رواية كاملة

لمحة نيوز


مين بالضبط؟
العجوز بص لها.
ولثواني طويلة ما ردش.
كأنه بيتأمل ملامحها.
ملامح بنته.
ملامح ليلى.
وفجأة اتغيرت عينه.
إنتي شبهها أوي.
رنا اتوترت.
أمي؟
بنتي.
الكلمة وقعت على المكان كأنها قنبلة.
رنا شهقت.
بنتك؟
ليلى كانت بنتي الوحيدة.
لا
أيوه.
أحمد قفل عينه.
واضح إنه كان عارف جزء من الحقيقة.
لكن مش كلها.
العجوز كمل
أنا بنيت إمبراطورية كاملة.
ناس كتير أكلت وشربت واغتنت بسببي.
لكن بنتي قررت تدمر كل حاجة.
أمي ما كانتش مجرمة.
صاحت رنا.
العجوز ضحك.
عشان كده هربت.
عشان كانت أنضف من كل اللي حواليا.
سكت لحظة.
وبعدين قال
ولما اكتشفت الأسرار اللي مخبياها بقت خطر.
أخو رنا قبض إيده.
إنت اللي قتلتها؟
الصمت نزل فجأة.
العجوز بصله.
وبعدين قال بهدوء مرعب
لا.
الكلمة خلت الكل يتجمد.
أمال مين؟
سأل أحمد.
العجوز لف ناحية أحمد.
أبوك.
الهواء نفسه وقف.
أحمد حس إنه مش قادر يتنفس.
إيه؟
أبوك الحقيقي.
إنت أبويا.
لا.
أحمد رجع خطوة.
العالم كله بدأ ينهار حواليه.
العجوز قال
أنا ربيتك.
لكن أبوك كان أخويا.
وأخويا هو اللي قتل ليلى.
رنا حست إنها هتقع.
كل دقيقة الحقيقة بتطلع أبشع من اللي قبلها.
أخوها التوأم اتكلم لأول مرة.
وقبل ما يقتلها أخدت منه الملفات.
العجوز هز راسه.
أيوه.
والملفات لسه موجودة.
أحمد رفع عينه بسرعة.
فين؟
أخو رنا بص ليها هي.
بس ليها.
عندك.
رنا اتصدمت.
عندي أنا؟
أيوه.
مستحيل.
فكري كويس.
بدأت الذكريات ترجع.
صندوق خشب قديم.
كانت أمها مخبياه تحت السرير.
وكانت دايمًا تقول
لو جرالي حاجة ما تفتحيهوش غير لما تعرفي الحقيقة.
الصندوق!
الصندوق لسه في المطعم.
في أوضتها.
وفجأة كل الأنظار بقت عليها.
العجوز ابتسم.
أخيرًا افتكرنا.
أحمد اتوتر.
لازم نوصل قبله.
لكن قبل ما حد يتحرك
دوى صوت رصاص.
الإزاز انفجر.
والكل نزل على الأرض.
ملك صرخت.
وعمر عيط بعنف.
الرصاص بدأ يضرب البيت من كل اتجاه.
العجوز بص للشباب اللي معاه بغضب.
مين اللي بدأ ضرب النار؟!
واحد من رجالته جري ناحيته.
وشه شاحب.
مش رجالتنا يا باشا.
أمال مين؟
الرجل بلع ريقه.
في قوة تالتة وصلت.
الصمت رجع تاني.
العجوز اتجمد.
أحمد اتجمد.
حتى أخو رنا.
كلهم عرفوا الاسم قبل ما يتقال.
الرجل همس
الشاذلي الكبير.
العجوز فقد لونه.
لأول مرة.
مستحيل
الرجل كرر
عايش.
والد أحمد الحقيقي.
الرجل اللي الكل افتكره مات من عشر سنين.
وصل.
ووصل علشان ياخد الملفات.
وياخد الأطفال.
وياخد أي حد يعرف الحقيقة.
ورنا كانت واقفة وسط كل ده وهي حاضنة الطفلين.
وفهمت أخيرًا إن اللي بدأ كليلة مطر قدام مطعم صغير في شبرا
بقى حرب كاملة.
وحرب زي دي
محدش بيطلع منها زي ما دخل.
الجزء الرابع
الرصاص كان بينزل على البيت زي المطر.
