رواية كاملة
والمخللات المشكلة بألوان تفتح النفس. قعدت على طرف السفرة، على كرسي صغير جنب الباب، قلت أهو أكون قريبة وفي نفس الوقت أحجز مكاني عشان أول ما المدفع يضرب أهجم. الضيوف كلهم قعدوا، محمود قعد في النص وجنبه عمامه الكبار، وحماتي قعدت على رأس السفرة كأنها ملكة متوجة وسط رعيّتها.
الله أكبر.. الله أكبر.. أذان المغرب أذن، والمدفع ضړب. قلبي دق بسرعة، وريقي جري. مسكت المعلقة وحطيت أول معلقة رز بالخلطة والكاري في طبقي، ولسه برفع المعلقة ل can بقي، لقيت صوت حماتي جه زي الړصاصة من آخر السفرة تعالي يا مرات ابني، هاتي العصير المتلج من التلاجة، الناس ريقها ناشف من الصيام، مش هينفع يشربوا الشوربة كده عل طول. بصيت ليها ولقيت كل العيون لفت تبصلي، بلعت ريقي وبصيت لطبق الرز اللي بيلمع قدامي، وقلت في سري معلش.. دقيقة واحدة، هجيب الشفاشق وأرجع بسرعة، الصبر جميل. قمت وابتسامتي على وشي، دخلت المطبخ فتحت التلاجة، شلت شفشقين عصير قمر الدين وتمر هندي تقال ومليانين تلج، وطلعت بيهم بسرعة. صبيت للعم الكبير وللعم الصغير وللخالات، ولما جيت أقعد تاني على كرسيّ، وقطعت حتة بط صغيورة وحطيتها في الطبق مع المحشي، ولسه همد إيدي أخد أول لقمة...
قالت حماتي بنبرة آمرة حاسمة بصي كده يا بنتي.. شوفي الصحون ناقصة إيه، العيش فين؟ السفرة الكبيرة دي ما عليهاش عيش كفاية، والشوربة عند عمك الحاج غريب قربت تخلص، قمي زودي الصحون وشوفي الناس محتاجة إيه، أنتِ صاحبة بيت برضه ولا إيه؟. ابتسمت والابتسامة كانت طالعة بصعوبة كأنها بتطلع من روحي، وقلت لها حاضر يا ماما. قمت تاني، دخلت المطبخ جبت عيش سخن ووزعته، وأخدت بولا الشوربة
بتاعة عم محمود وزودتها من الحلة الكبيرة اللي على البوتاجاز ورجعتها. جيت أقعد، لقيت طفل صغير من أولاد العيلة دلق كوباية العصير على المفرش، حماتي بصتلي وقالت الحقي يا هناء، هاتي فوطة بسرعة وامسحي قبل ما البقعة تمسك في المفرش الغالي. قمت جري جبت الفوطة ومسحت ونضفت، والناس بتاكل وتتمخمخ، وصوت مضغ الأكل وقرمشة الرقاق وتكة صوابع المحشي في البق كان عامل زي السيمفونية اللي بتعذبني.
كل ما أقرب من السفرة، ألاقي طلب جديد مستنيني كأن فيه مؤامرة. مرة يقولوا الملاحة مش موجودة، أقوم أجيب ملح وفلفل. مرة يقولوا الملاعق مش كفاية وفيه ضيف محتاج شوكة، أقوم أغسل شوك وأجيبها. مرة الباب يخبط ويكون ضيف متأخر، أقوم أفتح الباب وأرحب بيه وأخد جاكتته وأجيب له كرسي وأحط له طبق وسرفيس جديد. ومرة يقولوا عايزين مياه ساقعة من التلاجة لأن العصير مسكر زيادة، أقوم أجيب إزازات المياه. أنا بلف حولين السفرة زي النحلة، وكل ما عيني تيجي في عين محمود جوزي، ألاقيه بياكل ورك البطة وبيمصمصه بتمزج، ويبصلي بطرف عينه ويشاورلي بإيده من تحت لتحت بمعنى استحملي شوية.. معلش.. لما الناس تخلص ابقي كلي براحتك، دول ضيوفنا وما ينفعش نقصر معاهم. كلامه كان بېحرق دمي أكتر، لأن بطني كانت بتصوت من الجوع، ونفَسي انقطع من الجري والتنطيط، وريحة الأكل اللي مالية مناخيري خلتني خلاص هعيط.
الضيوف كانوا قاعدين ياكلوا ويضحكوا ويمسحوا إيديهم ويرموا العضم، ويشكروا في الأكل بأعلى صوت تسلم إيدك يا أم محمود.. والله العظيم شوية محشي ما دوقتش زيهم من سنين، البشاميل ده حكاية، دايب دوب يا حاجة، الديك الرومي مستوي زي الزبدة، تسلم إيدك وعينيكي. وحماتي قاعدة تنفش ريشها زي الطاووس وتقول بالهنا والشفا يا حبايب قلبي، ده أنا واقفة عليه من الفجر، ما نمتش دقيقة عشان يطلع بالجمال ده، كلوا، كلوا ما تتكسفوش، الأكل كتير والخير باسط. وهي بتقول واقفة عليه من الفجر بصتلي بطرف عينها وابتسمت ابتسامة انتصار سخرية، وكأنها بتقول للناس إنها هي اللي عملت كل حاجة لوحدها، وأنا مجرد شغالة وجاية على الجاهز. وأنا؟ ولا لقمة... ولا لقمة واحدة دخلت بقي! حتى ريقي نشف من كتر الحركة والطلبات اللي ما بتخلصش.
فضلت أقنع نفسي وأهدي في ثوراني الداخلي، وأقول عادي يا بت يا هناء... الضيف له حق وإكرامه واجب، والأكل كتير في الحلل ومش هيطير، وحماتي ست كبيرة وتعبت برضه، ومحمود جوزي شكله هيبقى وحش قدام أهله لو أنا قعدت وآكلت وسيبت الناس محتاجة حاجة. بس كل دقيقة كانت بتعدي والناس بتمسح الصواني والطباق، كنت بحس بغصّة في قلبي. أنا مش مجرد كنّة بتساعد أهو واجب وود... لأ، أنا كنت بحس في اللحظات دي كأن جايبيلي خدامة باليومية في العزومة، ماليش حق أقعد، ماليش حق آكل، ماليش حق أرتاح. أذان المغرب خلص من زمان، والناس بدأت تخلص أكل وتاكل براحة وتتمط على الكراسي وتشرب المياه، وأنا لسه بلف بين السفرة والمطبخ، شايلة أطباق فاضية وحاطة أطباق تانية، وكل ما أحاول أسند ضهري على الكرسي دقيقة وأمسك صباع محشي بايد ترتعش من الجوع... ييجي صوت حماتي العالي، الرنان، اللي بيقطم السكوت ويناديني من جديد يا هناء.. شوفي الشاي فين يا بنتي، الناس عايزه تحبس، واغسلي الطباق دي بسرعة عشان نغرف فيها الحلو!.
هنا... في اللحظة دي بالذات... حسيت إن صبري خلاص، جاب آخره تماماً. الخزان فضي، والطاقة الإيجابية ا
تخرت، والجوع كافر.