قالت بنت الخادمة حكايات ميراا
الشخص الوحيد الذي أنقذ حياته منذ البداية.
ولأول مرة...
شعر عمر، وهو مكبل اليدين داخل سيارة مجهولة تسير في الظلام، أن المعركة لم تعد من أجل الانتقام...
بل من أجل إنقاذ طفلة في الثالثة من عمرها، أصبحت مفتاح الحقيقة كلها استعاد عمر وعيه ببطء.
كان معصوب العينين، ويداه مقيدتان إلى كرسي معدني.
استمع في صمت.
صوت أمواج...
ورائحة ملح البحر.
ومولد كهربائي قديم.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
همس لنفسه
مخزن على الميناء...
خلع أحد الرجال العصابة عن عينيه.
كانت الغرفة واسعة، تتدلى منها مصابيح صفراء باهتة.
وفي الجهة المقابلة...
كانت ليلى جالسة على كرسي صغير، تحتضن أرنبها القماشي.
لم تكن تبكي.
ما إن رأته حتى ابتسمت.
عمو عمر... قلت لهم إنك هتيجي.
ابتسم لها رغم القيود.
وأنا وعدتك إني هاجي.
خرج رجل من الظل.
كان يرتدي بدلة رمادية وقفازات سوداء.
لكن هذه المرة...
لم يكن يضع خاتم العقرب.
قال بهدوء
أنت قريب جدًا من الحقيقة.
رفع عمر رأسه.
ومن أنت؟
خلع الرجل قبعته.
كان الوجه مألوفًا...
لكنه احتاج ثوانٍ ليتذكره.
إنه محمود الرفاعي.
الرجل الذي ظن الجميع أنه مات قبل عشرين عامًا.
قال عمر بذهول
أنت حي؟
ابتسم محمود.
كنت لازم أختفي.
لو ظهرت، كانوا هيقتلوني قبل ما أوصل الأدلة ليك.
نظر عمر إلى ليلى.
ليه خطفتوها؟
رد محمود بسرعة
إحنا ما خطفناهاش.
إحنا أنقذناها.
قطب عمر حاجبيه.
فتح محمود شاشة صغيرة معلقة على الحائط.
ظهرت كاميرات القصر.
كان رجال مسلحون يقتحمون المكان بعد دقائق من مغادرة عمر.
ويفتشون كل غرفة.
قال محمود
لو كانت ليلى فضلت هناك... كانت ماتت.
ساد الصمت.
ثم أضاف
في حد داخل رجالتك بيسرب كل تحركاتك.
شعر عمر بقبضة في صدره.
إذن...
الخيانة لم تنته.
في تلك اللحظة، دخل حسام إلى المخزن وهو يرفع سلاحه.
صرخ
ابعدوا عنه!
لكن محمود لم يتحرك.
بل قال بهدوء
كنت مستنيك.
رفع حسام سلاحه أكثر.
ثم فجأة...
ألقى المسدس على الأرض.
نظر عمر إليه باستغراب.
قال حسام
خلاص.
تعبت من الشك.
طلّع الحقيقة كلها.
تنهد محمود.
ثم ضغط زرًا صغيرًا.
انفتح باب حديدي خلفه.
خرجت امرأة في الخمسين من عمرها.
شحب وجه عمر.
همس
مستحيل...
كانت المرأة تشبه والدته إلى حدٍ كبير.
لكنها لم تكن والدته.
قالت والدموع في عينيها
أنا أخت أمك...
خالتك نادية.
كنت شاهدة على كل اللي حصل.
واختفيت من يوم الجريمة.
اقتربت من عمر.
وأخرجت سلسلة فضية من رقبتها.
في نهايتها نصف ميدالية قديمة.
فتح عمر محفظته بسرعة.
أخرج نصف ميدالية أخرى كان والده يحتفظ بها دائمًا.
التصق النصفان معًا.
وفي الداخل...
ظهرت ورقة صغيرة جدًا، مطوية بعناية.