الإزاز اتكسر كله تقريبًا.
والصراخ جاي من بره ومن جوه.
رنا كانت ضامة عمر وملك لصدرها، وحاسة إن قلبها هيقف من الخوف.
لكن وسط الفوضى دي كلها، حاجة واحدة كانت واضحة.
الصندوق.
الصندوق اللي أمها خبّته طول عمرها.
الصندوق اللي بسببه ناس بتموت وناس بتطاردهم من سنين.
أحمد الشاذلي ضغط على جنبه المصاب وقال بصوت متقطع
لازم نخرج من هنا حالًا.
أخو رنا التوأم هز راسه.
لو فضلنا هنا هنموت.
العجوز كان واقف عند الشباك المكسور، بيبص بره بصدمة.
لأول مرة شكله ماكانش شكل رجل متحكم في كل حاجة.
كان شكل واحد خايف.
خايف بجد.
رنا بصتله.
مين الراجل ده؟
العجوز رد بصوت واطي
الشيطان اللي علمني أبقى شيطان.
قبل ما حد يسأله أكتر، انفجار ضخم هز الأرض كلها.
سقف الأوضة اترج.
وتراب وقع عليهم.
أحمد صرخ
من الباب الخلفي!
الكل جري.
نزلوا من ممر ضيق ورا البيت كان مستخدم زمان كمخزن.
الدنيا بره كانت ضلمة.
لكن أصوات العربيات والرصاص كانت مالية المكان.
وصلوا لعربية دفع رباعي قديمة مستخبية وسط الأشجار.
أخو رنا فتح الباب بسرعة.
اركبوا!
رنا دخلت ومعاها الطفلين.
أحمد دخل بالعافية.
أما العجوز فوقف لحظة.
بص ناحية البيت.
وبعدين قال
لو خرجت من هنا النهارده يبقى دي معجزة.
أخو رنا جذبه لجوا.
والعربية انطلقت.
خلفهم كانت النيران بدأت تمسك في البيت القديم.
وكأن كل أسرار الماضي بتتحرق معاها.
لكن الحقيقة ما كانتش هناك.
الحقيقة كانت في القاهرة.
في أوضة صغيرة فوق مطعم الحاجة ليلى.

بعد أربع ساعات.
وصلوا شبرا مع أول ضوء للنهار.
الشارع كان فاضي.
والمطعم مقفول زي ما رنا سابته.
نزلت من العربية وهي بتجري.
طلعت السلم.
فتحت أوضتها.
ووقفت فجأة.
كل حاجة كانت متلخبطة.
الدولاب مفتوح.
المرتبة متقطعة.
الأدراج مقلوبة.
حد سبقهم.
حد كان بيدور على الصندوق.
رنا حست برعب.
لكنها افتكرت حاجة.
أمها كانت دايمًا تقول
لو ضاع المفتاح بصي ورا الصورة.
جرت ناحية الصورة القديمة اللي فيها هي وأمها.
رفعتها.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحيطة.
جواه مفتاح نحاس قديم.
إيديها كانت بترتعش.
نزلت على الأرض.
وسحبت لوح خشب من تحت السرير.
وظهر الصندوق.
نفس الصندوق.
بترابه القديم.
وقف الكل حواليه.
الصمت كان تقيل.
رنا فتحت القفل.
ولما الغطا اترفع
الكل اتصدم.
ماكانش فيه فلوس.
ولا دهب.
ولا أوراق مهمة.
كان فيه جهاز تسجيل صغير.
ومعاه فلاشة.
وظرف مكتوب عليه بخط أمها
لرنا لو وصلتي للحقيقة.
دموع رنا نزلت غصب عنها.
فتحت الظرف.
كانت فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
يا بنتي
لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.
وأعرفي إن كل كلمة قولتهالك كانت حقيقية.
أنا اخترت أبقى أمك قبل ما أبقى أي حاجة تانية.
لكن فيه أسرار لازم تعرفيها.
لأن ناس كتير ماتت علشانها.
رنا ماقدرتش تكمل.
أحمد شغل جهاز التسجيل.
وفجأة
طلع صوت أمها.
صوت الحاجة ليلى.
نفس الضحكة.
نفس الحنان.
ونفس الدفا.
لكن الكلمات اللي قالتها خلت الكل يتجمد.
اسمي الحقيقي ليلى الشاذلي.
