ليك يا آدم.
وهما خارجين من المطعم، بصيت ورايا لقيت الأستاذ شريف واقف لوحده في ركن الصالة، ومفتاح الـBMW مرمي على الأرض جنبه، ومحدش حتى كلف خاطره يوطي يجيبه له.
ومسكنا إيد بعض أنا وماما، وطالعين في الشارع، وأنا في جيبي باقي كشف الساعات... وفي قلبي يقين تام، إن "الأربع سنين ونص" دول... هما أحلى سنين عمري، عشان في النص ده قدرت أكون الراجل اللي جاب حق أمه.
 

تم نسخ الرابط