فتحها محمود.
قرأ السطر الأول.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال
أخيرًا...
بقى عندنا اسم أول واحد أسس المجلس السري.
لكن قبل أن ينطق الاسم...
اهتز المخزن بانفجار عنيف.
تطاير الزجاج.
وانطفأت الأنوار.
وتردد صوت إطلاق نار كثيف من الخارج.
أدرك الجميع أن المجلس السري...
وصل إليهم قبل أن تصل الحقيقة دوّى الانفجار حتى اهتزت جدران المخزن.
انطفأت الأنوار تمامًا، ولم يبقَ سوى أضواء الطوارئ الحمراء.
صرخ محمود
انزلوا على الأرض!
اندفع حسام نحو ليلى، وحماها بجسده، بينما فك عمر قيوده بقطعة معدن حادة سقطت من الكرسي بعد الانفجار.
ارتفعت أصوات الرصاص في الخارج.
لكنها توقفت فجأة...
وكأن المهاجمين لم يأتوا للاقتحام.
بل لشيء واحد فقط.
قال محمود وهو ينظر إلى الورقة الصغيرة
هم جايين ياخدوا دي.
مدّها إلى عمر.
خبيها... مهما حصل.
لكن عمر لم يفتحها.
طواها ووضعها داخل بطانة سترته.
وقال
الحقيقة أهم من الانتقام.
بعد دقائق، نجحت المجموعة في الخروج عبر نفق قديم أسفل المخزن.
كان النفق يؤدي إلى منزل مهجور يطل على البحر.
هناك فقط...
استطاعوا التقاط أنفاسهم.
قالت نادية، وهي تنظر إلى عمر
فيه حاجة لازم تعرفها.
إيه؟
أبوك ما كانش بيحارب عصابة...
كان بيحارب رجال أعمال وسياسيين وضباط فاسدين، كل واحد فيهم كان بيحمي التاني.
ولو نشرت الحقيقة مرة واحدة...
البلد كلها هتدخل في فوضى.
نظر إليها عمر طويلًا.
ثم قال
أنا مش هدور على فضيحة.
أنا هدور على العدالة.
ابتسمت نادية لأول مرة.
وقالت
دلوقتي بقيت شبه أبوك فعلًا.
في صباح اليوم التالي...
جلس خبير الأدلة يفتح الورقة المخفية داخل الميدالية بحذر شديد.
لم يكن فيها اسم شخص واحد.
بل خمسة أسماء.
أربعة منها...
وُضع بجوارها خط أسود.
قال الخبير
الخط الأسود معناه إنهم ماتوا.
رفع عمر عينيه.
والخامس؟
نظر الخبير إلى السطر الأخير.
ثم شحب وجهه.
الختم ده...
ده ختم جهة رسمية.
تناول عمر الورقة بنفسه.
قرأ الاسم.
ثم أغلقها فورًا.
سأله حسام
مين؟
أجاب عمر بعد صمت طويل
لو قلتلك دلوقتي...
مش هتصدقني.
سأله آدم
شخصية كبيرة؟
هز رأسه.
أكبر مما تتخيل.
ثم مزق نسخة مصورة من الورقة أمام الجميع.
نظروا إليه بدهشة.
فقال
من النهارده... الحقيقة دي مش هتعرفها غير أنا.
لأن أي حد يعرف الاسم...
هيبقى هدفه التالي.
وفي تلك الليلة...
وقف عمر وحده أمام قبر والده.
ووضع الميدالية فوق الرخام.
وقال بصوت هادئ
وعدتك أجيب الحقيقة.
ووصلتلها.
لكن تنفيذ العدالة... لسه البداية.
ثم استدار وغادر.
بينما في مكان بعيد...
كان رجل مجهول يشاهد عمر عبر شاشة صغيرة.
ابتسم ابتسامة غامضة، وأغلق الحاسوب.
وقال
أخيرًا... بدأ الفصل الحقيقي.
تمت.