وأنا ما هربتش لوحدي.
أنا هربت ومعايا بنتي.
أما ابني
فأخدوه مني غصب.
والشخص اللي أخده
ماكانش عدوي.
كان أقرب إنسان ليا.
أخو رنا رفع راسه ببطء.
وكأنه عارف الجملة الجاية.
الصوت كمل
أخويا.
العجوز وقع على الكرسي.
أحمد اتصدم.
رنا بصت ناحية أخوها.
أما هو فكان ساكت.
ساكت بشكل مخيف.
التسجيل كمل
أخويا هو اللي سلّم ابني.
وأخويا هو اللي بلغ عن مكاني.
وأخويا هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
الأنظار كلها اتحولت ناحية العجوز.
وجهه بقى شاحب.
مرعوب.
وكأنه لأول مرة في حياته اتكشف.
رنا همست
يعني أنت
لكن قبل ما تكمل
صوت كسر جامد جه من تحت.
وبعدين صوت باب المطعم بيتخلع.
وبعدين خطوات.
كتير.
قوية.
جاية على السلم.
الكل بص لبعضه.
وأحمد سحب نفس طويل.
وقال
وصلوا.
ثم دوى صوت رجل من أسفل السلم
خلص وقت الهروب.
افتحوا الباب.
لأن المرة دي
مفيش حد هيخرج عايش.
وانتهى كل شيء عند تلك اللحظة
لحظة الوقوف وجهًا لوجه أمام الحقيقة الأخيرة.
الجزء الخامس
الصمت نزل على الأوضة كأنه كفن.
الخطوات كانت بتقرب.
درجة
درجة
درجة.
حد طالع السلم.
وكل خطوة كانت بتخبط جوه صدر رنا.
عمر وملك كانوا نايمين أخيرًا من التعب، لكن الكبار محدش فيهم كان قادر حتى ياخد نفس طبيعي.
أحمد الشاذلي وقف بالعافية وسند نفسه على الحيطة.
أخو رنا التوأم قرب من الباب.
أما العجوز فكان قاعد مكانه.
منهار.
لأول مرة من ساعة شافوه.
صوت الرجل جه من بره تاني
افتحوا يا ولاد الشاذلي.
احنا تعبنا من الجري.
رنا بصت لأحمد.
تعرف الصوت؟
أحمد وشه شحب.
شحب بشكل مرعب.
وبص للعجوز.
هو.
العجوز قفل عينه.
كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
أيوه
هو.
الباب اتهز بعنف.
ثم ضربة تانية.
وثالثة.
وفجأة
اتكسر.
ودخل الراجل.
كان عنده حوالي سبعين سنة.
شعره أبيض.
لكن جسمه مستقيم.
وعيونه حادة بشكل مخيف.
عيون واحد متعود ياخد اللي عايزه.
حتى لو هيكسر الدنيا كلها.
وقف في نص الأوضة.
وبص لكل واحد فيهم.
لحد ما عينه وقفت على رنا.
وساعتها
ابتسم.
ابتسامة خلتها ترتعش.
شبه أمك.
رنا ما ردتش.
الرجل دخل أكتر.
وكأنه صاحب المكان.
ثم بص للعجوز.
وقال
عامل إيه يا أخويا؟
العجوز نزل عينه في الأرض.
أول مرة.
أول مرة حد يشوفه بالشكل ده.
الرجل ضحك.
أخيرًا اتعلمت الخوف.
أحمد قرب خطوة.
إنت قتلت ليلى؟
الرجل بصله.
وبعدين ضحك أكتر.
لا.
كداب.
أنا ما قتلتهاش.
الصمت نزل.
والرجل كمل
لأنها ماتت وهي بتحاول تهرب من رجالتك إنت.
أحمد اتجمد.
إيه؟
الحقيقة عمرها ما كانت بسيطة.
التسجيل اللي سمعته ناقص.
ليلى هربت.
وأخويا خانها.
وأنت حاولت ترجعها.
والكل جرى وراها.
وفي الآخر
العربية اتقلبت بيها وهي بتحاول تنقذ بنتها.
رنا حست إن رجليها مش شايلينها.
أمها
ماتت لوحدها.
بعد كل السنين دي.
الرجل طلع ظرف قديم من جيبه.
ورماه على الأرض.
 

تم نسخ الرابط