رواية كاملة

لمحة نيوز


متخيلة إن فيه نبل وطهارة قلب بالشكل ده في الزمن اللي إحنا فيه.
خرجنا للصالة بعد ما مسحنا دموعنا، وجوزي مكنش حاسس بحاجة. فايزة هي اللي راحت وقفت قدامه، وبصتله بابتسامة واسعة وقالت له
_ كل سنة وإنت طيب يا أبو... ولفت بصتلي يا أبو غالي.. أميرة حامل يا سيدي، ودي أحلى هدية لعيد ميلادك في الدنيا.
جوزي تيبس في مكانه. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. بص لفايزة وبصلي، ولقيته فجأة قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بصوت عالي.. دموع سنين الحرمان كلها نزلت في اللحظة دي. قمنا إحنا الاتنين جرينا عليه، فايزة طبطبت عليه وأنا مسكت إيده، والبيت كله اتقلب لحالة من المشاعر المختلطة اللي متتوصفش.
بعد اليوم ده، حياتنا اتغيرت تمامًا، بس مش بالطريقة اللي الناس عارفاها عن الضراير. فايزة بقت هي اللي بتراعيني في كل صغيرة وكبيرة. هي اللي بتطبخ لي، وهي اللي بتفكرني بمواعيد الدكاترة، وهي اللي بتنزل تشتري لبس البيبي معايا.
جوزي كان عايش في الجنة، شايف الست اتنين اللي بيحبهم عايشين في سلام، والطفل اللي كان بيحلم بيه بيكبر قدام عينه يوم بعد يوم.
مرت شهور الحمل بسرعة، ودخلت في الشهر التاسع. في يوم بليل، كنت قاعدة في شقتي لأننا كنا مقسمين الأيام بالعدل، وفجأة حسيت بوجع رهيب في بطني.. وجع مخلانيش قادرة أتنفس. عرفت إنها الولادة.
اتصلت بجوزي وبفايزة، وفي ثواني كانوا عندي. أخدوني على المستشفى وجريوا بيا على غرفه العمليات. كنت بصرخ من الألم، وفايزة كانت ماسكة إيدي لحد باب الأوضة وبتقولي جامدة يا أميرة.. قومي بالسلامة يا بنتي عشان تشيليه.
دخلت الأوضة، وغبت عن الوعي تحت تأثير البنج..
فوقت بعد ساعات.. لقيت نفسي في أوضة المستشفى. الوجع خف، والهدوء مال المكان. أول ما فتحت عيني، لقيت جوزي قاعد على الكرسي اللي جمبي، باصص للأرض ووشه مخطوف.. مكنش فيه أي علامة للفرحة على وشه. ولما بصيت الناحية التانية.. ملقتش فايزة!
قلبي انقبض فجأة، وحسيت برعب غريب بيسيطر عليا. بصيت لجوزي ونديت عليه بصوت مبحوح
_ أحمد.. فين البيبي؟ وفين فايزة؟ حصل إيه؟
أحمد رفع راسه وبصلي.. عينه كانت حمرا دم، ودموعه نازلة على خده بغزارة. قام وقف وقرب مني، مسك إيدي وهو بيترعش، وبنبرة كلها وجع وكسرة مسمعتهاش في صوته قبل كدة، قال
_ أميرة.. فايزة.. فايزة راحت يا أميرة..!!!
الكلمة هزت الأوضة كلها.. حسيت إن الدنيا دارت بيا.. فايزة راحت فين؟ وإيه اللي حصل في غرفه العمليات؟ وإيه السر اللي الدكاترة خبوه عننا وطير الفرحة من البيت في اللحظة اللي كنا مستنيينها؟! ووو.....!!!!
الفصل الثالث والأخير
الدنيا دارت بيا، والأوضة بدأت تلف، وصوت ضربات قلبي بقى زي الطبل في وداني. فايزة راحت فين يا أحمد؟ راحت فين؟!.. صرخت بالكلمة دي وأنا بحاول أقوم من السرير، لكن الوجع وجرح العملية شدوني لتحت. كنت ببكي بهستيريا وجوزي ماسكني وبيحاول يهديني وهو نفسه منهار، دموعه غرقانه على وشه ومش قادر يقف على رجله.
_ اهدى يا أميرة.. اهدى عشان الجرح يا حبيبتي.. وحدي الله..
_ أوحد الله في إيه؟! فايزة مالها؟ جرالها إيه؟ بنتي فين يا أحمد؟ ابني فين؟! محدش يداري عليا!
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل الدكتور ومعه الممرضة. الدكتور كان باصص للأرض وعلامات الأسف مأثرة على وشه تمامًا. قرب من أحمد وطبطب على كتفه، وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية وموجوعة
_ حمد الله على سلامتك يا مدام أميرة.. إنتِ قمتي بالسلامة، والمولود ولد زي الفل وصحته ممتازة.. بس للأسف، المدام فايزة.. البقاء لله وحده.
جملة نزلت عليا زي الصاعقة اللي قسمت ظهري نصين. فايزة؟ فايزة الست اللي كانت واقفة برا بتدعيلي؟ الست اللي شالتني في بطنها وفوق دماغها طول تسع شهور؟ ماتت إزاي؟ وليه؟ وهي مكنتش تعبانة!
أحمد قعد على أقرب كرسي وحط راسه بين إيديه وبقى ينتحب زي الأطفال. الدكتور قعد جمبي على السرير وبدأ يشرحلي اللي حصل وهو بيحاول يهديني
_ المدام فايزة مكنتش تعبانة فجأة يا مدام أميرة. فايزة كانت مريضة قلب بقالها سنتين، وحالتها كانت متأخرة. هي اللي كانت منبّهة عليا وعلى المستشفى كلها محدش ينطق بكلمة قدامكم، وخصوصًا قدامك إنتِ عشان حملك ميتأثرش. طول الشهور اللي فاتت كانت بتاخد مسكنات وعلاج تقيل جدًا عشان بس تقدر تقف على رجليها وتخدمك وتفرح معاكم.
دموعي كانت بتنزل زي الشلال وأنا بسمع.. عقلي مش قادر يستوعب التضحية دي.. للدرجادي؟
الدكتور كمل والدمعة فرت من عينه
_ النهاردة وهي واقفة مستنياكِ تخرجي من الأوضة، حست بأزمة شديدة. رفضت إننا نسعفها في أوضة تانية، وفضلت قاعدة على الكرسي قدام باب العمليات وهي بتنهج وبتموت، وبتقولنا مش هتحرك من هنا إلا لما أسمع صوت ابن أحمد.. مش همشي إلا لما أطمن على أميرة. أول ما الممرضة خرجت بالبيبي وفايزة شافته، وشها نور.. خديته في حضنها وبسته، وقالت ألف حمد وشكر ليك يا رب.. أمانتي وصلت. وبعدها بدقيقة واحدة.. جطلها هبوط حاد في الدورة الدموية، وماتت وهي مبتسمة والبيبي في حضنها. سكتت وماتت في سلام.
السر اللي خبته فايزة طول الشهور دي كان وجعها.. كانت بتموت بالبطيء بس مكنتش عايزة تكسر فرحة جوزها، ولا كانت عايزة توترني وأنا حامل في الحلم اللي استنته عمرها كله.
فضلت في المستشفى
 

تم نسخ الرابط