رواية كاملة

لمحة نيوز


نظرة الڠضب اللي كانت في عين أحمد ليا اتحولت في ثانية لذهول وړعب حقيقي.. بصلي وبص للباب، وإيده اللي ماسكة التليفون كانت بترتعش.
الخطوات كانت بطيئة ومنتظمة.. مش مشية حد خاېف أو بيتسحب، لأ، دي مشية حد واثق من نفسه وبيتحرك براحته في المكان. أحمد بحركة تلقائية قفل الصوت بتاع المكالمة من غير ما يقفل الخط، وسحبني وراه بالراحة ورا الدولاب، وهو بيشاورلي بإيده التانية إن مطلعش أي صوت.
نفسي كان مكتوم، وحاسة إن قلبي هيطلع من ضلوعي من كتر الخۏف. صوت الخطوات وقف بالظبط قدام باب أوضتنا.. وفجأة.. أكرة الباب بدأت تتحرك لتحت ببطء شديد!
أحمد عينه وسعت من الصدمة.. هو كان قافل الباب بالترباس الصغير بتاع الأوضة، فالأكرة نزلت بس الباب ماتفتحش. اللي واقف برة حاول يزق الباب بكتفه زقة خفيفة، ولما لقاه مقفول، الحركة وقفت تمامًا. فضلنا واقفين مكانا مش قادرين نتحرك ولا ناخد نفسنا لمدة دقيقة كاملة كأنها سنة.
وبعدين.. سمعنا صوت الخطوات وهي بتبعد تاني وترجع ناحية الصالة، وبعدها بثواني صوت تكة الباب بتاع الشقة وهو بيقفل بالراحة!
أحمد جري على الباب وبسرعة فتحه وخرج للصالة وأنا جريت وراه.. الصالة كانت فاضية تمامًا، مفيش فيها أي أثر لأي حد. جري على باب الشقة ولقاه مقفول، بس الترباس الداخلي مكنش معمول. بصلي ووشه كان أبيض زي الورقة وقال بصوت مبحوح
إيلين.. البنت جوة في أوضتها؟
جريت على أوضة بنتي وبالراحة فتحت الباب.. البنت كانت نايمة في سريرها بعمق ومش حاسة بأي حاجة حواليها. رجعت لأحمد وهزيت رأسي بالإيجاب
البنت نايمة يا أحمد.. مش هي.. مش هي خالص.
أحمد قعد على الكنبة الكبيرة، حط وشه بين إيديه وهو بينهج كأنه كان بيجري مارثون.. التليفون في إيده لسه الخط مفتوح وصوت أبوه باين منه وهو بينادي
أحمد؟ أحمد يا ابني إنت معايا؟ رحت فين؟
أحمد رفع التليفون لودنه وقال بصوت مجهد وتعبان جداً
معاك يا بابا.. معاك.. أنا هكلمك بكرة الصبح علشان تعبان دلوقتي ومش قادر أتكلم.. مع السلامة.
وقفل الخط من غير ما يستنى رده.
القعدة في الصالة بقت ټرعب.. أحمد بصلي فترة طويلة كأنه بيعيد حساباته في كل كلمة قلتها له من ساعة ما لقيت المفتاح. قربت منه وقعدت جنبه وقلت برعشة في صوتي
مصدقني دلوقتي؟ مصدق إن في حاجة مش طبيعية بتحصل في البيت ده؟
أحمد بص في الأرض وقال بحيرة
أنا مش غبي يا إيلين.. أنا شفت بعيني الأكرة وهي بتنزل.. وشفت الباب وهو بيتزق.. بس اللي مش قادر أستوعبه.. مين اللي معاه النسخة دي؟ وأبويا.. أبويا لسه مكلمني في التليفون وكان بيعيط.. مستحيل يكون هو اللي واقف برة الباب وفي نفس اللحظة بيكلمني!
طب والمفتاح اللي لقيته تحت الكنبة؟ والكلام اللي قالهولي الظهر؟
أحمد قام وقف وفضل يلف في الصالة وهو بياكل في ضوافره من التوتر
مش عارف.. مش عارف يا إيلين! الحكاية بقت معقدة وتجنن.. المفتاح ده ممكن يكون وقع من أي حد.. بس مين اللي دخل الشقة دلوقتي؟ ومين اللي بيدخل ويخرج بالسهولة دي؟
قلتله بإصرار
الحل الوحيد دلوقتي إننا نغير كالون الباب.. حالًا يا أحمد.. أنا مش هقعد دقيقة واحدة في الشقة دي والكالون ده راكب.
بص في الساعة ولقاها بقت
واحدة بعد النصف
نغير الكالون دلوقتي فين يا بنتي؟ المحلات كلها قفلت.. أول ما الصبح يطلع هجيب نجار ويغير القلب بتاع الكالون كله ونعمل مفاتيح جديدة محدش يعرف عنها حاجة.
الليلة دي مدخلناش أوضة النوم.. أحمد جاب غطا وقعدنا إحنا الاتنين في الصالة، مشغلين النور كله، وعيونا مفارقتش باب الشقة لحد ما النور بتاع ربنا بدأ يشقشق. كل صوت خفيف برة في المنور أو في السلم كان بيخلينا نتنفض من مكانا.
على الساعة تمانية الصبح، أحمد نزل بسرعة وجاب النجار وجه.. النجار فك الكالون القديم وركب واحد جديد بخمس مفاتيح متغلفين بالبلاستيك بتاعهم. أحمد أخد الخمس مفاتيح في جيبه، وبصلي وقال
أهو.. الكالون اتغير والمفاتيح اهي معايا محدش لمسها.. ريحي بالك بقى شوية.
النجار وهو بيلم حاجته وبياخد حسابه، بص لأحمد وقال بعفوية
بس الكالون القديم بتاعكم كان سليم يا أستاذ أحمد.. ومش من النوع اللي يتفتح بأي مفتاح عادي.. ده لازم نسخة مطبوخة بالظبط ومعمولة بمقاسات معينة.
أحمد شكره ومشاه، والكلمة دي وفقت في زوري.. نسخة مطبوخة.. يعني اللي عملها كان معاه المفتاح الأصلي لفترة كافية علشان يروح يطبع عليه!
بعد ما النجار مشي، أحمد قعد يشرب قهوة علشان يقدر يروح شغله، وقال بتحذير
إيلين.. أنا رايح الشغل دلوقتي.. الباب يفضل مقفول بالترباس من جوة.. ومتفتحيش لأي حد مهما كان.. حتى لو أبويا جه، متفتحيش وقولي إنك تعبانة أو نايمة.. أنا هروح وأشوف الموضوع ده هيوصل لفين.. وعايز الدنيا تهدي شوية علشان أعرف أتكلم مع أبويا بالعقل من غير مشاكل.
هزيت رأسي وأنا بلم حاجتي
ماشي يا أحمد.. المهم نكون في أمان.
نزل أحمد، وأنا قفلت الباب ورا بالترباس والسلسلة وجربت المفتاح الجديد.. الإحساس بالأمان رجع لي سنة صغيرة، بس الخۏف مكنش مفارق تفكيري. دخلت المطبخ بسرعة علشان أعمل لقمتين لبنتي وليا، وحاولت أشغل نفسي بشغل البيت.
على الساعة حداشر الظهر، تليفون البيت الأرضي رن.. استغربت، لأن محدش بيتصل على الأرضي غير حماتي أو حد من قرايب أحمد الكبار. رحت ورديت
ألو؟
جالي صوت حماتي، بس صوتها كان متغير.. فيه نبرة لوم وزعل شديد
كده يا إيلين؟ كده يا بنتي تعملي في عمك الحاج كده؟ الراجل جاي يطمن عليكي وعلى بنتك، تقومي تسمعيه كلام يسم البدن وتتهميه بالكلام الفارغ ده؟ الراجل ضغطه علي وامبارح كان بېموت من القهر بسببك!
نشفت ريقي وحسيت إن الموضوع بدأ يتطبخ صح ضدي.. قلت بأدب بس بقوة
يا ماما.. حضرتك ماتعرفيش الحقيقة كاملة.. عمي الحاج معاك نسخة من مفتاح شقتنا، وبيدخل بيها في الوقت اللي أحمد بيكون فيه في الشغل وأنا نايمة ولوحدي.. ده يرضي ربنا؟
حماتي سكتت ثانية، وبعدين قالت بعصبية
نسخة إيه وكلام فارغ إيه! المفتاح اللي كان معاه ده مفتاح الشقة القديم بتاعنا إحنا اللي ضاع من سنة.. وهو لقاه في جاكتة قديمة وقال يعدي يجربه لو هو بتاعكم يديه لأحمد.. والباب كان موارب وهو دخل عادي.. إنتِ ليه دايماً نيتك وحشة من ناحيتنا وتحبي تعملي مشاكل بين أحمد وأبوه؟
الباب ماكنش موارب يا ماما.. عمي الحاج دخل بالمفتاح وسألني لو كنت بقفل أوضة النوم.. وحضرتك عارفة كده كويس!
جرى إيه يا بت إنتِ! إنتِ هتسوقي فيها؟ الحاج مستحيل يعمل كده، وتلمي نفسك وأول ما أحمد يرجع تروحي معاه تعتذري لعمك الحاج وتبوسي على راسه، وإلا قسمًا بالله لأخلي أحمد يتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك!
وقفت الخط في وشي من غير ما
تديني فرصة أرد.
دموعي نزلت من الظلم.. هما مقفلين القصة بالطريقة اللي تعجبهم، ومطلعيني أنا المفترية والمفتعلة للمشاكل.
عدت الساعات، وجت الساعة اتنين الظهر.. نفس التوقيت المخيف. البنت كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على الكرتون بصوت واطي. وأنا كنت قاعدة في المطبخ بعمل الغدا وعيني كل شوية تروح على الصالة.
وفجأة.. سمعت صوت حركة برة الباب تاني..
جسمي كله نفض..
 

تم نسخ الرابط